من فيلم «ثمن الحرية 1964»، إلى مسلسلي «يتربى في عزو 2007، وزهرة وأزواجها الخمسة 2010».. عمر فني بدت خلاله كريمة مختار أيقونة للحب والحزن في الفن بكل وسائله.. في التلفزيون والسينما والمسرح ، يعتبرها النقاد فنانة من طراز رفيع.. وتراها العائلة المصرية أماً من زمن جميل يأبى أن يترك فينا رائحته وكبرياءه..

 

ولأن الأم هي محور العائلة.. إن صلحت استقام أفرادها، وإن مالت ضاعوا، فقد حافظت كريمة مختار بما تمثله من قيم في كل أدوارها.. لم تخضع يوما لقيم فترات الانكسار الفني والتحول الاجتماعي في السبعينات، التي سادت فيها أعمال قالوا عنها «أفلام المقاولات» حين دخل تجار الحديد والخردة والخشب إلى مجال الإنتاج السينمائي والفني.

حفرت كريمة مختار مكانتها في قلوبنا بنفسها.. في وقت كنا أكثر حاجة فيه لنموذج كريمة مختار الفنانة والأم الرؤوم على أولادها.. كانت دائما تلتقط الخيط منا كمشاهدين، ثم تعيد إرساله إلينا عبر أعمال إنسانية، عبرت عن الطبقة الوسطى بكل همومها ومسؤولياتها وتطلعاتها، فكانت في فيلم الحفيد (1975) زوجة الموظف عبدالمنعم مدبولي، المكافح الذي يسعى إلى تعليم أولاده وتزويج بناته، وكانت في مسرحية «العيال كبرت» الزوجة والأم التي ترى وتسمع وتفهم، لكنها لا تتكلم إلا حين يجب أن تتدخل، فعندما تكلمت ألجمت أولادها الشاردين.

وأعادت زوجها حسن مصطفى، قبل إقلاع طائرته مع سكرتيرته.. فكان تصفيق المشاهدين لها وهي تحضن زوجها بعينيها، وتنهر أولادها لإساءتهم لوالدهم فهتف لها الجمهور- بوسة- عايزين بوسة- لكن مين دي اللي تديهم بوسة؟.. بعينهم.. دي كريمة مختار.. كبرياء الزوجة وعطر الأم.. منذ متى تعطي الزوجة بوسة لزوجها أمام أولادها.. حافظت كريمة مختار علينا فوضعناها في مكانة خاصة بها في قلوبنا.

 

60 عاما من التمثيل

قضت كريمة مختار نحو 60 عاما في المجال الفني قدمت خلالها عشرات الأعمال للسينما والمسرح والتلفزيون، ولم تكن يوما طرفا في إشاعة، أو في مشكلة على دور أو اسم أو أجر، ومهما طال الدور أو قصر كانت دائما هي كريمة مختار فقط.

عاشت مع زوجها الراحل الفنان المخرج نور الدمرداش عمرا مديدا لم نسمع يوما بمشكلة بينهما، ولم يشر أحد إلى أنهما كوّنا ثنائيا فنيا هو يخرج وهي تمثل، فكانت النتيجة الفنية تكوين شخصية فنية مستقلة لها بصمتها الخاصة، كما كانت النتيجة العائلية أربعة أبناء تفخر بهم أي عائلة هم المذيع التليفزيوني اللامع معتز الدمرداش، وشريف وأحمد وهبة، وجميعهم يتولون مواقع مرموقة.

وتقديرا لهذا العطاء الفني كرمها المهرجان القومي للمسرح المصري في دورته الأخيرة (شهر يوليو الماضي)، كما حصلت على جائزة أحسن ممثلة عن دورها في مسلسل (يتربى في عزو - ماما نونا)، كما سبق أن حصلت على جائزة النقاد عن دورها في فيلم «ومضى قطار العمر-1971».

امتلكت طوال مشوارها الفني أدواتها التمثيلية الرفيعة فقدمتها لنا دون ابتذال، أبكتنا حين كان يجب أن نبكي، وأضحكتنا عندما رسمت ابتسامة على وجهها.

 

برامج الأطفال

اسمها الحقيقي عطيات محمد البدري من مواليد 16 يوليو عام 1934، وهي الشقيقة الصغرى لكل من السيدتين فوزية أرملة الفنان الراحل محمد توفيق، والإذاعية الشهيرة عواطف البدري، وكان والدهما يعمل مديرا للحسابات بإحدى الشركات الأجنبية.

حصلت كريمة مختار على بكالوريوس المعهد العالي للفنون المسرحية عام 1963 الذي التحقت به بناء على نصيحة الرائد المسرحي المؤسس زكي طليمات عندما جمعتهما الصدفة.

