عندما أطلق العالِم الرياضي والفلكي جون هيرشل(1792-1871) مصطلح النقش بالضوء على التصوير الضوئي لم يكن يعلم بأن هذه الظاهرة سبق أن عرَّفها العالم العربي محمد بن الحسن بن الهيثم عندما أثبت أن الرؤية «تتم من انعكاس الضوء عن الأجسام ومروره من خلال حدقة العين ليرسم خيالاً معكوساً على جدار العين الخلفي»، ليأخذ هذا التعريف تلك الأبعاد الكبيرة كِبر المرحلة المتطورة للتصوير الضوئي الذي بدأ يعكس الصورة الحقيقية للارتقاء المذهل الذي تشهده الحركة التصويرية في العالم طولا وعرضا وفي جميع الجوانب والزوايا ابتداء بالفكر ومرورا بالعين المجردة وانتهاء بالصناعة التصويرية.
فن ومنهج
هذه الحركة التي بدأت ملامحها تتبدى من خلال المحاضرات والفعاليات والملتقيات تجسِّد مدى حرص الإنسان على اكتشاف العالَم الذي حوله من ثابت ومتحرك في عملية انتقاء لأفضل وأميز ما صوَّرته العين المجردة ولكن بفكر عال وذوق رفيع وأبعاد معينة تَمِيز بين العين الهاوية والمحترفة.
لقد أصبح هذا الاختصاص فنّاً يُدرَّس في مختلف الجامعات والمعاهد بعد أن كان مجرد هواية سرعان ما تُصقل عبر الممارسة، لأن الموهبة وحدها لا تكفي حسب جاسم العوضي أمين عام جائزة «فرجان الإمارات» التي تنظمها اللجنة التنظيمية لجائزة منصور بن محمد للتصوير الضوئي في موضوع محاضرة نظمتها كلية دبي التقنية للطالبات، هذه الجائزة تعد الحملةَ البصرية الرائدة على مستوى الدولة والتي بدأت فعالياتها من 15 يناير وانتهاء إلى 15 إبريل.2011
وقد وقف العوضي عند أهم النقاط التي أوجزها في دقائق تعكس حرص الجائزة على تقديم مواهب واعدة تعطي الدفعة القوية لبناء صرح إعلامي مرئي يوصل بالفكرة إلى العموم في أبهى صورة يمكن أن تلتقط في عملية بناء فكري دقيق لا اعتباطي يعتمد على الآلة الخالية من روح الإبداع.
ولأن لكلِ عمل لا بد أن يتم بلورته ضمن استراتيجيات، فقد أكّد العوضي أنه لا بد من خضوع هذا المجال إلى استراتيجيات ممنهجة وهي الارتقاء بالمجال الفني إلى المجال العلمي الدقيق المدروس وتشجيع العناصر المهمة مع دعم المبدعين والمحترفين و تبني العمل الأفضل الذي يعكس الصورة المشرقة لدولة الإمارات ليتم تفعيلها إلى أعلى المقاييس ضمن مستويات ثلاثة عربية وإقليمية وعالمية.
ولم يتردد أديب شعبان رئيس اتحاد المصورين العرب الذي كان مدرسا في كلية الإعلام جامعة بغداد في الثناء على قيمة هذه الجائزة من الناحية المعنوية وإن كانت تحمل في طياتها بعض المكافآت السخية ولكنه يبدو أنه ركز على تلك القيمة التي تدفع بالمبدعين إلى رحاب أوسع من الصورة الملتقَطة أو المشهد المتصيَّد.
ولعل حمل هذه الجائزة لرمز من الرموز الشامخة في شخص سمو الشيخ منصور بن محمد له تلك الدلالة المعنوية حيث إنه لا يدَّخر جهداً في تخصيص وقته من أجل الدفع بعجلة هذا المجال الكبير الذي تدور في فلكه الكثير من كواكب الإبداع ابتداء من الفكرة المسبقة للمشهد وانتهاء بالعملية التكميلية للصورة دون تشويه مضرّ أو تحوير مخلّ.
عبق الماضي وسحر الحاضر
ويبدو أن مدينة دبي وما تحمله من ثنائيات فريدة تمزج بين التراث الجميل والحاضر المبهر والمستقبل المشرق جعلت رئيس اتحاد المصورين العرب يشدد على هذا العامل عندما أكد بأن هذه المدينة ترغم عدسات المصورين على التقاط أفضل المشاهد التي تعبر عن الجمال في أبهى صوره البعيدة عن مشاهد الآلام التي يشهدها العالم في أكثر من بقعة.
ولم يخرج سعيد الشامسي مدير دار ابن الهيثم عن السياق عندما أكَّد بأن هذا المجال يشهد حركية متسارعة على المستويين المحلي والعالمي الذي لم يقف عند ومضة فلاش بل يذهب بالخيال إلى مزيد من الإبداع في معادلة بين الموهبة والتعليم الأكاديمي لتظهر الصورة كما يجب أن تظهر مبرزة أكثر من مشهد في مشهد، مؤكداً بأن العنصر النسائي هو المهيمن على تلك الجوائز التي تطلق من الحين إلى الآخر في إشارة إلى أن الحس المرهف لابد أن يكون له ذلك الحضور الآسر.
