بحلول 14 يناير 2011 تاريخ انتصار الثورة التونسية ،كان عدد قاعات العرض السينمائي في كل ارجاء البلاد لا يتجاوز 18 قاعة، والجميع يتحدث عن أزمة سينمائية حقيقية سواء في الانتاج او في المضامين وفي مستوى العلاقة بالمتلقي، وعن قطيعة واضحة بين الفيلم التونسي .
و ما يدور في الشارع وفي اعماق البلاد و مناطقها النائية التي شهدت اندلاع الشرارة الاولى لثورة أطاحت بواحد من اعتى الانظمة التسلطية في المنطقة والعالم حتّى ان قسم البرمجة بالتليفزيون الرسمي فشل في العثور على شريط تونسي واحد يمكن عرضه في اطار الاحتفال بهذه المناسبة الوطنية الاستثنائية ،فالأفلام التونسية عموما لم تتطرق للقضايا الوطنية ولا لقيمة الثورة و روحيتها ،و لم تهتم بتاريخ البلاد و تضحيات رجالها من اجل الحرية و اذا فعلت فبأسلوب فج و بمعالجة فنية ساذجة و تقنيات ضعيفة.
اليوم ،يتحدث اغلب المخرجين عن مشاريع افلام روائية و تسجيلية ووثائقية تُؤرخ لثورة الشعب ،وتوثّق لما جرى على هامشها ،في حين يطرح الجمهور و النقاد اكثر من سؤال عن واقع السينما التونسية وعن دورها في تكريس اهداف و قيم ثورة صنعتها الجماهير بعفوية لم يكن للنخب ( بما فيها المبدعة و المثقفة ) اي دور فيها.
طبيعة المرحلة
بعد 14 يناير ، تحركت سواكن صانعي السينما في تونس من اجل انتاج واخراج افلام تعبر عن طبيعة المرحلة ، المخرج محمد الزرن اتجه الى مدينة سيدي بوزيد للبحث في يوميات الشاب محمد البوعزيزي و تجربة حياته و معاناته قبل ان يقدم يوم 17 ديسمبر الماضي على احراق نفسه امام مقر الولاية ( المحافظة ) ، يقول الزرن :
كان علي ان اقترب اكثر من جذور الحكاية ، ومن تفاصيلها ، لذلك سافرت الى سيدي بوزيد ، واقمت فيها اياما والتقيت اسرة البوعزيزي و تحدثت مع امه الحاجة منوبية و مع اخواته و اخواله واعمامه وجيرانه حتّى تكون الصورة واضحة امامي.
كما بحثت في هموم و مشاغل الباعة المتجولين في سيدي بوزيد ، اولئك الذي خرج البوعزيزي من بينهم ليغيّر مشهد التاريخ ليس في تونس فقط بل و في المنطقة العربية والعالم،و يضيف : منذ اندلاع الشرارة الاولى للثورة، حاولت ان اوثّق الاحداث بالكاميرا ، وقد استطعت فعلا تصوير جزءا من الاحداث ، وسجّلت مشاهد من الاعتصامات امام قصر الحكومة ومن حركة الشارع بعد ثورة الشعب التونسي التي فاجأت الجميع بمن فيهم الفنانين و المثقفين.
فيلم السيدة
وكان محمد الزرن قدم فيلمه الطويل« السيدة » في العام 1996 حيث عالج فيه ظاهرة العشوائيات و الشباب المهمش، والعنف والفقر والجريمة والظروف الاجتماعية القاسية التي كانت وراء انهيار نظام بن علي ، ونجح في استقطاب نصف مليون مشاهد وفي العام 2009 قدم فيلمه « زرزيس » الفائز بجائرة اللؤلؤة الذهبية للإخراج بمهرجان ابوظبي السينمائي ، ويقول الزرن الذي يعتبر الافلام الوثائقية اصعب و اشقى من الافلام الروائية ، انه يواصل حاليا الاعداد لشريط وثائقي عن ثورة الياسمين سيكون جاهزا للعرض في الصيف القادم ، متضمنا شهادات حية لأسر و عوائل الضحايا وللجرحى والمصابين و المشاركين في الاحتجاجات و المعتصمين.
