حين يدور الحديث عن الأرقام واستخدامها كدلالات في عالم الفن، وتحديداً في مجال السينما، فإن الحديث يطول، ولكن ما يشد الانتباه هي القناعة التي تصل إلى حد البداهة في العقل الغربي الذي تنظر إليه غالبية فقدت بوصلة التاريخ نظرة تبجيل وشعور بالتفوق عليها، فما إن يذكر رقم «13» حتى تهيمن فكرة النحس والتشاؤم والشر وغيرها من الأفكار الإنسانية التي تجتمع في القلوب التي خلت من الحس الفطري بالحياة، وهذا ما يسجله الفيلم الذي يعرض حالياً في صالات السينما ويحمل عنوان «13»، وهو من بطولة: رايلي سام والنجم العالمي جيسون ستاثام والنجم الأميركي المثير للجدل 50 سنت ومايكل شانون وراي وينستون، وغيرهم من نجوم السينما، ومن إخراج الشاب الجورجي الأصل جيلا بابلوني وجرى تصويره بين فرنسا وجورجيا وألمانيا.

عرض هذا الفيلم الذي يمتلئ بمشاهد العنف والقسوة وينصح بأن يشاهده من هم فوق 18 سنة؛ للمرة الأولى عام 2005 بنسخته الأولى التي صورها المخرج بكاميرا 36ملم بالأسود والأبيض، وكأنما هي إعادة لتمجيد ما تبقى من السينما السوفييتية أو الواقعية التي أثرت في أجيال من السينمائيين حول العالم، وقبل الدخول في تفاصيل الفيلم وحكايته ومكامن القوة فيه والرؤية الانطباعية التي تعلق في ذهن من يشاهده؛ قبل كل هذا وذاك، لا بد من الدخول قليلاً لتاريخ استخدام رقم «13» في السينما حول العالم.

من باريس يطالعنا فيلم «الضاحية 13» للمخرج باتريك أليساندرين والذي لاقى إقبالاً كبيراً من المراهقين في منتصف الألفية، ويحمل درجة كبيرة من العنف، ومن مصر لدينا عدة أفلام حملت هذا الرقم، منها «العميل رقم 13» بطولة محمد صبحي وصابرين، وقبله كان الفيلم الجميل «الزوجة رقم 13» بطولة شادية ورشدي أباظة، وهو من أجمل أفلام الكوميديا الرومانسية، أو العكس، وفي العراق أدى قاسم الملاك دور البطولة في فيلم «عمارة 13» وجرى إنتاجه عام 1987م، وفي السينما الأميركية العشرات من الأفلام: فيلم الرعب «الأشباح 13» وفيلم الإثارة والأكشن «أوشن 13» بطولة جورج كلوني ونخبة من نجوم السينما، وحاز أعلى الإيرادات في 2007، كما ظهر الفيلم الوثائقي المثير «أبولو 13»، ولا نريد أن نطيل في سرد النماذج، فمنذ ظهور ما يعرف أسطورة الرقم «13» التي مثلت النحس والتشاؤم والشر في العالم الغربي وجرى تعميمها كغيرها من باب بركات العولمة؛ منذ ذلك الوقت والتصاق هذا الرقم بشخصية «يهوذا الإسخريوطي» الذي سلّم السيد المسيح -كما تدعي بعض الروايات- فإن هاجس النحس والتطير ظل ملازماً لهذا الرقم المسكين، ويبدو أن مخرج فيلمنا الذي نتحدث عنه فيلم «13» الحالي لم يحد عن هذه النظرة في نهاية الفيلم.

تبدأ اللقطات الأولى للفيلم من الدقائق الأخيرة لنهايته بمواجهة بالمسدسات يقف فيها بطل الفيلم الشاب فينس ويؤديه الممثل الإنجليزي رايلي سام بمواجهة أحد القتلة، لتعود الكاميرا إلى ما قبل 3 أيام من تلك اللحظات، حيث يعيش فنس وضعاً صعباً بسبب مرض والده الذي يرقد في المستشفى ويتم رفض علاجه لعدم تغطية التأمين لحالته، بينما يعمل هو في أحد المنازل لتأمين لقمة عيشه ووالدته في بيته المتهالك في إحدى الضواحي، تشاء المصادفة أن يستمع فينس لحديث بين صاحب البيت الذي يعمل فيه وشخص جاءه بمظروف فيه دعوة لمسابقة ما فيها جوائز مالية كبيرة، وبعد بقاء فينس منفرداً مع صاحب البيت يتعاطى هذا الأخير جرعة كبيرة من المخدرات تؤدي إلى وفاته، يسحب فينس المظروف وينطلق به متقمصاً شخصية صاحب المنزل الميت.