وفي إشارة بأن الصورة ليست بالبسيطة كما يعتقده الكثيرون، أكد الشامسي بأن ثمة عوامل لابد من توافرها لترتقي الصورة إلى المعنى الكامل، وبالتالي تكون لها الحظوة في كسب الجوائز بأن ترتكز على الفكرة المسبقة التي تكون بمثابة الدليل للعين في التقاط المشهد المناسب في المكان المناسب في الوقت المناسب، إذ لابد من دراسة المنطقة دراسة عميقة تعطي للمصور الدفع الكبير لالتقاط المشهد المميز ولعل «فرجان الإمارات» لها تلك الدلالة الكبيرة في اختيار المشهد الذي يترجم عبق التراث في أسمى معانيه، دون نسيان النوعية الجيدة للصورة وهذا يرتكز على المهنية العالية التي تخضع إلى مقاييس علمية مدروسة.
أرشفة الذاكرة
ومن خلال المناقشة التي تمت بين المحاضرين والطالبات فقد ركزت مجمل المداخلات على قضية الأرشفة التي تعد الرصيد التاريخي المهم للرجوع بالذاكرة إلى الماضي الذي يحمل الكثير من المعاني الاجتماعية والثقافية وهي من الأولوية بمكان، لأن الذاكرة الاجتماعية بحاجة إلى توثيق يعتمد على العمل المنهجي المدروس وفق أبجديات التصوير وما بعد التصوير، حيث ركزت مجمل المناقشات على العمل الميداني المدروس الذي يكون كفيلاً لصقل المواهب الشابة، حيث ضرب المحاضرون موعدا لورشات عملية مقبلة كورشة البستكية التي تعد نموذجا لمحطة تراثية مهمة.
أما مصطلح «القديم المتجدد» كان له موضع قدم في نقاشات تلك المحاضرة، حيث ركز أديب شعبان على هذه الفكرة التي يمكن أن تتبلور ضمن مشهد يحمل تلك الثنائية بين الماضي الزاخر بعبق التراث والحاضر المملوء بكثير من الإبداع دون إخلال بالمعنى عندما يدخل عامل التعديل في المشهد.
المشهد الجميل الذي تحتفظ به الذاكرة يمكن أن تتزين بها الجدران والواجهات المهمة كجدار المطارات والقطارات وواجهات الشركات وهذا ليس ببدع من الأمر خصوصا إذا تعلق الأمر بالصورة المميزة.. حديث ساقه محمود نور رئيس قسم الاتصال الحكومي في برنامج «وطني» في تعليقه على المحاضرة حيث أكد أهمية الدفع بالمواهب الإبداعية الشابة للظفر بأحسن المشاهد من جهة ولإثبات الذات من جهة أخرى تنتج عنه أعمال قابلة للتوظيف.
ويأتي تكريم الطالبات في هذه المحاضرة باكورة جهد كبير بذلنه في هذا الصعيد من أجل الخروج بأفضل النتائج وهو ما دفع ب د. هوارد ريد، مدير كلية دبي للطالبات إلى الثناء على مواهب الطالبات الإماراتيات، وقال لدينا مواهب متعددة لا تظهر إلا من خلال المشاركة في هذه المسابقات، تلك المواهب كانت حاضرة لتجسد البعد الإنساني والثقافي والفني في عملية بحث مستمر عن كل ما هو جميل ومميز.
المكرَّمات وحديث في المشهد
فعندما تقول فاطمة أحمد، طالبة إعلام سنة ثانية، واحدة من الستة اللائي كرِّمن في المحاضرة، بأنها كانت شغوفة بالتصوير حتى قبل الانضمام إلى المجال الإعلامي «فإن الصورة تظهر عندنا بشكل واضح في أن هذا المجال لابد أن يكون محفوفا بكثير من الحب والرعاية»، فقد استهوت الطبيعة فاطمة وجعلت منها الخلفية الجميلة التي تؤثث عليها عملها في حركة دؤوبة من أجل التقاط المشهد الأفضل.
وعندما نسمع بموهوبة صاعدة كمريم إبراهيم، اختصاص اتصال مؤسساتي، فإن المشهد الإبداعي يكاد يكتمل وخاصة عندما تحدثنا عن ولعها بالأشياء الجامدة والأطفال وكبار السن وكأني بها تبيِّت لالتقاط مشهد يفاجئنا يحمل الكثير من الأفكار التي ركز عليها المحاضرون خصوصا أنها شاركت في معرض «ذاكرة عكس» لتنطلق نحو إعادة صياغة الذاكرة بالمشاهد الجميلة.
أما ريم الفلاحي، كلية إعلام سنة ثانية، فتبحر بنا إلى الطبيعة الخلابة المملوءة بمشاهد متنوعة تجعل من المصور يفكر مليا قبل التقاط المشهد الذي يكون العلامة الفارقة بين الكم الهائل من الصور ولعل مشاركتها في مسابقة «خاص لي» التي تنظمها الكلية أعطتها تلك الدفعة للتفكير مليا قبل الضغط على زر الكاميرا في إشارة إلى أن الفكر لابد أن يكون له سلطة الالتقاط في تكوين الرؤية المأمولة في مشهد متكامل على حد تعبيرها.
وتذهب مروى محمد، كلية إعلام سنة ثانية، بأن انعقاد مثل هذه المحاضرات وتوزيع هذه الشهادات فيه تقدير للمجهود الكبير الذي يبذله المصور.