حدث استثنائي
ويؤكد المخرج المنصف ذويب ان ثورة 14 يناير تمثل حدثا استثنائيا في تاريخ تونس و العرب و العالم ، وهي تستحق التخليد بأعمال فنية راقية و غير مرتجلة ، و يضيف : اول خطوة قمت بها منذ اندلاع الشرارة الاولى للثورة هي التوثيق لما أبدعه الهواة على الفيسبوك ، ثم جمع كل ما تم تصويره من الاحداث لتكون دليلي الى انجاز عمل فني متميز يعبر عن عمق التحول التاريخي الذي صنعه الشباب التونسي بإرادته الحرة
.واشار ذويب و هو مخرج وكاتب ومنتج سينمائي و مسرحي و تليفزيوني و صاحب عدد من الافلام الهامة في ذاكرة السينما التونسية « سلطان المدينة » و « التلفزة جاية » ان المطلوب الى جانب تخليد الثورة هو التعريف والتبشير بمبادئها و خاصة الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان.
أفلام قصيرة
الى ذلك انتهى المخرج أنور الحوار من تصوير شريطه القصير الذي يحمل عنوان «الطياب » و يعني هذا الاسم الشخص الذي يقوم بتدليك حرفاء حمامات الاستحمام العمومية التقليدية
وقال المخرج إنه وظف في هذا الشريط أحداث ثورة 14 يناير2011 من خلال سرد قصة بطلها ونيس وهو «طياب» يعمل في حمام الحي يتم اللجوء إليه من قبل الجيران في آخر لحظة لإتمام مراسم جنازة بعد اختفاء « الحانوتي» المختص في غسل الأموات في خضم الأحداث التي جدت بتونس أخيرا.
وقد اختار المخرج مدينة حمام سوسة مسقط رأسه والمعروفة بحماماتها التقليدية المشيدة على النمط العثماني لتصوير مشاهد شريطه الذي تنتجه شركة «أميلكار فيلم» بعد أن حصل على دعم من وزارة الثقافة في سبتمبر 2010ويشارك الممثلون نعمان حمدة وعبد الحميد قياس ومصطفى القوضاعي ومحمود الأرناؤوط والهادي الزغلامي في بطولة هذا الشريط القصير الذي من المنتظر أن يكون جاهزا للعرض بداية من شهر ابريل ، واشار المخرج الى هذا الفيلم هو الاول من نوعه الذي يتناول موضوع الثورة التونسية و تأثيراتها المباشرة في سيكولوجية الفرد و الجماعة في تونس.
في ذات الاتجاه يرى المخرج محمد علي النهدي ، ان الثورة فتحت آفاقا جديدة امام الابداع و المبدعين مهما كانت تخصصاتهم ، و قال انه اختار منذ البداية ان ينحاز الى الثوار الذين صنعوا ربيع الحرية في بلاده ، وعلى هذا الاساس شرع منذ بداية الثورة في التوثيق للحدث من خلال فيلم قصير متنقلا بين عدد من الجهات الداخلية مثل سيدي بوزيد و القصرين و تالة والكاف و سليانة لتسجيل مواقف الجماهير والفئات الاجتماعية المختلفة و توضيح حجم التضحيات التي قدمها التونسيون في سبيل التحرر من قيود الفساد و الاستبداد، واشار النهدي الى ابناء تونس الداخلية من ارياف و قرى ومدن منسية و مهمشة هم الذين اشتعال فتيل الثورة و كانوا في مستوى التاريخ
فيلم عن الطاغية
و اكد المخرج التونسي علي منصور انه بصدد الاعداد لانجاز شريط سينمائي طويل عن قصة حياة الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي منذ بدايات حياته وعمله في الجيش التونسي ثم دخوله معترك السياسة و توليه السلطة في 7 نوفمبر ثم فراره من تونس الى المملكة العربية السعودية يوم 14 يناير 2011 ، وقال منصور الذي سبق له اخراج عدد من الافلام منها «متى تشرق الشمس » 1975 ، و««القناع » 1978و « العقد » و « صلاة الملائكة » ،ان الطغاة عموما مثل فرانكو وبينوشيه و ماركوس و بن علي ، تستحق سيرهم ان تكون مواضيع للترجمة الفنية و التصوير الواقعي بما يعكس حقيقة جرائمهم ضد شعوبهم.
و قال علي منصور انه بصدد عقد جلسات مع بعض الحقوقيين لوضع الخطوط العامة لفيلم يتطرق لسيرة الطاغية زين العابدين بن علي والمافيا التي كانت محيطة به.
