تحتضن مدينة الشارقة، منذ 16 من مارس الجاري وحتى16 من أبريل المُقبل، مهرجان الفنون المسمّى بينالي الشارقة، الذي يستضيف هذا العام 119 من الفنانين الأجانب والعرب المشاركين بأعمالٍ من الفنون البصرية التي تتوزع بين الرسم والفيديو والنحت والأشغال. وقد حرص منظمو البينالي أيضاً على إدخال برامج جديدة، مثل البرنامج السينمائي، الذي سيسهم في جذب فئة جديدة من الجمهور عبر سبعة أفلام أنتجت خصيصا للفعالية سيتم عرضها مصحوبة بورش وندوات وإصدارات عن السينما.

 

أصل الكلمة

كلمة بينالي أصلها إيطالي، ومعناها «كلّ عامين»، ولاحقاً باتت تُطلق على الأحداث التي يتمّ تنظيمها كلّ عامين أيضاً. وفي عالم الفنون، يتمّ إطلاق هذه التسمية على التظاهرات الدوليّة المعنيّة بشؤون الفنون المعاصرة. «الحواس الخمس» يعرّفكم في هذه الصفحات إلى أكثر المهرجانات الفنيّة «البينالي» في العالم، من أقدمها «بينالي البندقيّة»، منذ عام 1895، وإلى مهرجان الفنون في مراكش، وليد سنة .2005

 

بينالي البندقيّة

يعد بينالي البندقيّة الأقدم في العالم، بدأ تنظيمه سنة 1895، بمدينة البندقيّة الإيطاليّة، ويُقام على هامشه مهرجان البندقيّة السينمائيّ، وبينالي البندقيّة للعمارة. ومنذ عام 1999، يتمّ على هامش المهرجان تنظيم المهرجان الدوليّ للرقص المُعاصر.

في العقد الثاني من القرن العشرين، ازدادت شهرة المهرجان على الصعيد الأوروبي، وبات يحتضن أجنحةً وطنيّة مُختلفة. وفي حين كان تركيزه على فنون الديكور، اهتمّ القائمون على المهرجان بالتقاليد الإبداعيّة للفنون الحديثة. وفي الفترة ما بين الحربين العالميّتين، شهد المهرجان مشاركة عالميّة على صعيدٍ راقٍ.

حيث شهد مُشاركة من قبل أكبر الأسماء في عالم الفنون بالعالم. سنة 1930، انتقلت إدارة المهرجان من حكومة البندقيّة، إلى الحكومة المركزيّة الفاشيّة، وتمّت إضافة العديد من الأقسام، كمهرجان الموسيقى سنة 1930، ومهرجان السينما سنة 1932، ومهرجان المسرح سنة .1934 وخلال الحرب العالميّة الثانية، أٌوقف المهرجان لستّ سنوات، ومن ثمّ أعيد تنظيمه ليستقطب اهتماما عالميا أكبر، ويتضمّن أحدث حركات الفنّ المعاصر على الصعيد الدوليّ.

 

بينالي ساوباولو

ثاني أقدم مهرجانٍ من نوعه في العالم، حيث عُقدت النسخة الأولى منه سنة 1951، وأسّسه الصناعيّ الإيطاليّ البرازيليّ سيسيليو ماتارازو. وقدّ صمّم أجنحة موقع العرض المعماريّان أوسكار نيميير وهيليو أوشوا، ويوفّر الموقع مساحة عرضٍ تتجاوز 30 كيلومترا مربّعا. يُعتبر المهرجان الحدث الأكبر في مجال الفنون في البرازيل، وقد اُسّس للتعريف بالفنون المعاصرة، القادمة من الولايات المتّحدة وأوروبا، ودفع البرازيل للّحاق بركب هذا الطيف من الفنون، وجعل مدينة ساوباولو مركزا عالميا له.