 

ثمن الحرية

بدأت الفنانة الموهوبة حياتها العملية وهي لا تزال طالبة، من خلال برامج الأطفال مع الإذاعي الكبير محمد محمود شعبان «بابا شارو» الذي لعب دورا مؤثرا في إقناع والدها بمشاركتهما في برنامجه الشهير، وهو الذي اختار لها الاسم الفني كريمة مختار، ومن خلال الإذاعة نجحت في المشاركة بالعديد من التمثيليات التي حققت لها الشهرة، من بينها، على سبيل المثال «العسل المر، حسن ونعيمة، قيس ولبنى».

ارتبطت بالزواج بالفنان المخرج نور الدمرداش في فترة مبكرة من حياتها وبالتحديد عام 1958 فكان لارتباطهما أثر كبير في استمرارها في العمل الفني.. حيث سهل لها نور الدمرداش بعد ذلك مشاركتها في فيلم «ثمن الحرية 4691».

وإذا كان تاريخ الدراما يحفظ بذاكرته أسماء بعض الفنانات اللاتي أبدعن في أداء دور الأم القاسية من بينهن دولت أبيض، زوزو حمدي الحكيم، نجمة إبراهيم، علوية جميل، زوزو ماضي، ميمي شكيب، فإن الفنانة كريمة مختار تميل في أدوارها إلى تجسيد شخصية الأم الطيبة الحنون، وتعتبر امتدادا طبيعيا ورائعا للقديرات فردوس محمد، زينب صدقي، أمينه رزق، عزيزة حلمي، ناهد سمير، آمال زايد، وإن استطاعت أن تقدم مع كل من مريم فخر الدين وليلى فوزي وليلى طاهر نماذج للأم المصرية المثقفة في عصرنا الحديث.

ويحسب للفنانة كريمة مختار نجاحها في رفض التنميط والهروب من مصيدته القاتلة لأصحاب المواهب الحقيقية، وبالرغم من أن بعض أدوارها كانت تقريبا متشابهة من ناحية التركيب الإنساني فإنها كانت بذكائها وخبرتها تنجح في صياغة كل شخصية من الشخصيات التي تجسدها بصيغة خاصة بحيث لا تتكرر أو تتشابه مع الشخصيات الأخرى.

وقد حرصت بوعيها.. أثناء مسيرتها الفنية، على تطوير وتجديد صورتها وأدوارها من خلال الأعمال الدرامية المختلفة، فقدمت شخصيات متباينة ومختلفة بنوع من الاجتهاد والجهد الشخصي وذلك عن طريق اهتمامها بالتفاصيل الدقيقة لكل شخصية والاعتماد على التعمق في العالم النفسي لكل شخصية درامية .

وعلى رصدها الدقيق وتحليلها للسياق الاجتماعي الذي عاشت فيه كل شخصية بمختلف مراحل حياتها بالإضافة إلى احتشادها بالأحاسيس والمشاعر المتولدة من شعور عميق بجماليات التعبير الصوتي والجسدي، وبالتالي فقد أصبح لأدائها التمثيلي سمات وملامح خاصة بها، وبحيث أصبح المشاهد يتوقع مع كل عمل شيئا جديدا، وذلك بالرغم من حرصها على الالتزام بالنص ورفضها الشديد افتعال الصنعة.

تتميز الفنانة المتميزة كريمة مختار بقدرتها على التحكم في انفعالاتها وضبط وتوظيف إيقاع حركاتها وإيماءاتها وذلك لوعيها الكامل بالفروق اللازمة بالأداء في مختلف القنوات الفنية خاصة بين التمثيل على خشبة المسرح والتمثيل أمام كاميرات التصوير بإمكانياتها وحساسيتها الفائقة.

 

50 مسلسلا

شاركت الفنانة كريمة مختار فيما يقرب من خمسين مسلسلا من بينها (أصيلة، برديس، البخيل وأنا، أبوالعلا البشري، نحن لا نزرع الشوك، الرجل والدخان، العمة نور، ألف ليلة وليلة، الجنة العذراء، أبوذر الغفاري، من عظماء الإسلام، لا إله إلا الله، محمد رسول الله)، وإن كان أشهر أدوارها في هذا الصدد هو دور «ماما نونا» بمسلسل «يتربى في عزو».

وبعد ذلك يجيء عطاؤها السينمائي، حيث شاركت في بطولة ما يزيد على خمسة وعشرين فيلما من أهمها (ثمن الحرية 1964، المستحيل 1964، نحن لا نزرع الشوك 1970، الظريف والشهم والطماع 1971، ومضى قطار العمر 1971، الحفيد 1975، وأميرة حبي أنا 1975، وبالوالدين إحسانا 1976، أنقذوا هذه العائلة 1979، رجل فقد عقله 1980، الشيطان يعظ 1981، إعدام طالب ثانوي 1981، الليلة الموعودة 1984، يارب ولد 1984، سعد اليتيم 1985، امرأة مطلقة 1986، اليتيم والذئب 1993، مهمة صعبة 2007، الفرح 2009).