تعد المهرجانات السنوية التي تنظَّم في مختلف أصقاع العالم نافذة لعرض أهم الأفلام التي تتنافس على استقطاب جمهور الشاشة الذهبية وهي فرصة للابتكار من أجل الخروج بأفضل النتائج من خلال جوائز وتكريمات لأهم عناصر صنّاع السينما من مخرجين ومنتجين وممثلين وكتَّاب، ولعل المساحة الزمنية التي تفصل بين كل مهرجان وآخر تعطي الفرصة للفيلم في الدخول في سباقات الرهان السينمائي وهذا ما ألفته السينما الغربية، الأميركية منها والأوروبية. والملاحظ أن مهرجان «سيزار» الذي حرص منظموه أن يقام قبيل الأوسكار بأيام قليلة يطرح إشكالية هذا التزاحم الذي لم تألفها السينما الغربية خلافا لمهرجانات السينما العربية التي يعيب عليها هذا العامل الذي يحول دون تواجد الكم المرجو لعشاق الشاشة الذهبية أو تواجد نجوم هذا الفن في أكثر من مهرجان، ويبدو أن طبيعة المهرجان الذي يشاكل في جوائزه جوائز الأوسكار يطرح السؤال القديم الجديد: لماذا يحرص منظمو هذا المهرجان على أن يكون على شاكلة الأوسكار في الوقت الذي لا يريد أن يكون بمنأى عن توجُّه «كان» ذي الملامح الفرنسية الصرفة؟

 

بداية القصة

يبدو أن توقيت هذا المهرجان جاء ليعزز فكرة أن التواجد الفرنسي في الغرب لابد أن يكون له قدم قوية وثابتة من خلال أفلام ذاع صيتها في الغرب وجاء امتداداً لمهرجان كان حسب صحيفة لوبوان الفرنسية التي أكدت بأن انعقاد مثل هذا المهرجان يدعم السينما الفرنسية من خلال عرضها لأفلام تنافس على أعلى الأوسمة على غرار الأوسكار، فـ«سيزار» الذي يمثل أهم المهرجانات العالمية يبدو انه يخطو على إيقاع «كان» حتى في النتائج عندما أسفرت نتائج هذا النسخة بتتويج فيلم «رجال وآلهة» للمخرج غسافييه بوفو وهو الفيلم نفسه الذي توج في «كان»، حيث كان العنوان الأبرز في مهرجان سيزار في نسخته السادسة والثلاثين، وقد ترأست الممثلة الأميركية جودي فوستر رئيسة للجنة التحكيم هذا المهرجان.

للإشارة فإنه يتم اختيار الترشيحات من قبل أكاديمية الفنون والسينما، إذ يتم نقل الحفل عبر شاشات التلفزيون الفرنسي في مسرح «شاتليه» وعلى الهواء مباشرة عبر قناتي canal+ وrtl الفرنسيتين، وقد اقتبس اسم هذا المهرجان من اسم النحات الفرنسي بالداسيني سيزار1921-1998) من فكرة الأكاديمي جورج كرافن عام 1974 والجوائز الست والثلاثون التي تمنح من خلال الفئات التي تفوز بها الفئات المرشحة تعادل العدد نفسه في جوائز الأوسكار.

 

في ميزان الإعلام

وقد سلطت الصحافة الفرنسية الضوء على هذا الحدث السنوي الكبير باعتباره يحاكي في عرضه وعدد جوائزه «الأوسكار»، حيث يستقطب الكم الهائل من المرشحين في الأفلام من الفرنسين وغيرهم من أنحاء العالم وهذا ما يعطيه ذلك الزخم الإعلامي اللافت، فقد أفرد له موقع «نيوز تيفي» الفرنسي صفحة كاملة عرض من خلالها المرشحين وأسماء الفائزين بلون مميز كما أحال بقية التفاصيل إلى موقع الفيس بوك والتويتر، كما عنون موقع «كيست فرانس الالكتروني» بأن فيلم «رجال وآلهة» بأنه أكبر الفائزين، مسلطاً الضوء على أهم الأسباب التي جعلت منه الحصان الأسود الذي تخطى جميع المترشحين، كاسباً رهان أكبر الجوائز السينمائية على المستوى الفرنسي، أما صحيفة «لوبوان» الفرنسية فقد احتفت بهذه الجائزة ناقلة انطباع كاتب العمل بوفوا «يجب ألا نخاف من الآخرين يجب فقط فتح مجال الحوار وأن نقول أي شيء بدون حرج، هي رسالة المساواة في الحرية بين الناس جميعهم بما فيهم مسلمو فرنسا» ، مؤكدا بأنها رسالة تآخ، ويبدو أن هذه الرسالة التي أكد عليها بدأت تشكل عند الفرنسيين صفحة جديدة تعاد قراءتها في أكثر من مناسبة.