تتوالى الأحداث ليجد فينس نفسه في مبنى كبير يتوسط غابة، وفيه يكتشف سر هذه المسابقة التي تقضي بتنافسه مع عشرات الأشخاص من اللاعبين في لعبة أقل ما توصف بأنها لعبة موت قذرة بتشكيل دائرة يحمل كل منهم فيها رقماً ومسدساً توضع فيه رصاصة واحدة في الجولة الأولى وتزيد إلى أن تصبح ثلاثة يصوبه إلى رأس الرجل الذي يقف أمامه، وبعد تدوير اسطوانة المسدس في الهواء تترك أنت وحظك في إطلاق الرصاص على رأسك من عدمه، وتستمر المراحل وسط هتافات المراهنين من الأثرياء الذين يراهنون بمبالغ بملايين الدولارات.

ويقف الحظ مع فينس الذي يحمل رقم 13 فينجو من كل تلك المراحل ولا يبقى أمامه إلا لاعب واحد هو شقيق النجم جيسون ستاثام، فيتواجه فينس معه ويقتله عبر لعبة الحظ، وينال نصيبه الذي يبلغ قرابة مليوني دولار يهرب بها من أعين القتلة والعصابات ليرسلها إلى والدته عبر البريد المضمون ويقوم هو برحلته على أمل العودة إلى بيته وبدء حياة جديدة، فيقوم جاسبر النجم ستاثام بإطلاق الرصاص عليه وسرقة حقيبة يده التي يظن أن فيها المال، لينتهي الفيلم بنهاية مفتوحة.

حاز هذا الفيلم على جائزتين مرموقتين لدى عرض نسخته بالأسود والأبيض من مهرجان البندقية السينمائي ومهرجان صندانس البريطاني، وكتب عنه عشرات من النقاد الأوروبيين مادحين للمخرج على هذا الفيلم، ورغم ذلك فإن هذا المخرج المولود في جورجيا ويعيش في فرنسا استطاع حبس أنفاس المشاهدين في أغلب دقائق الفيلم، وخصوصاً في مشاهد العنف والدماء في المسابقة المميتة، إلا أنه لم يستطع فعل ذلك في المشاهد الأخرى في الفيلم، حيث افتقد الفيلم لروح الإثارة والحبكة المتقنة، ويقع اللوم عليه في ذلك لأنه كاتب الفيلم والسيناريو أيضاً، ورغم وجود عشرات من النجوم في الفيلم كجيسون ستاثام بطل أفلام: الناقل، والواحد مع جيت لي والعمل الإيطالي مع إدوارد نورتون، وعشرات من أفلام الأكشن والحركة، ووجود النجم مايكل شانون و50 سنت وغيرهم من كبار نجوم الأكشن؛ إلا أنهم كانوا باهتين في الأداء والأدوار في مقابل الأداء الرائع لبطل الفيلم الشاب «فينس» الممثل الإنجليزي سام رايلي الذي انطلق من الأكاديمية الملكية للفنون المسرحية، وهذا الفيلم هو الأول له كفيلم تجاري في مسيرته التي بدأها مع الأفلام المستقلة ذات الميزانية المنخفضة، وقد حاز في مسيرته القصيرة نسبياً عشرات من الجوائز العالمية، ويمكن أن ينال هذا الممثل الإنجليزي مرتبة عالية في الأفلام المقبلة التي ستنتجها هوليوود، ويمكن أن يحتل أدواراً كان يؤديها بعض النجوم الشباب الذين اكتشفتهم هوليوود ووصلوا إلى الكهولة الآن مثل: كولين فاريل وبراد بيت وأرلوندو بلوم وإداورد نورتون ومات ديمون، فهو وجه سيشاهده الجمهور حول العالم قريباً في أقوى الأفلام، أما مخرج الفيلم فأمامه مشوار طويل -رغم مديح النقاد- لا في مجال الإخراج، بل في مجال النصوص الأقل عنفاً وقسوة، ويبقى أن نقول إن فيلم «13» هو فيلم يحمل جرعة كبيرة من القسوة والعنف، وينقل صورة واقعية للنفس البشرية حين تتجرد من إنسانيتها.