يعتبر الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ظاهرة غير عادية بالنسبة لكل القادة الفرنسيين الذين حكموا الإليزيه، فهو لم يفز في الانتخابات الرئاسية التي أوصلته للحكم إلا بنسبة ضئيلة لم تتجاوز الـ54%، وهو من أوائل القادة المنحدرين من أصول مهاجرة، وهو أول رئيس يطلق زوجته أم أبنائه، ليتزوج هو في السلطة من أخرى من أصول إيطالية وهي النجمة وعارضة الأزياء كارلا بروني، .
ولكن بالإضافة إلى كل طموحاته السياسية وغزواته على الصعيد الدولي يعتبر ظهوره في فيلم سينمائي سيطرح على شاشات السينما في مايو المقبل أمرا استثنائيا تماما بالنسبة للجمهورية الفرنسية.
ويتناول الفيلم المقرر أن يحمل عنوانا يكشف عن توجه حربي هو «الغزوة»، للمخرج خافيير دورينجر، قصة صعود السياسي الطموح زعيم حزب «اتحاد من أجل حركة شعبية» اليميني منذ عام 2002 وتوليه حقيبة الداخلية، وقمعه مظاهرات المهاجرين بضواحي باريس، حتى فوزه في انتخابات الرئاسة عام 2007، ليتولى سدة الحكم خلفا لجاك شيراك. ولكن الأمر الذي لا يزال غير معروف حتى الآن، هو هل سينجح الفيلم المرتقب، في الإسهام في رفع شعبية الرئيس المتهاوية بعد تراجع أسهمه بصورة كبيرة وفقا لآخر استطلاعات الرأي أم لا.
حتى الآن لم ير أحد بعد محصلة ثمانية أسابيع من التصوير، حيث بدأ العمل في مشروع الفيلم بنهاية الصيف الماضي، بما في ذلك نجوم العمل أنفسهم، ولكن المؤكد أن شركة الإنتاج بذلت قصارى جهدها حتى يخرج العمل على الوجه الأكمل، حتى إنهم أقاموا موقع تصوير يمثل محاكاة كاملة للمؤتمر العام للحزب الحاكم «اتحاد من أجل حركة شعبية» اليمين.
وبالنظر إلى عدم إمكانية التصوير داخل قصر الإليزيه، فقد حرص المخرج ومهندس الديكور على أن تأتي المناظر الخارجية مشابهة تماما للقصر الرئاسي، وأن تكون المشاهد الداخلية بالفخامة والأبهة نفسيهما التي تتميز بها القلعة الباريسية.
الطريف في الأمر أن إدارة الرئيس الفرنسي ساركوزي علمت بأمر المشروع السينمائي بالمصادفة، حيث قام أحد النواب البلديين بتحذير المتحدث باسم الرئيس فرانك لوفرييه، حينما تقدمت الشركة المنتجة بطلبها لمكتبه، للحصول على تصريح بالتصوير. ومن هنا بدأ مساعدو ساركوزي محاولات حثيثة للتعرف وبدقة على مضمون الفيلم، وبالطبع هوية النجم السينمائي الذي سيجسد شخصية الرئيس على الشاشة، وأعربوا عن استعدادهم للإشراف على كتابة السيناريو، وعملية الإخراج إلا أن المخرج والشركة المنتجة رفضوا العرض تماما.
أما عن الرئيس نفسه، سيد الإليزيه الذي يدور موضوع الفيلم عنه، فقد رأى في المشروع السينمائي فكرة طريفة، خصوصاً أن الفيلم سوف يتناول جوانب من مشواره السياسي وهو على قيد الحياة، وأثار فضوله أكثر بعد أن عرف أن النجم الذي سيجسد شخصيته على الشاشة سيكون دنيس بودلايد وهو أصله، فعلق قائلا بمرح «ولكنه أصلع!!». أما الشركة المنتجة فقد أكدت أن بودلايد سوف يرتدي شعرا مستعارا (باروكة) أثناء التصوير، وأن اختياره لأداء الدور جاء مثاليا.
