فيلم «معركة لوس أنجلوس» الذي يعرض حاليا في صالات السينما المحلية ينتمي إلى ما يسمى بسينما غزاة الفضاء، التي تواظب هوليوود على تقديمها من فترة لأخرى خصوصا عقب انهيار الدول الشيوعية وتلاشي خطر القوة النووية، حيث اختلقت الأفلام الأميركية احتمال أن يكون في الكون كائنات شرسة تملك أسلحة أشد فتكا من تلك المتوافرة على الأرض، وبالتالي فإن هذه النوعية من الأعمال تكرس لفكرة أن القوة الأميركية ليست لفرض هيمنتها على الآخرين ولكن للدفاع عن الكرة الأرضية.
ويسير الفيلم على منوال سينما غزاة الفضاء ولكن برؤية مختلفة أشبه بالمعارك الحربية، حيث يغزو العالم كائنات غريبة تستولي على أكبر مدن الكرة الأرضية (بوينس آيرس، سيول، باريس، برلين وبكين)، وتبقى مدينة لوس أنجلوس هي الأمل الأخير للبشرية وتقع فيها معركة فاصلة بين الجيش الأميركي والغزاة، وكالعادة وكنوع من التشويق تتبلور الإثارة حول تلك المعركة التي إذا ما خسرها أهل الأرض فإنها ستكون نهاية البشرية.
واعتمد مخرج الفيلم جونثان ليبزمان مع كاتب السيناريو كريستوفر بترتوليني، على حادثة مستوحاة وقعت عام 1942 لهجوم من عدو مفترض على مدينة لوس أنجلوس، اعتبر ذلك لاحقا إنذارا كاذبا وقد أدى إلى قصف مكثف ومتواصل لحوالي الساعة فوق كل أنحاء تلك المدينة، وتم أيضا استخدم بعض الأبحاث والحقائق العلمية والأخبار الموثقة التي نشرت على سنوات متلاحقة لمشاهدة أجسام غريبة تهبط من الفضاء على أماكن مختلفة من العالم، لتعطي للفيلم نكهة الاقتراب من حقيقة قد يتعرض إليها كوكب الأرض في المستقبل.
وينطلق الفيلم من اللقطة الأولى حتى مشهد النهاية في ملحمة سينمائية حربية لا تهدأ لحظة انشغل فيها المخرج وطاقمه بمعارك رهيبة مميتة، تجعلنا نعتقد أن ما نشاهده واقعا مرعبا عندما تتعرض الأرض لهجوم غير معروف المصدر يدمر كل شيء وتعجز القوات الأميركية عن مواجهته في بادئ الأمر، وخلال رحلة لرقيب أول في البحرية مع فصيلته الجديدة وعناصر أخرى تنضم إليه لانتشال مدنيين محتجزين في قسم شرطة، وخلال مواقف تؤجج المشاعر الإنسانية في علاقة أب بابنه وطبيبة بيطرية تحاول علاج الجرحى وفقدان الأصدقاء لبعضهم البعض، تبدأ مواجهة الأعداء القادمين من العالم الخارجي بأشكالهم الغريبة وأجسامهم الفولاذية التي تدمر كل شيء من أجل الاستيلاء على الماء الكنز الحقيقي الذي يميز الأرض عن بقية الكواكب الأخرى، وبقية الأحداث معروفة لأنها تبرز قوة الجندي الأميركي وإرادته الصلبة التي تحول دون خراب الأرض.
يبرع الفيلم ـ وهذه ميزته الفنية الوحيدة ـ في التصوير والمؤثرات لمشاهد المعارك والمواجهات، حيث جسد بواقعية شديدة انقلاب الشاحنات على الطرق السريعة المليئة بالسيارات وتحطيم طائرات الهليكوبتر ورمي كرات النار التي تشوي وتنسف كل شيء، ملحمة من التقنيات عالية المستوى تم علاجها بواسطة الكمبيوتر والتكنولوجيا السينمائية الحديثة من خلال فريق متخصص من أهم صناع المؤثرات المرئية وتصميم المشاهد، ونجح فريق التمثيل في إجادة أداء الشخصيات المرسومة لهم خصوصا آرون ايكهارت (مايكل) وميشيل رودريغيز (الرقيب سانتوس) وبريدجيت مويناهان ومايكل بينا وغيرهم.
ومع التقنيات العالية، تأتي تجربة كاتب السيناريو المتميزة في مزجه بين الخيال والحقيقة من خلال وقائع مقبولة وممكنة في حرب طاحنة، وإشارة إلى أن صراع الماء هو الخط الذي تتوجه إليه حاليا كل القوى، وقد شاهدنا لبترتوليني من قبل هذا التوجه في أعمال سابقة منها (ابنة الجنرال) و(حرب مادسو)، أما المخرج جونثان ليبزمان فقد تعرفنا على إمكانياته في أفلام مثل (غرفة القتل) و(حلول الظلام) وفي فيلمه (معركة لوس أنجلوس) يذهب بنا بعيدا إلى أجواء من المغامرة والإثارة المصحوبة بعالم المخلوقات الفضائية.
وفي النهاية يمكن القول إن الملاحظ على نوعية أفلام الغزو الفضائي، عدم استطاعة البشر الوقوف ولو لدقائق معدودة في وجه الغزاة، كما أن الحلول دائما تأتى بالصدفة أو بطرق غير منطقية مثلما حدث في (معركة لوس أنجلوس) عند اكتشاف نقطة الضعف التي من خلالها تم القضاء عليهم، وهي طريقة تلجأ إليها هوليوود حتى يبقى الأمل ولا تنتهي الأرض بطريقة مأساوية لا ترضي غرور البشر أمام كائنات جاءت تسلبهم حياتهم وثرواتهم التي تميزهم وسط هذا الكون.
