يمشي الفنان وفاء بلال المولود في الكوفة والمقيم في نيويورك، والناس تلتفت إليه مندهشة بما يضعه في رأسه. أينما حلّ هو موضع علامات استفهام، خصوصاً في المطارات والفنادق حيث تكثر الناس وكاميرات المراقبة ورجال الأمن. الرجل النحيف ذو العينين الخضراوين والوجه البشوش اللطيف، يضع كاميرا في رأسه تصوّر كل ما يحلو لها خلال 24 ساعة متواصلة! قد يخال المرء أنها مزحة أو نكتة لكنها حقيقة.
ففي المتحف العربي للفن الحديث الذي افتتح منذ شهرين وحيث يعرض وفاء بلال عمله بعنوان «العين الثالثة»، صارت الناس تهرب منه. «هذا هو هذا هو»، تقول صبية لصديقتها. وتضيف: «اهربي كي لا تظهري في الصورة». فتردّ الصديقة بلغة فرنسية: «إنه أغرب شيء رأيته في حياتي». لا يفهم المرء في البدء ماذا يحصل حتى يشرح بلال الموضوع بحدّ ذاته.
فقد عُرف بلال ابن الأربعين سنة، باستخدام جسده على الانترنت كجزء لا يتجزّأ من أعمال التركيب متعددة الوسائط الجديدة والتفاعلية التي ابتكرها. «أعمال التركيب بالفيديو» كما يصرّ على تسميتها في حديثه الى الحواس الخمس. ويفيد بأنها «تعطي مستوى آخر من التأثير يتعدى محتوى الصورة». ويقول بلال الذي يحمل شهادة ماجستير من جامعة نيومكسيكو في الولايات المتحدة، في الفنون والتكنولوجيا، أن مشروعه هذا بدأ يخطط له عام 1991 حين اضطرّ الى مغادرة منزله في النجف بسبب الحرب.
«كنت أرى الدخان والدمار بأم عيني. كنت أحترق من قهري على بلدي. وتمنيّت يومها لو أملك كاميرا لأصور كل لحظة من تلك اللحظات. لأؤرّخ تلك المجازر والدمار لبلدي. وعندما صار بإمكاني أن أصوّر، صرت بطبيعة الحال أختار لحظات معيّنة تمثّل رؤيتي الشخصية للأشياء كي ألتقطها. ونجحت في مشروعين هما «أطلق على العراقي» و«virtual jihadi» أو «جهادي مرئي» وهي ألعاب فيديو يتسابق فيها اللاعبون لقتل صورة الرئيس جورج بوش الابن».
وفي عمله الذي يأتي في خانة «مخفي» في معرض «محكي، مخفي، معاد» في العاصمة القطرية الدوحة المستمرّ حتى 28 مايو المقبل، وبعنوان «العين الثالثة»، دفع بلال بحدود فنّه الى أبعد بكثير من محتوى الصورة الذي تكلّم عنه. فهو أخضع نفسه، على طريقة الفنانة أورلان، الى عملية جراحية لتركيب كاميرا في رأسه من الخلف تصوّر على مدى 24 ساعة متواصلة كل ما تلتقط. ويؤكد: «اخترت رأسي من الخلف كمكان للكاميرا الثابتة، لأنني أردت أن تكون الصور أكثر موضوعية. أردت أن أصوّر ما لا أرى، كي أُري الناس ما لا أراه».
وهذه الكاميرا أو «العين الثالثة» كما يسميها، مبرمجة إلكترونياً لالتقاط صورة كل دقيقة. ترسل هذه الصور تلقائياً الى مركز معلوماتي وتنتقل عبره لتعرض على 50 شاشة من الكريستال السائل (lcd) داخل غرفة التركيب الفني في المعرض، حيث وضع أيضاً جهاز استشعار بالأشعة ما تحت الحمراء يسجلان حركة المشاهد في المكان. وهذه الحركة تغيّر تسلسل ووتيرة الصور المعروضة على الشاشات. وفي غرفة مجاورة يمكن للزائر أن يشاهد الإرسال الحي للصور المتأتية من الكاميرا المركبة على رأس الفنان.
وكما لو أن هذا التعقيد ليس كافياً، جهّزت هذه الغرفة بأجهزة استشعار تلتقط أي حركة وأي صوت يصدر عن الزائرين. وبذلك يصبح لكل مظهر من مظاهر وجودنا في هذا المكان تأثير مباشر على كيفية بثّ وعرض الصور. ولا نستطيع أن نعرف ما هي الصور المتأتية من العرض الحيّ وما هي الصادرة عن المركز المعلوماتي الذي خزّنت فيه مئات الآلاف من الصور حتى تلك الساعة. فتصبح طاقتنا هي المنتج النهائي ويتلاحم الماضي بالحاضر.
وعندما نغرق في هذا الطوفان الحسي يكون الحلّ الوحيد للهروب من هذه العين الثالثة، الموجودة في كل مكان، هو أن نتحكم بالعملية بأنفسنا وذلك عبر بناء قصة غير موجودة. يصبح هذا العمل الفني محاولة لإلقاء نظرة الى ما مضى وتحسّس حاضر لا يمكن فهمه، نتج عن ماض لم يتوقف بتاتاً عن التوسّع.
ويقول بلال: «لا أرغب في فرض تفسيرات ضيقة لعملي بل أناضل لخلق صور وتفاعلات معقدة ومتعددة الأبعاد، فأنا أيضاً لا أشعر بأن لدينا الآن امتياز التمتع بالفن كمتعة جمالية صافية. ومن سوء الفهم الاعتقاد بأن الفن كان في يوم من الأيام صافيا. بالتالي فأنا أُبذل ما بوسعي لأستخدم بفعالية التوتر والتناقض الناتج عن وضع المتعة الجمالية بمحاذاة الألم الجمالي، بغية استقطاب المشاهد وهزّه بأسلوب يستفزّ تفكيره.
ويختم بلال حديثه لـ الحواس الخمس: «عبر هذا النوع من العمل والحوارات الناجمة عنه، آمل أن أعزّز الإحساس بالقدرة الذاتية لدى جمهوري لمواجهة الشعور بالضعف إزاء الظلم.