 

أصداء

أما فيلم the ghost writer لبولان بولانسكي، فقد حاز على جائزة أفضل مخرج وهو عبارة عن فيلم سياسي فاز بأربع جوائز في إشارة واضحة الى أن السينما السياسية عائدة بقوة بعد الجائزة التي نالها فيلم «رجال وآلهة» الذي رجَّح أغلب المتتبعين بأنه سياسي بامتياز وإن كان في شكله يحمل الطابع الإنساني، وهي العودة المتوقعة لمثل هذه الأفلام.

أما سارة فوستيه الأميركية الناطقة باللغة الفرنسية فقد خطفت الأضواء بطلَّتها المميزة لتحاكي نجمات هوليود على غرار الممثلة الشهيرة صاحبة جائزتي الأوسكار «أوليفيا دي هافيلوند»، والكلام لصحيفة لومند، وهي إشارة الى أن هذا المهرجان يريد أن يحاكي الأوسكار سواء من ناحية التنظيم أو التغطية الإعلامية الفرنسية التي حرصت أن تربط هذا المهرجان بأهم إنجازات نجوم هوليوود خصوصا عندما تناول الإعلام الفرنسي الممثلةَ فوستيه بإسهاب كبير وحرصت أن تكون ناطقة باللغة الفرنسية وربطت بينها وبين إنجازات أوليفيا ذات الرابعة والتسعين عاما.

ولعل التوقيت الذي يتم فيه مهرجان سيزار والذي يسبق بأيام قليلة الأوسكار والذي يأتي بعد مهرجان «كان» بأشهر يطرح السؤال المحوري، ماذا يريد سيزار أن يكون؟

مايكل لونسدال ذو الثمانين عاماً عندما حاز على جائزة أحسن ممثل مساعد لفيلم «رجال وآلهة» قال:« أن تأتي متأخرا أفضل من ألا تأتي أبدا» ، فقد علقت وسائل الإعلام الفرنسية على هذا المقال واعتبرته منعرجاً مهمّاً في حياة الممثل الطاعن في السن، كما عبر المخرج كوانتين توارينتينو عن فخره بنيل جائزة شرفية منهيا كلامه بعبارة «تعيش السينما» في رسالة واضحة بأن «سيزار» لن يكون مجرد عابر سبيل بل لابد أن يكون رقما صعبا يتم من خلاله تسويق السينما الفرنسية إلى الخارج وهذا ما جعل مثل دو كليمون تونير من أهم مسوقي الأفلام السينمائية الفرنسية يقول: «لابد من جلب الجمهور وجلبه حيث ما وجد» بعد أن رأى ضعف الإقبال على الأفلام الفرنسية في الخارج لذلك دعا مسؤولي هيئة السينما الفرنسية يفكرون في تنظيم مهرجان خاص بالسينما الفرنسية. هي السينما التي راهن المنظمون على نجاحها بأن استقطبت العديد من الوجوه السينمائية اللامعة وحرصوا على أن تترأس الممثلة الأميركية جودي فوستر المهرجان في إشارة بأنها لا تقل أهمية على الأوسكار الذي جاء بعدها بأيام قليلة وبعد «كان» الذي شهد تتويج الفيلم نفسه« رجال وآلهة» بأنه لايقل أهمية عن «كان» إن لم يكن نسخة منه.

