اختتمت فعاليات مهرجان القاهرة للجاز في دورته الثالثة بالعاصمة المصرية القاهرة قبل أيام بأوركسترا الحركة الأوروبية للجاز، وهو فريق يمثل سلوفينيا وألمانيا والبرتغال، وتميز العرض الختامي بتنوع ثقافات العازفين وقدرتهم على خلق حالة من التوافق والتعايش بين التقاليد الموسيقية لبلادهم.
ومزج العناصر الثقافية المختلفة مثل الفادو البرتغالي والأشعار السلوفينية والموسيقى الشعبية الألمانية في خليط مثير، وعلى الرغم من أن هذه الأوركسترا قد خطط لها أصلاً لتكون مشروعاً لمرة واحدة فإنها استطاعت في غضون سنة واحدة أن تكون بمثابة جوهرة حقيقية للجاز الأوروبي.
فعاليات المهرجان التي استمرت على مدار 3 أيام شهدت حضورا كبيرا للجمهور الذي تدفق على ساقية الصاوي لمتابعة حفلات المهرجان التي تنوعت وشهدت تقديم عدة أنواع وألوان من موسيقى الجاز.
فرقة كوكون
كانت البداية مع فرقة «كوكون» من مصر التي قدمت مجموعة من أشهر مقطوعات الموسيقى اللاتينية بمصاحبة آلات النفخ النحاسية، الساكفون والتروميون والإيقاعات «البركشن»، بينما تولى مؤسس الفرقة هشام جلال العزف على البيانو، وجالت الفرقة على مدار نحو الساعة والنصف بحيوية نابضة بحس وإيقاع الموسيقى اللاتينية، والتي يتطلب التمكن منها خبرات طويلة.
وهو ما أكده هشام جلال، الذي قال إنه عمل لفترة طويلة مع فرقة (سابور دي سون) وهي تضم موسيقيين من كوبا ومصر، ومن ثم نقلت ما تعلمته إلى أعضاء «كوكون» وقمنا بالكثير من التدريبات منذ تأسيس الفرقة في صيف 2008 وكثفنا جهودنا قبل المهرجان حتى تكون الفرقة عنوانا مشرفاً للموسيقيين المصريين أمام الفرقة العالمية.
وكان تجاوب الجمهور مع الموسيقى التي قدمتها «كوكون» لافتا عندما فاجأت الفرقة الجمهور بأغنية لمغنية الفرقة «نجوان» كتبتها تحية لثورة 25 يناير، وعن الأغنية تقول نجوان: عملت مع هشام جلال على ضبط كلمات الأغنية على لحن أغنية شهيرة للإسبانية جلوريا ستيفاني اسمها (تييرا) أو (الأرض) حيث تكون موزونة موسيقيا من حيث الإيقاعات واللزمات، وتقول كلماتها «بدينا الحكاية وكتبنا النهاية وهانبني بلدنا».
الجاز الأمريكي
وعبر فعاليات المهرجان، قدم المغني الأميركي آدم ميلر أغاني من الجاز الأمريكي، معبرا عن أنماطه العديدة مثل «السول والفانك» وحتى الأساليب الحديثة.. وآدم متزوج من مصرية ويقيم بالقاهرة منذ فترة، وتأثر بعمالقة مغني الجاز الأميركيين مثل بيل ويذر وأيضا ستيفي وندر.
وأضاف آدم بالإنجليزية: إلى جانب الغناء أقوم بتأليف بعض المقطوعات والألحان الخاصة، حيث درست علوم التأليف الموسيقي في جامعة بيركلي، وكذلك العزف على البيانو، وعن رؤيته للجاز أوضح أن هذه النوعية من الموسيقى هي تركيبة من كل أنواع الموسيقى المعروفة من الكلاسيك واللاتيني والبوب وغيرها.
ويقول آدم إنه تأثر بالموسيقى العربية خاصة ما يسمى «التقاسيم»، حيث تتيح للعازف استعراض مهاراته وتقديم ارتجالات عفوية، ويبدي آدم إعجابه بمحمد منير كممثل للموسيقى المصرية الحديثة وأم كلثوم التي تعبر عن أصالة وتاريخ الغناء العربي، وأعرب عن سعادته بعمرو صلاح، عازف البيانو ومؤسس فرقة افتكاسات ومدير المهرجان، ويعتبر أنه يقدم مثالا جيدا للفيوجين جاز، حيث تمزج الموسيقى المصرية المتطورة مع الجاز في أشكال وتعبيرات جديدة.