يقوم على إدارة المهرجان رئيسٌ للفنّانين يتمّ اختياره في كلّ دورة، ويحتضن المهرجان عروضا فنية برازيليّة ومعارض دوليّة تستقطب أهمّ الأسماء من مُختلف أنحاء العالم. ولزيادة طيف المُشاركة، وتفعيل الجانب الاقتصاديّ من المهرجان، يتم منذ عام 1973 تنظيم البينالي العالميّ لفنون العمارة والتصميم بالتزامن مع مهرجان الفنون.

 

فلورانس بينالي

يحتضن موقع «فورتيزا دي بايو» بمدينة فلورانس الإيطاليّة مهرجان «فلورانس بينيالي» الذي يُقام كلّ سنتين أيضا. ويُدار هذا المهرجان من قبل «آرتي استديو»، الذي عرض لأوّل مشاريعه، وهو معرضُ فنون مُعاصرة سنة .1986 وتوالت المعارض بعد ذلك إلى أن تمّ تأسيس البينالي سنة .1997

يعمل الآن كلٌّ من الأخوين باسكال وبييرو كولينا مالكا «أرتي استديو» كرئيس المهرجان ومديره العام، وهما أيضا عُضوان دائمان في لجنة التحكيم الدوليّة التي تتضمّن 12 شخصا. وحسب تقارير «آرتي ستوديو» أن نسخة عام 2007، شهدت مشاركةً 870 فنّاناً من 67 دولةً مُختلفة، وبلغ عدد زوّاره 17 ألفاً. يقوم الفنّانون بدفع تكاليف مشاركاتهم عبر دعم الرعاة، أو عن طريق استقطاب المموّلين.

وبالتعاون مع هيئة الأمم المتّحدة، يُعتبر هذا المهرجان جزءاً من برنامج الحوار بين الحضارات. ويعمل منظّمو المهرجان على التواصل مع المشاركين عن طريق إرسال البريد الإلكترونيّ والدعوات الصحافيّة، أو حتّى تبادل المُكالمات الهاتفيّة. وعادةً ما يستقبل المُشارك الدعوة قبل عامٍ تقريبا، إذ يتمّ التواصل معه عبر عنوانه على الشبكة الإلكترونيّة. يصف بعض الفنّانين البرنامج بأنّه عرضٌ للتفاخُر، لأنّهم يدفعون للمشاركة به، وعلى الرغم من ذلك تتزايد المشاركة السنويّة به بوتيرةٍ مرتفعة، حيث يُعتبر من أكثر الأحداث المرموقة من نوعه شهرةً على الصعيد العالميّ.

 

بينالي الشارقة

يُعتبر هذا المهرجان واحدا من أهمّ التظاهرات على الساحة الثقافيّة العربيّة. فمنذ افتتاحه سنة 1993، وهو يعمل كجسرٍ للتواصل بين الفنّانين والمؤسّسات الفنيّة والجمهور على الصعيد الإماراتيّ، والعربيّ والدولي. ويُنظم المهرجان من قبل دائرة الثقافة والإعلام في إمارة الشارقة، ويحتلّ مكانة مرموقة على الخريطة الثقافيّة في المنطقة في مجالات إنتاج وعرض الفنون، وتعزيز ودعم المبادرات والخبرات المحليّة.

مكانة المهرجان واستمراريّته، تدلّ على لعبه دورا تعريفيّا كونه واحدا من المؤسّسات الفنيّة القليلة في المنطقة. ومن أهمّ مزاياه أنّه يلعب دورا أساسيًّا في دعم الإنتاجات الفنيّة، والمساعدة على نشرها عالميا. ومع زيادة شهرة هذه التظاهرات على الصعيد العالميّ، يأخذ بينالي الشارقة على عاتقه حجز مكانٍ مرموق للمنطقة العربيّة على خارطة أضخم الأحداث المتعلّقة بالفنون المعاصرة في العالم.

