من يقول إن الصورة لا تتكلم فهو مخطئ لا محالة لأنه لم يقرأ مدلولها، لم يقرأ التفاصيل التي تذهب بنا بعيدا إلى قراءة تاريخ حافل بالأحداث، لم يقرأ الأماكن الجميلة التي نسجت فيها الجدة أجمل الحيك ، وحمل الجد فيها بضاعته يجوب فيها الأسواق العتيقة التي كانت موئل الرواد ومقصد الباحثين عن ألوان الفن من نحاس وفضة وسجَّاد ومأكولات وملبوسات، نعم إنها تتكلم وترفع صوتها عاليا بأنني هاهنا ، أحكي حكايات الآباء والأمهات والأجداد والجدات الذين كانوا صغارا يوما ما ، يتعثرون في جلابياتهم يمارسون ألعابا كالدسيس والصبة والنطة وعربانة الحديد.

ولأن الصورة تقترن دائما بالمصوِّر أبت تلك المصورة التي اقترن اسمها بالصور القديمة للإمارات إلا أن تكون العنوان الأبرز في أمسية فنية جابت بنا أرجاء الفريج القديم، إنها شيخة السويدي أوَّل مصور إماراتية حلَّت ضيفة على دار ابن الهيثم للفنون البصرية لتعرِّف بأهمِّ أعمالها التي أرخت لجيل عايشته ، حيث حملت كاميراتها تلتقط المشهد الذي يلفت نظرها في زمن كان تعز فيها تلك الأجهزة التي كانت بيد ذوي الاختصاص.

اسمها الكامل شيخة جاسم محمد مبارك من مواليد 1936 بدبي ديرة فريج المرر وهي أم لـ4 بنات وولدين، فيما لم تقتصر هوايتها على التصوير ، فقد كانت لها هواياتها تعكس بها ذلك الطموح الكبير الذي كبر معها خلال كل مرحلة زمنية ، كالأشغال اليدوية والحياكة والطبخ والشعر.

 

البداية

بعد أن انتقلت هي وعائلتها من فريج المرر إلى بر دبي منطقة شارع الفهيدي حاليا في منتصف الأربعينيات إبان حكم الشيخ سعيد آل مكتوم ، حيث كان عمرها لا يتعدى 9 سنوات بعد أن فقدت أباها ، فتأزمت أوضاع العائلة الاقتصادية لتنضم هي ووالدتها إلى منزل محمد شريف الملقب باسم أرباب وكيل الشيخ سعيد.

شغفت بالرسم في سن 15 سنة عندما كانوا يشترون الخبز والتمر في الصحف والجرائد التي ترسل إلى الدولة من الخارج ، فكانت ترسم الصور التي في الجرائد، فرأى رسمتها أحد جيرانها وهو خليل ملا قمبر وهو أول من اكتشف موهبتها ، حيث كان يعمل في مكتب كرمكنزي. فأخذ رسمتها إلى وكيل كرمكنزي جورج جابمان بريطاني الأصل الذي أعجب برسوماتها كثيرا فأعطاها لوحة أكبر لكي ترسم فرسمتها باقتدار.

الوجهة التصوير

كان أحد الموظفين الذين يعملون في مكتب كرمكنزي يمتلك كاميرا أتى بها من الهند اسمه جيتاه، فكانت تستعيرها منه لتمارس هوايتها في التصوير ، حيث كان لها دور كبير في تشجيعها على التصوير بعد إعجابه بموهبتها في الرسم حيث لم تتجاوز آنذاك سن الخامسة عشرة من العمر في فترة الخمسينيات.

 

مكتشف الموهبة

بعد اكتشاف ملا قمبر موهبتها في الرسم اكتشف جيتاه موهبتها في التصوير وقام بإعارتها الكاميرا وتشجيعها على التصوير، وفي تلك الفترة كانت تراقب طريقة تصوير الأجانب السياح لتطبقها ميدانيا من خلال تصوير المشاهد التي تحبها وتلفت نظرها بصحبة صديقاتها.

ولأن فن التصوير كان هاجسها أينما حلت وارتحلت ، فقد كانت المناظر المهمة المادة التي تفجر فيها طاقاتها في التصوير وكانت تجتمع مع صديقاتها وجاراتها في المناسبات المختلفة لتلتقط أجمل الذكريات معهن، كما التقطت صورا في بداية زواجها مع زوجها ومن ثمة مع أبنائها، مستخدمة خيار «تايمر» لتصوير نفسها.

