انتهى المخرج التونسي محمد الزرن من اعداد تصور كامل لما سيكون عليه فيلمه المرتقب عن أحداث الثورة في بلاده ، وقالل«الحواس الخمس » انه قضى اسبوعا في سيدي بوزيد و ساعات طويلة مع أسرة محمد البوعزيزي الشاب الذي اشعل النار في جسده في 17 ديسمبر 2010 ليطلق بذلك شرارة الثورة التي اطاحت بنظامزين العابدين بن علي يوم 14 يناير .2011
و اشار الزرن الى انه التقط بكاميرا سينمائية صورا من واقع الاحداث في الشارع التونسي قبل و بعد سقوط النظام ، وجمع كل التفاصيل عن حياة البوعزيزي من والدته و من اهله و جيرانه بهدف انجاز اول فيلم روائى يخلد ثورة الياسمين .
الزرن اهتم بالعشوائيات والمهمشين من خلال شريطه السينمائى « السيدة » انتاج 1996 ، عندما قام بتصوير الحياة في حي شعبي فقيرمن أحياء العاصمة تونس اسمه « السيدة » ولعل من غريب الصدف ان المخرج قدم في الفيلم مراهقا يحاول في آخر الأحداث أن ينتحر بالصعود فوق عمود كهرباء ، ذلك المراهق في الفيلم لم يجسد دوره ممثل معررف ،وانما رديف له في الحياة ، اسمه الشاذلي بوزيان ،أخذه محمد الزرن من الشارع و جعل منه نجما لعمل واحد ، قبل ان ينتهي قتيلا تحت عجلات حافلة مكتظة بشركائه في المعاناة.
سينما حائرة
يمكن القول ان البداية الحقيقية للسينما التونسية كانت في العام 1966 عندما قدم المخرج عمار الخليفي شريطه الطويل الاول « الفجر »و أردفه العام 1968بفيلم « المتمرد » رغم أن اول تجربة سينمائية تونسية كانت العام 1922بفيلم « زهرة » للمخرج التونسي اليهودي البير شمامة شكلي الذي قدم بعد عامين من فيلمه الاول فيلما ثانيا عنوانه « عين الغزال »، وفي اواخر عقد الستينيات من القرن العشرين ظهرت افلام تونسية اخرى منها « خليفة الاقرع »للصادق بن عائشة ، و « وتحت مطر الخريف » لاحمد الخشين ، و « ام عباس » لعلي عبد الوهاب ومن بطولة و انتاج الممثلة الراحلة الزهرة الفائزة
في سبعينات القرن الماضي ، واصل المخرج عمار الخليفي العمل على تقديم افلام ذات مضامين تاريخية ، منها « الفلّاقة » في العام 1971 و عنوان الفيلم يعني المقاومين المسلحين العشوائيين الذي صعدوا الى الجبال وتمترسوا وراءها لمحاربة الاستعمار ،وتم استغلالهم بعد ذلك من قبل رموز المقاومة السياسية و في مقدمتهم الزعيم الحبيب بورقيبة.
وفي العام الموالي اخرج عمار الخليفي فيلمه الرابع « صراخ » في ذات الاتجاه ، في حين قدم عبد اللطيف بن عمار برؤية فنية اعمق فيلمه الطويل الاول « سجنان » وفي العام 1975 انجز ناصر القطاري شريط « السفراء » اول فيلم تونسي ليبي مشترك تناول قضية الهجرة نحو الضفة الشمالية للبحر الابيض المتوسط ، كما افرزت تلك المرحلة افلاما اخرى ذات مواضيع حارقة منها « و غدا » لابراهيم باباي ، و«اطفال القلق » لرشيد فرشيو و« شمس الضباع » لرضا الباهي و« فاطمة 75 » لسلمى بكار، وغير ذلك من أفلام أكدت النقلة النوعية للسينما التونسية . ومن يتابع مسيرة السينما التونسية في تلك المرحلة لابد ان يقف عن حالة القلق التي كانت تميزها ، فهي بدون رؤية واضحة تشكل لها رابطا فنيا و فكريا واحدا ،وهي في كل الحالات تجارب فردية لتقنيين قادمين من العمل وراء مخرجين غربيين او من التلفزيون و ربما من المسرح كما حدث مع الفاضل الجعايبي و الفاضل الجزيري الذين سبق لها تقديم فيلم مشترك بعنوان« العرس » و تحت امضاء فرقة المسرح الجديد
انفصال عن الواقع
منذ النصف الثاني من ثمانينيات القرت العشرين، اتجهت السينما التونسية لمخاطبة المنتج الغربي و خاصة الفرنسي ، وذلك بالتركيز على انتقاد العادات و التقاليد العربية الاسلامية و تقديم المخرجين انفسهم على انهم حلفاء للغرب و دعاة اتجاوز ما يرونها رموزا للتخلف الحضاري ، حيث ظهرت افلام مثيرة للجدل ، اخرجها نوري بوزيد و فريد بوغدير و سلمى بكار و مفيدة التلاتلي و كلثوم برناز، و غيرهم ممن نجحوا في تسويق افلامهم برؤى جمالية واضحة .
وكان واضحا ان المخرجين التونسيين مثلهم مثل جميع رموز النخب المثقفة في البلاد لم ينتظروا ان يأتي التغيير من المناطق الداخلية التي طالما تجاهلتها كاميراهات السينما ، كما كان واضحا ان هناك اتجاها لتهميش الداخل و ربما لالغائه ، كما ان التاريخ الحقيقي للتونسيين كان مقصى ، واذا ظهر فبما تشاء رغبة المنتج و قناعاته ،او لخدمة هدف سياسي معيّن مثلما فعل المخرج عبد اللطيف بن عمار في شريطه « النخيل الجريح » .