أمّا بالنسبة للأسماء العالميّة التي يُمكننا القول بأنّها لم تعد في حاجة البينالي لدعمها فنيًّا، توفر لها هذه التظاهرة فسحةً للمشاركة في الحوار مع الفنّانين والمتدرّبين، وتبادل الخبرات وتطوير المعلومات لديهم.

 

بينالي اسطنبول

منذ العام 1987، وهيئة الثقافة والفنون تُنظّم هذا المهرجان في العاصمة الثقافيّة والتجاريّة لتركيا، اسطنبول. ويسعى المهرجان إلى خلق منصّة تلاقٍ بين فنّاني الفنون المرئيّة من كلّ أنحاء العالم من جهةٍ، وجمهورهم من جهةٍ أخرى. ويُمكننا القول إن النسخ السابقة من هذه التظاهرة تمكّنت من تفعيل منظومة تواصل بين أفراد الشبكة الثقافيّة على الصعيدين، التركيّ والعالميّ، لتقريب ونشر الاتجاهات الفنيّة المعاصرة.

وكغيره من الأحداث المشابهة حول العالم، يُقدّم هذا المهرجان نموذجا حضاريا للحوار المباشر بين الفنّان وجمهوره عبر عمل الفنّان، عوضا عن أسلوب التقديم الوطنيّ. ويعمل القائم على المهرجان، الذي يتمّ اختياره من قبل لجنة مختصّة، على تنظيم عروض المهرجان عبر إطار يأخذ في الاعتبار مُختلف أطياف الفنون التي سيتمّ عرضها خلاله. ونظرا إلى شهرته العالميّة، يلجأ الفنانون، ليس فقط من تركيا، وإنّما دوليًّا، على اعتماده كمنصّة تنقل أصواتهم إلى الخارج.

ويتميّز المهرجان أيضا بخاصّية التفاعليّة التعليميّة، إذ يوفّر برامج تعليميّة تترافق مع المعارض للزوّار من جهة، وطلاب كليّات الفنون الجميلة من جهةٍ أخرى. وفي الوقت ذاته تُعقد مختلف جلسات الحوار والنقاش المٌترجمة، والمؤتمرات وورشات العمل المرافقة للمعارض.

 

بينالي الفنون في مراكش

كان يُسمّى في السابق مهرجان الفنون في مراكش، وتمّ إطلاقه أوّل مرّة في سبتمبر من عام 2005، وهو مهرجان دولي للفنون والآداب. قام بتنظيم النسخة الأولى من هذا المهرجان كل من الفنان المغربي آبل داموسي وفانيسا برانسون، ويُعتبر الأوّل من نوعه، لأنّه يُقدّم أعمالا باللغات العربيّة والفرنسيّة والإنجليزيّة في شمال أفريقيا.

أخرج النسخة الأولى من المهرجان البريطانيّ بابلو غانغولي، وحضره مجموعة مهمّةٌ من الضيوف، شأن حنيف القرشي وإيثر فرويد وآني لينوكس. وشهد أيضا إطلاق المرحلة الأولى من مشروع مؤسّسة تمويل «متحف مراكش»، وقد حضر حدث افتتاح هذه المؤسسة فنانون شأن سارا لوكاس ووتراسي إمين وغايفن تورك.

في نسخته الثانية تمكّن المهرجان من استقطاب أسماءٍ لامعةٍ في مجال الإخراج والأدب والفن، ليس فقط من المغرب، وإنّما من كل أنحاء العالم أيضا، فأضحى المغرب فيها منصّة عالميّة للمُناظرة والتعاون. أمّا النسخة الثالثة والتي أخرجتها فانيسا برانسون أيضا، كان أبرز الأعمال فيه عرضٌ للفنون المرئيّة تحت مسمّى «عرضٌ للأماكن والأعمال الناطقة»، وكان القائم عليه هو الفنّان المغربيّ عبدالله كروم.