الفلامنكو
وخلال فعاليات المهرجان قدمت فرقة «كاليما» من إسبانيا مزيجا من الفلامنكو والجاز على وقع الأرقام اللاتينية والهندية، وعن هذا الخليط من الموسيقى قال قائد الفرقة، إن برشلونة مدينة مفتوحة لكل الفنون والثقافات وهي ترحب بالمهاجرين من بلاد لها تاريخ وتميز في عالم الموسيقي مثل الهند وأميركا اللاتينية، وبالتأكيد فإن الفلامنكو هو الأساس الذي تعمل عليه الفرقة، ثم تأخذ ملامح من هنا وهناك لتتضح ملامحها في سياق تركيبة موسيقية تنفرد بها فرقة «كاليما».
وأكد أنه حتى الفلامنكو هو في الأساس نتيجة تلاقٍ بين عدة أنواع من الموسيقى في مقدمتها الغناء العربي والإيقاعات الغجرية وحتى هذه اللحظة فإن مغني الفلامنكو يجب أن يكون ملماً بأصول الغناء العربي. وقدمت كاليما عدة أغانٍ من الفلامنكو التقليدية مع الراقصة لورا جيلين وغناء ديفيد بورنا.
في اليوم الثاني من المهرجان قدمت المغنية الأسترالية ميشيل راونز عبر صوتها القوي استعراضا للكثير من ألوان الجاز مثل السوينج والبلوز والبالا وأيضا الجاز اللاتيني، وقالت إن جذورها التي تمتد إلى الجدود الذين عملوا في مجالي الغناء ساعدتها على بلورة موهبتها وأصقلت مواهبها وتعد راونز من أشهر مغنيات الجاز وقدمت العديد من الألبومات مع فرق وفردية، كان آخرها اAutommkavesب.
أوركسترا سيدات ألمانيا
ثم كان اللقاء مع واحدة من مفاجآت المهرجان وهي أوركسترا سيدات ألمانيا للجاز بقيادة أنجليكا نيسى، التي تعتبر من أفضل الموسيقيات وأكثرهن إلهاما في تاريخ الجاز الأوروبي وحازت الكثير من الجوائز منها جائزة مهرجان أيكو 2010 وجائزة الفنانين الشباب في مهرجانات دولي آخر، ويتسم أسلوب أنجليكا بالبساطة، بينما يرى البعض أن موسيقاها مليئة بالطاقة والحيوية، حيث تقدمها بلهجة وأسلوب في غاية البراعة والإتقان، وحيث كشفت أنجليكا لمعجبيها أنها عملت مع العديد من موسيقيي الجاز في العالم.
أما فرقة أريفا الهولندية فقدمت لونا خاصا، حيث يشكل هذا الرباعي غير التقليدي الذي تأسس في أمستردام 2010 حالة موسيقية تعد مغامرة، إذ يمزجون الأصول والتراكيب الموسيقية للأنغام العربية ومناطق الأناضول والبلقان مع الموسيقى المعاصرة وارتجالات الجاز ولاقى حفلهم تفاعلا قويا من جانب الجمهور إزاء هذه التركيبة الموسيقية التي تلامس الروح الشرقية.
وعلى إيقاعات مختلف أنواع الطبول والبركشن كان اليوم الثالث والأخير لمهرجان الجاز، حيث تجمع سبعة من عازفي الإيقاع في عدة فرق ليقدموا شحنة لا توصف من النبض المتلاحق، مطلقين كل مواهبهم بلا حدود في عالم من الإيقاعات المثيرة تحت عنوان «بركشن شو».
ريف باند
ثم كان اللقاء مع فرقة «ريف باند» التي تعتمد على أغاني الجاز الأميركية الشهيرة منذ الثلاثينيات وحتى الآن بصوت اثنين من الموهوبين، هما أحمد حرفوش ونهى فكري مع سبعة عازفين محترفين، وقد اختاروا كلمة «ريف» اسما لهم وهي تعني كما يقول حرفوش المقطع الموسيقي الأكثر تميزا داخل الأغنية، وتكونت هذه الفرقة عام 2007، ومنذ ذلك الحين استطاعت ريف باند تكوين قاعدة جماهيرية من المشاهدين والمعجبين.
وعلى موسيقى فرقة «افتكاسات» التي يقودها عازف البيانو عمرو صلاح، مؤسس المهرجان- كان هناك احتفال كبير بالحرية التي تمنحها موسيقى الجاز لجمهورها، خصوصاً أن الكثيرين يعرفون موسيقاهم جيدا سواء من الحفلات أو من خلال الألبومين مولد سيدي اللاتيني ودندشة، وتعد افتكاسات محاولة لاكتشاف أبعاد جديدة في الموسيقى الشرقية بصفة عامة والغربية على وجه خاص، من أجل إيجاد رؤية حديثة لهذه الموسيقى العظيمة عن طريق انصهارها مع موسيقى الجاز المعاصر كما يرى عمرو صلاح. أما استخدام تقنيات وأفكار جديدة تبرز قدرة الآلات الشرقية في أطر مختلفة عن المعتاد سواء لحنية أو تكنيكية فهو ما أضفى على افتكاسات طابعا مميزا.
