يعدّ المسرح الفرنسي من أقدم المسارح العالمية ، حيث ظهرفي عهد لويس الثالث عشر، أما في عهد لويس الرابع عشر فقد أصبحت فرنسا الأقوى والأكثر نفوذا في أوروبا، لاسيما في الفترة بين 1660 و .1690وترجع قوة هذا العصر حسب الفنانين الفرنسيين والمفكرين في هذا العصر إلى عظمة حضارتهم مساوية لنموذجهم القديم اليوناني والروماني.
وضماناً لوجود أشكال نبيلة للمسرح، تم وضع قواعد للفنانين ، منها استخدام التراتيل الدينية في التراجيديا والكوميديا، وآداب السلوك الذي لا يخرج عن عادات المجتمع بالإضافة إلى وحدة العمل وهي الحبكة الدرامية الى جانب وحدة الوقت (أي أن كل شيء يجب أن يحدث في يوم واحد) مع وحدة المكان. وقد عُرف كورناي وراسين بالتراجيديا أما الكوميديا فقد اشتهر بها موليير.
الكوميديا الفرنسية
وبما أن المكان الذي تجري فيه أحداث المسرح له الأهمية الكبيرة في رصد الحضور واللعب على عامل الإضاءة والخلفيات، فقد استثمرت فرنسا لا سيما الحكومة في هذا المجال ، حيث أولت العناية به منذ القرون الأولى لبزوغ المسرح كأداة استراتيجية تكرِّس التوجُّه المسرحي الفرنسي خاصة الكوميديا والتراجيديا التي كانت العلامة البارزة بين نظيراتها الأوربية ، ولعل المكان الذي يبدو كالمعلَم البارز في المسرح الفرنسي كان تحت مسمى «الكوميديا الفرنسية» ، إذ يعد أقدم المسارح في أوروبا .
حيث تأسس عام 1680 بأمر من الملك لويس الرابع عشر والذي أراد أن يكون للمملكة كوميديا خاصة فيها وقد انضوت تحته ثلاثة مسارح مهمة، القاعة الجليلة ريشيليو، وفيو كولوبيه، ومسرح على شكل استوديو داخل متحف اللوفر.
مهرجان أفينيون
بعد أن أصبح الحدث المسرحي الفرنسي ذا سمعة دولية كبيرة لا شك أن مهرجان أفينيون وهي مدينة جنوب فرنسا يضفي عليه مزيدا من التألق ، حيث يعد مدير المهرجان جان فيلار صاحب الفضل في إعطاء الدفعة القوية عام .1947 فقد كانت الطبعة الأولى من ثلاثة عروض فقط، وأخذ المركز الثاني خلال «الأيام المشمسة» من يوليو من السنة نفسها وهي المرحلة التي بدأت في استقطاب المزيد من المشاهدين بفضل الجهود الدؤوبة لجان فيلار، وبدأ الحدث ينمو عاما بعد عام أمام المد الكلاسيكي الفرنسي.
فالمواقع التاريخية ك«افينينيون»، و«قصر Papes »كانا عاملين كبيرين في هذا الاستقطاب ، حيث أقيمت فيه عروض كثيرة. تألق من خلاله جيرار فيليب في أدائه لإدارة البحث الجنائي 1951 من رائعة كورنيليوس وهي واحدة من اللحظات الأسطورية لهذا الحدث. أما عام 1968، فقد أخذ المهرجان زخما جديدا باعتبار المسرح في ذلك الوقت انفتح على فنون أخرى مع دعوة المزيد من الشركات وتشجيع القطاع السمعي البصري للدخول في ركب هذا المجال حتى ظهور مهرجان ال «اوف» الذي يعتبر في الوقت الحاضر قطبا مسرحيا يستقطب حوالي سبعمئة متفرج منذ وفاة فيلار في 1971، حيث تمكن خلفاؤه من الحفاظ على حيوية ومعنى هذا الاحتفال.
في القرن التاسع عشر
تميزت السنوات الأولى من هذا القرن بإعادة إحياء المآسي الكلاسيكية والمأساوية المستوحاة من مواضيع التضحية الوطنية أو البطولة الوطنية تمشيا مع روح الثورة ، ولكن إنتاج Hernani فيكتور هوغو في 1830 شهد انتصار الحركة الرومانسية على المسرح كما تميزت مسرحيات فريدريش شيلر ، والرومانسيون غالبا ما فضلوا المواضيع ذات الطابع التمردي في الفترات التاريخية كعصر النهضة الفرنسية ، في عهد لويس الثالث عشر في فرنسا كتصوير الأمراء على شكل متمردين وخارجين على القانون أو تصوير الفنانين على شكل مظلومين يساء فهمهم كمسرحية فينيي استنادا إلى حياة توماس تشاترتون).
وبحلول منتصف هذا القرن بدأ المسرح يعكس المزيد من النزعة الواقعية المرتبطة بالطبيعية. وذلك من خلال مشاهد صارخة وبشعة ، كما في مسرحية Guignol. كما تحولت المسرحيات من الدراما والمسرح الشعبي والبرجوازي في منتصف القرن إلى واقعية في مهازل كمسرحية «جيد الصنع» ليوجين مارين ومسرحيات أخلاقية لأوجييه إميل. وغالبا ما تميز شعر بودلير والكثير من الأدب في النصف الأخير من القرن التاسع عشر بأنها «منحلة» عن محتواها ومتوهجة أو الرؤية الأخلاقية ومع حلول 1886 كانت الرمزية هي الطابع الغالب على البيئة الأدبية الجديدة كالكاتب «دي فيليرا » جزيرة «آدم وموريس».
