بعد مداولات ومشاورات ومشاهدات عديدة داخل رقابة السينما في إدارة المحتوى الفني بالمجلس الوطني للإعلام، تم الإفساح عن عرض فيلم (البابا جوان) منذ أكثر من عشرة شهور لصالح شركة (جلف فيلم) التي لا تزال مترددة في اختيار الوقت المناسب لطرحه في صالات السينما المحلية رغم كونه إنتاج مشترك لألمانيا وبريطانيا وإيطاليا وأسبانيا عام 2009، نظراً لموضوعه الشائك الذي يستند إلى رواية أصلية للكاتبة دونا فولك تحمل الاسم نفسه، وتتناول حادثة تاريخية عاشها الفاتيكان قديماً لفتاة ألمانية من أصل إنجليزي قامت بلعب دور رجل، ثم انخرطت في السلك الكنسي حتى تولت منصب البابوية عام 855 ميلادي ولم يفضح أمرها إلا عندما أنجبت وليداً غير شرعي، وهي شخصية مثيرة للجدل في السجل التاريخي للفاتيكان الذي ينكر حقيقة الحادثة ويعتبرها أسطورة تم تداولها نتيجة مجموعة من الأحداث المضطربة في القرن التاسع.

وهذا الفيلم لم يكن الأول من نوعه الذي يحكي هذه القصة، فقد قدمت ألمانيا الغربية عام 1972 أول الأعمال التي تناولت الواقعة وكان الفيلم بطولة الألمانية ليف أولمان التي قامت بدور جوان وهي ممثلة رشحت لجائزتي أوسكار وفازت بأكثر من أربعين جائزة أخرى، ومن إخراج الانجليزي مايكل أندرسون الذي رشح لجائزة أوسكار عن فيلمه (حول العالم في ثمانين يوماً)، ولكن الفيلم تم إهماله على مستوى المهرجانات ولم يلق النجاح المنتظر وأثار حفيظة الكنيسة في أوروبا.

الفيلم الجديد عرض في ختام الدورة 38 لمهرجان بلغراد السينمائي ومن بطولة الممثلة جوانا التي جسدت دور (البابا جوان) وديفيد بنهام وجون غودمان ولوت فلاك ومن إخراج سونك فورتمان الذي درس في أكاديمية ميونيخ للتلفزيون والسينما والتحق بالكلية الملكية للفنون في لندن ومن أفلامه الروائية (وحده من النساء) 1991 و(لافتة هوليوود) 2001 و(أعجوبة بيرن) 2003، وتستعرض أحداث الفيلم بعد حذف العديد من التفاصيل قصة المرأة التي تقلدت المنصب وهي (جوان) ابنه عائلة انجليزية كانت تعيش في ألمانيا، وكان رب العائلة، مبشراً وكانت تدعى من الأقرباء بجيلينا وأحياناً جونا وعندما بلغت عمر 12 عاماً بدأت تلبس أزياء الصبيان وتتشبه بهم وتتصرف مثلهم، وعندما أصبحت شابة قامت بدراسة الفلسفة واللاهوت في مدينة أثينا اليونانية ثم قررت الرحيل إلى روما، وهناك تدرجت في السلك الكنسي وترقت واستطاعت عقد صداقات وارتباطات قوية مع كرادلة الفاتيكان، ولكن على أساس أنها رجل وليست امرأة والغريب فعلاً أنه لم يشك أحد في كونها أنثى بل كانت من رجال الدين المتميزين، كما استطاعت بلباقتها ومهارتها واتصالاتها الترشح لمنصب البابا بعد وفاة البابا (ليو الرابع) عام 853 ميلادية، وأن تفوز فعلاً بهذا المنصب الخطير واتخذت اسم (جون الثامن) لقباً لها واستمرت في هذا المنصب عامين وخمسة أشهر وأربعة أيام حتى انكشف أمرها.