 

أول كاميرا

في بداية أمرها كانت تستعير الكاميرا من جيتاه حيث كان اسم الكاميرا «اكفا اوتوماتيك»، فشغفها الدائم بالتصوير جعل محمد الشريف يوفر لها مبلغا من المال يمكِّنها من اقتناء آلة تصوير خاصة بها تجوب بها جنبات الفريج ملتقطة أفضل المشاهد التي تراها وكانت الكاميرا «كفا» أم الخرطوم دليلها في تلك العملية التي أحبَّتها رغم طابع الخجل الذي كان يغلبها ولكن حبها الكبير للتصوير جعلها تكسر تلك الحواجز النفسية لتكون دليلا يحكي للأجيال القديمة حكاية الآباء والأجداد في مشاهد تظل عالقة مد الحياة في ذاكرة الإنسان.

للإشارة فإن الكاميرا التي كانت الأولى بالنسبة لها تمضي بها إلى تكريس حبها للتصوير اشترتها من محل عبد الكريم كابتن، فلاتزال تحكي من خلال المعرض الذي خصص لها ولأعمالها أهم المحطات التي كانت تمثل كل منها منعرجاً حاسماً في حياتها التصويرية تحكي كل صورة لها حكاية موهبة كانت الأولى في عالم التصوير المؤنَّث في الدولة.

 

حكاية سفر

في سن السابعة عشرة ذهبت في أول سفر لها إلى الهند عبر البحر في مركب «سردانة» للعلاج مدة شهرين في منطقة مرج، كان ذلك منتصف الخمسينيات آخذة الكاميرا معها لالتقاط صور تذكارية للممرضات والدكتور سيسل. وفي تلك الأثناء التقت بزوجة د. محمد حبيب وابنته اللذين كانا جيرانا لهما في دبي، وفي الفترة نفسها تعرفت على الشيخ خالد آل نهيان شقيق المغفور له بإذن الله الشيخ زايد الذي كان يزور المستشفى نفسه فتحتفظ بصورة لإحدى الخادمات شانتا بايي التي كان لها ولدان فأخذتهم الشيخة شيخة بنت سعيد آل مكتوم لينقلوا إلى دبي وبعد فترة دخلوا الإسلام ولقبوا بعدها بحمود وعبود.

 

وراء كل صورة قصة

وقبل المحاضرة التي خصصتها لها دار ابن الهيثم للفنون البصرية جابت بنا شيخة السويدي جنبات الدار التي علقت في جدرانها تلك الصور تحكي لنا حكاية كل صورة بكل تفاصيلها تفتح دفاتر الماضي بعين المصورة التي أضحت رقما مهما في معادلة التوثيق الإماراتي تجوب بزوارها بين الفريج محلقة بهم في المناسبات المهمة التي كانت تحييها المرأة في ذلك الوقت على غرار يوم المرأة، بالإضافة إلى المناسبات التي كانت تشكل لها تلك السعادة الغامرة على غرار ذكريات بداية زواجها، أما ولداها فهما الفاصلة العاطفية التي تؤرخ لحنان أم تعاظم كلما شد عود ذلك الابنين البارَّين اللذين لم يعلما أنه سيكون أحدهما مديراً لفرع طيران الإمارات، و الآخر مدربا للكاراتيه عندما كانا يلهوان في ألعابهما، إلى ما هناك من الصور التي كشفت عن كامل أسرارها في ندوة استثنائية شكلت خطوة مهمة لتاريخ امرأة أبت إلا أن تكرِّس موهبتها لتوثيق أحداث وتصوير أشخاص وأماكن.

أما الندوة التي نشطتها بعد أن جابت جنبات الدار تعرف الزوار على الصورة ذهبت بنا أول مصورة إماراتية إلى عوالم جميلة من الأشياء التي زخرت بها دبي والإمارات تحدثنا عن كل صورة تسهب في شرحها وتغرق في الحديث عن ملابساتها فكأن شريطا سينمائيا يمر بناظرينا نكتشف في كل مشهد حكاية تُساغ للأجيال الشابة، كيف لا والشيخة السويدي تفننت في التصوير والتحميض إلى الرسم والشعر لتدندن بأبيات لا تزال تحفظها إلى يومنا هذا،

تقول فيها:

قلبي تجسَّم ثلاث أجسام بالهيبي

نصَّه كَلَهْ السبع ونصَّه كله الذيبي

ونُصّ الأنصاف معلَّق في تلابيبي

هذا الأمر تحقيقي يستاهل الزين من يرميه في الضيق