في القرن العشرين
كان أهم كاتب مسرحي في مطلع القرن العشرين ألفريد جاري. حيث كانت مسرحياته ك «أبو روا» ، لها الأثر الكبير على الجمهور حتى الآن، وكان المسرح الطليعي في فرنسا في ذلك الوقت يتسم بعمق الحرب العالمية الأولى وقيل إن الحركة السوريالية لا تزال تشكل قوة رئيسية في الكتابة التجريبية وعالم الفن الدولي حتى الحرب العالمية الثانية وكان السرياليون لهم تقنية مناسبة بشكل خاص للشعر والمسرح ، وعلى الأخص في الأعمال المسرحية كأنطونين آرتود وغيوم أبولينير.
وشهدت الفترة بين 1920 و1930 تغيرات في نمط المسارح سميت مسارح كارتل ولعل الأسماء البارزة في مجال الإخراج يبرز لويس جوفيت ودالان تشارلز وغاستون باتي أخرجوا وأنتجوا أعمالا لكتاب فرنسيين مشهورين على غرار جان جيرودو وجول رومانس فقد كانت تلك المسرحيات مستوحاة من التجارب المسرحية في النصف الأول من القرن وأهوال الحرب، ما يسمى ب «مسرح العبث» ومن أبرز الكتاب يوجين أيونسكو ، صموئيل بيكيت ، جان جينيه حيث كانت تعالج شخصيات تقليدية.
الخصائص الأدبية للتيارات المسرحية
1ــ مسارح البوليفار: كان اهم ما سعى إليه الأدب الدرامي في هذا النوع من المسارح، هو التركيز على السطحيات، والقشور في معالجة المشكلات اليومية, فالدراما خفيفة الوزن المعنوي، هشة في غير عمق فني، ومع ذلك فقد كسبت مسارح البوليفار جماهير عريضة للتسلية اليومية بوليفار سان مارتن، بوليفار دي تمبل .
2ــ المسارح الكلاسيكية التقليدية والتي تمثل كماً هائلاً من دور المسرح الفرنسي، والتي شهدت اعظم عصورها طوال القرن العشرين في امتداد يكشف عن التصاق الجماهير الفرنسية بالثقافة الكلاسيكية والآداب الدرامية الكلاسيكية وقد تولى هذه المسارح ادارة واخراجا عدد من رواد وكتاب الدراما والمسرحيين الكبار الذين تركوا ارثا فنياً من النادر العثور عليه خارج فرنسا وقد طغى الجانب الكلاسيكي على تلك .
حيث ظهر مؤلفون دراميون استقوا موضوعاتهم من الأدب الكلاسيكي (اوسكار وايلد ودرامته سالومي، موليير ودرامته ميزانتروب، موسيه ودرامته صانع الشموع، كورني ودرامته السيد، راسين ودرامته الاسكندر الاكبر) بينما عرضت دراما السيد لكورني .3 مسارح الطليعة وهي مسارح جربت في مضمون الادب وشكله معاً, واستعملت الموسيقى والمنوعات الى جانب النص الدرامي, مسارح القهوة التي كانت تجري عروضها في المقاهي، وفي صالات الفنادق على شكل الاستعراض الرفي REVU لا يربط العناصر الادبية بعضها بالبعض مشاهد متفرقة بعيدة عن النهج الأرسطوطالي .
أنتونان أرتو باعث المسرح المعاصر
يعتبر أنتونان أرتو صاحب بذور التجريد والتجديد أيضاً في المسرح المعاصر ، حيث قال عنه المسرحي الكبير أوديبرتي حينما قال عنه إنه هو اللغز الوحيد في المسرح الفرنسي الذي استعصى على الحل بل بالعكس فهو يزداد التباساً كلما أعيد فتح الحديث عن أرتو كقضية فنية قابلة للنقاش حيث تتفجر قضية مسرح أرتو من آن لآخر هنا .
كان أرتو ذا رؤية جديدة للمسرح بل وللفن عامة ، حيث حاول أن يدخل إلى المسرح من خلال نفسه، فعقدة الصراع عنده تظهر بشيء من الغموض ، صراعات تدور داخل أرتو نفسه الذي كان يعاني مرضاً عصبياً منذ الصغر وأتى إلى باريس عام 1920 للعلاج لكن بدون جدوى فلجأ إلى المهدئات والمخدرات أحياناً مثله مثل معظم أدباء وفناني فرنسا مثل كوكيتو وبودلير وغيرهم كثير بحثاً عن الاتزان والمواءمة التي هي عين القضية التي كان يبحث عنها أرتو في مسرحه.
كان أرتو يطمح الى أن تكون نظريته المسرحية حركة تلون المسرح الفرنسي ولقد عبر عن ذلك بكل قوة في عمله الشهير ( منفستو مسرح القسوة ) لكن بالطبع لم يلقى أسلوب أرتو قبولاً في بدايته وبعد فشل مسرحيته (آل تشنشي) التي أخذها عن نصوص مسرحية لشيلي وساتندال ورحل بعدها إلى المكسيك حيث قضى فترة كبيرة من حياته كتب فيها أعمالاً عظيمة منها عمله الشهير والذي أبرزه كشاعر وفنان وليس ككاتب مسرح فقط وهو (رسائل إلى روديز) والذي نشر عام 1946 وأعاد أرتو إلى دائرة الضوء مرة أخرى..