ولكن كيف اكتشف السر؟ لقد كانت حاملاً من جيرالد الذي ساعدها في إنقاذ روما من الجيش الغازي وأخفت قصة حبهما طويلاً، واستطاعت خلال أشهر الحمل وحتى ساعة الولادة أن تخبئ حملها بلبس الملابس الواسعة الفضفاضة، ولكن عندما حان موعد الولادة وهي وسط الشارع في طريقها لأحد المراسيم الدينية والكرادلة يحفون بها بين جموع البشر في كل مكان، لم تستطع الصمود ووضعت جون وليدها وهي تطلق صرخات ألم الولادة.

كانت مفاجأة لم يكن باستطاعة أحد توقعها أو حتى التصديق بها بسهولة، فقد ولدت البابا طفلة وسط الشارع، ومرت فترة لم يفهم رجال الدين والكرادلة ماذا حدث لأن كل ما جرى خارج تصديق العقول، ولكن ما إن زال أثر المفاجأة وتخلصوا من ذهولهم وفهموا ما يحدث أمامهم حتى هجم الكرادلة على البابا ووليدها وقتلوهما بوحشية رجماً بالحجارة ودفنوهما في المكان نفسه، ووضعوا تمثالاً من المرمر يصور امرأة وفي حضنها طفلة على قبرها لكي يبقى شاهداً على هذه الحادثة الغريبة.بقي الشاهد والتمثال عدة عصور حتى قدوم البابا (ببوس الخامس) أواخر القرن السادس عشر، حيث أمر بإزالة الشاهد والتمثال، ثم أمر بإزالة كل ما يتعلق بها في أرشيف الفاتيكان كما أزال اسمهما من قائمة الباباوات السابقين، أراد ومعه الكرادلة دفع الحادثة إلى النسيان لكن كتب التراث احتفظت بقصة حياتها ونهايتها المفجعة، فلقد أحدثت تلك القصة هزة في الفاتيكان آنذاك لذا قرر الكرادلة وجوب اتخاذ كافة التدابير الكفيلة بعدم تكرارها، ووضعوا (فحص رجولة) البابا الجديد بالشكل البدائي شرطاً لتوليه المنصب، ولا تزال هذه العادة حتى الآن موجودة من بقايا مراسم العصور الوسطى، حيث يجلس المرشح لمنصب الباباوية على كرسي توجد في وسطه فتحه دائرية ويتخفف من ملابسه الداخلية ويأتي شخص آخر من خلفه ويمد يده من خلال الفتحة ليفحص ويتأكد أن البابا الجديد رجل.

(البابا جوان) دراما تاريخية مثيرة للدهشة تعكس العديد من الوثائق في سردها والتي تؤكد شواهدها الحقيقية، وهي جرأة تحسب للرقابة الإماراتية في اتخاذها قراراً بعرض مثل هذا الفيلم الذي تدور حوله التناقضات، ورغم أن هناك العشرات من المواقع المسيحية ولاسيما الكاثوليكية منها تنكر وقوع هذه الحادثة بشدة وتقول انها أسطورة ملفقة منذ 1200 سنة، لكن قام بعض رجال الدين المسيحي بذكر هذه الحادثة وتأكيد وقوعها، وكان أول من سجل ذلك هو الراهب (مارتينوس سكوتس) الذي عاش في القرن الحادي عشر، كما قام (سيكبرت) بإيراد هذه الحادثة في القرن الثاني عشر وهو من المؤرخين المختصين بتاريخ الكنيسة، وبعد قرن واحد قام المؤرخ (مارتينو سيولوتوس) بتسجيل هذه الحادثة أيضاً وبجميع تفاصيلها في كتابه (تاريخ الأباطرة والباباوات)، حيث ذكر أنه بعد 17 عاماً من حادثة رجم البابا اختار البابا الجديد اسم (جون التاسع)، لكنه تراجع عن هذا الاختيار لأنه سيبقى رقم ثمانية فارغاً بعد أن مسحت الفاتيكان اسم البابا المرجوم (جون الثامن) من سجلاتها، فاختار اسم (جون الثامن) لتفادي هذه الكارثة وطمسها من تاريخ الفاتيكان.