مع هبوب رياح التحول الكبير في تونس بعد ثورة 14 يناير، بدأت الساحة الاعلامية المحلية تشهد حالة من تصفية الحسابات مع من يعتبرهم الثوار اتباعا للنظام السابق. ففي الصحافة المكتوبة، شهدت «دار الصباح» التي تصدر عنها جريدتا «الصباح» و«لوتون» الناطقة باللغة الفرنسية انقلابا ابيض على الادارة السابقة التابعة لرئيس المؤسسة السابق ومالكها صخر الماطري صهر الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي.
وكان الماطري قد اشترى دار الصباح من ورثة مؤسسها الراحل الحبيب شيخ روحه في صفقة تم الاعلان عنها في العام 2008 بمبلغ اجمالي قدره 10 ملايين دولار، وبعد الثورة بادر صحافيون من الدار بطرد اتباع الماطري وانتخاب مجلس تحرير جماعي في حين كلفت الدولة حارسا قضائيا بتسيير الدار والاشراف على مصالح العاملين فيها.
توقف حذر
وقرر ابوبكر الصغير التوقف عن اصدار مجلته الاسبوعية «الملاحظ» في نسختيها العربية والفرنسية تجاوزا لاية ردود فعل سلبية بسبب علاقاته الوطيدة مع النظام السابق ودفاعه المستميت عنه الى ما قبل فرار بن علي بساعات قليلة.
كما تم اغلاق صحيفتي «الحرية» و «لورونوفو» اليوميتين الناطقتين بلسان التجمع الدستوري الديمقراطي الحاكم سابقا، ووعد الباجي قائد السبسي رئيس الحكومة المؤقتة بالبحث عن حل ملائم للعاملين في مؤسسة دار العمل.
واوقف حزب الوحدة الشعبية وحركة الديمقراطيين الاشتراكيين المعارضان المتهمان بالموالاة لابن علي جريدتيها الاسبوعيتين «الوحدة» و «المستقبل».
واوقفت جريدة «العرب» الدولية اصدار طبعة تونس بعد الثورة، وقرر مالكها ورئيس تحريرها الليبي محمد الصالحين الهوني العودة الى لندن بعد اغلاق مكتب المؤسسة بتونس، وقالت وزارة الداخلية التونسية انها سلمت 20 ترخيصا لاصدار صحف ومجلات جديدة في اطار تحرير الاعلام.
خطاب إعلامي جديد
وغيرت الصحف التونسية منذ 14 يناير الماضي خطابها الاعلامي من المدح والاشادة وتلميع صورة النظام الى التهجم عليه ونشر فضائحه وكشف عوراته.
ودعا عمر صحابو الصحافي المعارض سابقا الى اغلاق الصحف والمحلات التي كانت تعمل في خدمة بن علي وتحصل على اعلى الدعم المالي من حكومته.
وما زالت العناوين الصحافية الاكثر رواجا في العهد السابق تحتل المراكز الاولى في المبيعات بعد الثورة وهي يوميات «الشروق» و«الصريح» و«الصباح» واسبوعيات الاخبار والجمهورية والبيان والانوار والحدث وكل الناس. ويتعرض اعلاميون تونسيون الى اتهامات بالولاء للنظام السابق وبالتعامل مع البوليس السياسي وتنفيذ خطط عبد الوهاب عبدالله الذي يقبع حاليا بالسجن في انتظار محاكمته ، بعد ان كان المهيمن على اجهزة الاعلام والاعلام الخارجي، والمشرف الاول على حقيبة الاتصال في قصر قرطاج ومهندس السياسة الاعلامية لابن علي وزوجته ليلى الطرابلسي.
قضايا وحرس قضائي
رفعت الادارة العامة للتلفزيون التونسي دعوى قضائية ضد ما قالت عنها انها ممارسات فساد وسرقة جرت داخل المؤسسة خلال العهد السابق، وقامت الدولة بتعيين حارس قضائي على اذاعة «شمس اف ام »التي تعود ملكيتها الى سيرين بنت علي ابنة الرئيس المخلوع من زوجته الاولى نعيمة الكافي وزوجة رجل الاعمال مروان المبروك، وكانت اذاعة شمس قي اطلقت بثها اوائل نوفمبر الماضي.وقالت اذاعة موزاييك الخاصة ان اسهم بلحسن الطرابلسي صهرالرئيس المخلوع في رأسمالها لا تتجاوز 12 بالمئة.
واعلن سامي الفهري المنتج المعروف ومدير شركة كاكتوس للانتاج التلفزيوني انه مستعد للتحقيق واثبات براءته مما يتهمه به البعض من استغلال نفوذ بلحسن الطرابلسي للهيمنة على قطاع الانتاج التلفزيوني في تونس، وقامت الدولة بتعيين حارس قضائي على شركة كاكتوس وتجميد ارصدتها الى حين النظر في حقيقة علاقتها بملفات الفساد، واعتبر الفهري ان هناك محاولات لتصفية الحساب معه من خلال اتهامه بجرائم يؤكد براءته منها.
البحث عن تمويل
ومازالت قناة تونس 1 تبحث عن ممولين بعد ان طالت فترة بثها الفضائي التجريبي، واتهم صاحبها طارق البشراوي النظام السابق بمحاولة الاستيلاء على القناة، وانطلق بث قناة «التونسية» بترخيص من الخليج العربي ليجعل منها سامي الفهري محطة لبث برامجه المنتجة ضمن شركة كاكتوس.
وتواصل قناتا «نسمة» و«حنبعل» بث برامجهما التي تعطي الجانب السياسي اهمية كبيرة في ظل صراع من اجل البقاء بعد تراجع نسبة الاعلانات التجارية منذ الثورة، ودخلت الاذاعات الحكومية التونسية صراع تصفية الحسابات من خلال استبعاد مديرين واعلاميين وطرد مسؤولين من مكاتبهم بعد اتهامهم بالانخراط في الحزب الحاكم سابقا او تلميع صورة النظام المطاح به.
إقصاء سياسي
وشهد التلفزيون الحكومي اقصاء عدد من الوجوه البارزة في العهد السابق ومنهم رازي القنزوعي معد ومقدم برنامج «الاحد الرياضي» بسبب علاقته بالنظام السابق حيث ان والده هو محمد علي القنزوعي السفير والمستشار ومدير الامن الرئاسي السابق، والاعلامي المعروف عفيف الفريقي المعروف عربيا من خلال رئاسته للمنظمة العربية للوقاية من حوادث الطرقات والذي كان مقربا من القصر الرئاسي وناشطا عضويا في التجمع الدستوري الديمقراطي الذي قرر القضاء حلّه.
كما قامت التلفزة التونسية بإبعاد الاعلامي الشهير حاتم بن عمارة بدعوى اشادته بالرئيس المخلوع، والاعلامية هالة الركبي التي كانت تقدم برامج كبرى لتلميع صورة النظام السابق، وقد اعتمدت الادارة في قرارها على نجومية الاعلاميين المستهدفين رغم ان اغلب العاملين فيها حاليا كانوا مرتبطين بأجهزة زين العابدين بن علي، وبعضهم شارك في حملاته الانتخابية وفي التعامل المباشر مع القصر ووزارة الداخلية والحزب الحاكم سابقا، كما ان البعض الاخر كان يتعاون مع شركات الانتاج الخاصة المتهمة بالفساد واستغلال نفوذ الواقفين وراءها مثل بلحسن الطرابلسي وعماد الطرابلسي واحمد العقربي ورانية مليكة وحسام الطرابلسي ودريد بن علي وغيرهم.