وأشاد مسؤول اختيار النجوم في الفيلم إيريك التامير «لقد كان اختيارا موفقا تماما للدور، فقد استوعب الشخصية تماما وأمسك بمفاتيحها وألم بجوانبها بصورة رائعة». وأضاف: «لقد ظل بودلايد لساعات يشاهد شرائط مصورة ومقاطع فيديو، ليدرس أسلوب ساركوزي في السير والحركة والكلام والإيماءات واللفتات، كي يتمكن من تجسيد الشخصية على الوجه الأمثل». وبدوره يعرب بودلايد نفسه عن أمله في أن ينجح في تجسيد شخصية ساركوزي بالصورة اللائقة، مؤكدا أن شخصية الرئيس الفرنسي لا تخلو من جوانب طريفة ومسلية.
على الصعيد العالمي، فإن «غزوة» ساركوزي يبدو قد استوحى النموذج البيوجرافي، الذي بني عليه سيناريو فيلم «الملكة»، عن حياة ربة التاج البريطاني الملكة إليزابيث الثانية والذي حصلت عنه النجمة البريطانية هيلين ميرين، على جائزة الأوسكار عام 2006، فضلا عن عدد من الجوائز العالمية، وهو من إخراج البريطاني ستيفن فيرز.
كما يأتي فيلم ساركوزي أيضا على غرار البرازيلي «لولا .. ابن البرازيل»، الذي يتناول حياة الرئيس البرازيلي السابق لولا دا سيلفا، منذ مولده، مرورا بتجربة البؤس والمعاناة التي عانى منها في طفولته، ثم كفاحه النقابي العمالي، وحتى وصوله للسلطة، دون إغفال تجاربه العاطفية الناجحة والفاشلة منها، وقد رشح الفيلم لتمثيل البلد اللاتيني في جوائز الأوسكار كأفضل فيلم أجنبي العام الماضي.
وعلى الرغم من أن رئيس الوزراء الروسي القوي فلاديمير بوتين لديه أيضا فيلم سينمائي عن حياته إلا أنه أنجز عقب خروجه من السلطة، وهو من نوعية الأفلام السطحية أو ما يطلق عليها «Kitch» ولا يتوافق عمليا مع الملامح الرسمية الفعلية لشخصية «قيصر» روسيا الجديد، وقد انتح الفيلم عام 2008 ولاقى نجاحا محدودا.
ولكن فيلما عن رئيس فرنسي لا يزال في السلطة، يعد بالفعل حدثا مدويا، وفريدا من نوعه. ولعل هذا كان أحد أسباب صعوبة التمويل، حيث يوضح المتحدث باسم جهة الانتاج التامير «توجهنا للتليفزيون الفرنسي، فوجدنا أنفسنا نتعامل مع هيئة حكومية محافظة، ووجدوا الموضوع لا يناسبهم في النهاية»، ويتابع قائلا «أخيرا حصلنا على تمويل من شبكة جومون، وقناة بلوس، وهي ليست من المحطات التليفزيونية التي تروق الرئيس ساركوزي كثيرا».
لا يتوقع أن يكشف الفيلم عن الكثير من خفايا كواليس المطبخ السياسي لإدارة ساركوزي في الإليزيه، كما لن يكون في الوقت نفسه محاكاة ساخرة عن رئيس في كرسي السلطة، وإن كان من المنتظر أن يلاقي قبولا لدى جمهور مهتم بمعرفة تفاصيل الحياة الخاصة للرئيس الفرنسي، وخاصة فيما يتعلق بانفصاله عن زوجته الأولى سيسيل أم أبنائه الثلاثة. في الوقت نفسه يؤكد التامير أن الفيلم «لا يركز بصفة خاصة على ساركوزي كشخص، بل يسلط الأضواء على الأوساط والأجواء السياسية التي يدير من خلالها الأمور، حيث تسيطر النزاعات الحزبية على الرؤى الأيديولوجية».