 

الأفضل

وفيما يلي الجوائز النهائية للمهرجان في دورته السادسة والثلاثين وأفضل فيلم: «رجال وآلهة» لاكسافييه بوفوا وأفضل مخرج: رومان بولنسكي في فيلم the ghost writer، أما أفضل ممثلة فعادت لسارا فوراستيه في «اسم الأشخاص» وأفضل ممثل إيريك المونسنينو في فيلم «حياة بطل» وأفضل ممثلة في دور ثانوي: آني آلفارو في فيلم «صوت الجليد» وأفضل ممثل في دور ثانوي: مايكل لونسدال في فيلم «رجال وآلهة» وعادت جائزة أفضل ممثلة واعدة لليلى بختي في فيلم «كل ما يلمع» وأفضل ممثل واعد: إيداغاز راميريز في فيلم« كارلوس» أما أفضل فيلم أول: «حياة بطل» وأفضل سيناريو أصلي: باية قاسمي وميشيل لاكلارك في فيلم« اسم الأشخاص» وأفضل سيناريو: روبارت هاربس ورومان بولنسكي في فيلم the ghost writer وأفضل فيلم أجنبي: «الشبكة الاجتماعية» لـ«ديفيد فينشر» وأفضل فيلم وثائقي لـ«المحيطات» لجاك بيران وجاك كلوزود وأفضل فيلم قصير: لايفري دوكريسي ورانسوا ألوكس ولودوفيك هو بلان في فيلم« لاغوراما» وأفضل فيلم كرتون: «المخادع» لسيلفان شومات، أما أفضل الأزياء لكارولين دوفيفاس في فيلم «الأميرة مونتوبونسي» وأفضل ديكور لهوغيس تيسرينديه في فيلم «المغامرات الرائعة» وأفضل صوت لسيريل هولتز وجون غوديه ودانييل سابرينو في فيلم «حياة بطل» وأفضل موسيقى مكتوبة لالكسندر ديسبلات في فيلم the ghost writer وأفضل مونتاج لهيرفي لولوز في فيلم the ghost writer وأفضل تصوير لكارولين شامبتيه في فيلم «رجال وآلهة».

 

التحدي

وتأتي أغلب المقالات الفرنسية لتؤكد بأن مهرجان سيزار الفرنسي يأتي كأفضل رد للأوسكار مع أنه يحتفي بممثلين أميركيين من حيث التوقيت والنوعية، ولعل انتظام المهرجان قبيل الأوسكار أي في أواخر فبراير منذ عام 2003 فيه دلالة على أن سيزار يريد أن يسبق ويستبق الأوسكار من حيث البعد الزماني والفني. أما الحضور الجماهيري فقد كان قياسيا في السنوات الأخيرة حيث مثلت سنة 2011 رقما قياسيا في حضور الجماهير بالنسبة للأفلام المرشحة لـ«سيزر» حيث حقق فيلم l amacooeur أعلى نسبة حضور بحوالي 3,712,000 مشاهد فيما حقق «رجال وآلهة» ثاني نسبة مشاهدة بـ3,160,000 مشاهد، فيما جاء فيلم «حياة بطل» بحضور حوالي1,094,000 متفرج وهي نسبة تقارب عدد حضور الأميركيين في مختلف دور السينما. ولأن المقالات الفرنسية جاءت لتؤكد بأن سيزار هو مجد السينما الفرنسية فقد سمي حسب تلك الكتابات بأوسكار السينما الفرنسية كما بينت ذلك لوبوان الفرنسية.

يبدو في الأخير أن «سيزار» قد أخذ جرعة تشجيع كافية خصوصا بعد النجاح الباهر الذي حققه فيلم «لول» بطولة الممثلة المعروفة صوفي مارسو، حيث جلب أكثر من 3 ملايين متفرج سنة 2009 والذي آثار شهية منتجي هوليوود الذين قرروا إنتاجه بنسخة أميركية، فكان أن فضَّل هذا المهرجان أن يستبق «الأوسكار» ويثبِّت هذا الموعد بعد أن كان متأرجحاً بين فبراير ومارس وإبريل في السنوات السابقة.