في بناء شديد الإتقان أنجزه كاتبا السيناريو مات باجيلو ومايكل بتروني وبأداء مذهل كالعادة للنجم أنتوني هوبكنز، أدهشنا فيلم (طقوس ـ The Rite) الذي يعرض حاليا في صالات السينما المحلية، وبقدر ما أرعبنا مخرجه السويدي ميكائيل هافستروم من أطروحاته ومضامينه رحل بنا إلي فضاءات العلم والدين للبحث عن الغيبيات، وكيف تسكن الأرواح الشريرة الجسد البشري، وفي تشويق وإثارة خلال 114 دقيقة هي مدة عرضه على الشاشة، أفزعنا وهو يطارد ويحارب تلك القوى الشيطانية ويخوض معها طقوسا وصراعا مريرا لانتزاعها، مقدما درسا مهما لحقيقة الإيمان ومقدرته على حماية الإنسان من عوالم مخيفة.

 

أحداث الفيلم مأخوذة عن قصة حقيقية ومستوحى من كتاب بعنوان (الطقوس: صنع التعويذة الحديثة)، يتناول حكاية الشاب (مايكل كوفريك) ويجسد الشخصية كولين أودونوغ الذي يؤكد التزامه التام للكنيسة والكهنوت، ومن اجل أبيه الذي علمه مهنة تكفين أجساد الموتى وتجهيزهم للدفن في التراب، يقرر الذهاب في رحلة إلى روما ، حيث مقر الفاتيكان ويلتحق هناك بإحدى المدارس المتخصصة في طرد الأرواح الشريرة.

يلتقي مايكل مع الأب لوكاس أنتوني هوبكنز وأيضا صحافية شابة جولي قامت بدورها أليس براغا التي انخرطت في تلك المدرسة بحثا عن موضوع صحافي متميز تقدم خلاله الكثير من الحقائق التي تكشف عوالم وأسرار ذلك الغموض الذي يحيط بعالم الأرواح الشريرة، خصوصا عندما تفصح بعد ذلك عن تعرض أخيها الصغير لتلك القوى الشيطانية واستسلامه لها حتى تنهي حياته.

يحاول الأب لوكاس جاهدا إقناع مايكل بوجود الشيطان في تلك الأرواح الشريرة التي تحاول السيطرة على الجسد البشري وتدميره للوصول به إلي جهنم، مستعينا بكل الإشارات والأحداث التي يمر بها شخصيا وتدرسها تلك المدرسة المتخصصة في علوم الأرواح والكهنوت، حيث نتعرف على حكاية مارتا الإيطالية ذات الـ16 ربيعا والتي تعرضت إلى اغتصاب من قبل أبيها وأثمر ذلك جنينا، كان الوسيلة التي دخلت من خلالها الأرواح الشريرة إلى جسدها، وجعلتها في حالة متخشبة رافضة الحياة تقوم بين الحين والآخر باستفراغ مسامير كبيرة الحجم من فمها، كما نتعرف على طفل آخر تقوم الأرواح الشريرة بمحادثته وعقابه وهو نائم تاركة على أنحاء متفرقة من جسده علامات توضح شدة ما تعرض له، وتدريجيا يسقط الأب لوكاس في لحظة ضعف تحت سيطرة تلك القوى، ويجد مايكل نفسه في مواجهتها بما يملكه من إيمان مزعزع ومشكوك في حقيقة وجودها، حيث يعتقد أن الأمر لا يعدو عن كونه مرضا نفسيا لا أكثر يؤدي بالمريض إلى حالة انفصام وتعذيب للنفس.

فيلم غير تقليدي لمخرج متميز ونجم أكثر من رائع أراد أن يقول للعالم، انه قادر على أداء وتقمص مثل تلك الشخصيات الصعبة، ولنا أن نتصور أنتوني هوبكنز 73 عاما وهو ينتقل بين الحالات الدرامية ببراعة وأيضا الجسدية بمقدرة فنية عالية في ذلك الفيلم الذي يحبس أنفاسنا بحثا حول الرموز والدلالات المشبعة بالغموض، ورحلة شديدة الحساسية تجعلنا نتساءل عن المساحة المسموح بها في جميع الأديان لمناقشة مثل هذا الموضوع القابل للجدل، فأي الأرواح الخالدة وأي الأرواح تصعد إلى السماء، وهل تبقى الأرواح على الأرض وان بقيت ماذا تعمل وكيف تعمل ومن يحركها ومن يسيطر عليها؟.

فيلم (طقوس) يدعونا إلى تفجير الأسئلة، فنحن أمام شخصية مايكل الشاب الباحث عن أدق التفاصيل، رغم إيمانه بمعتقداته الدينية إلا انه يظل يسأل ويبحث بينما يحاول أن يختصر له لوكاس الكهل الطريق ويدله إلى النتيجة بأنه لا بد من ترسيخ الإيمان أولا حتى وإن كان ما حوله يدعوه إلي الإلحاد والشك.

فإلى أين يصل ذلك الشاب ومعه تلك الصحافية في بحثها؟، ومن ثم تتوالى الأسئلة، لماذا تلك المدرسة وهذه التعاليم؟، ولماذا روح التشكيك عبر مشاهد مفزعة تجعلنا نتلفت حولنا في ظلمة صالة العرض، وتدفعنا إلي مزيد من الرعب عند عودتنا إلي منازلنا وحجراتنا المظلمة؟!.

لا ينتهي الفيلم بالاستسلام إلى حقائق مؤكدة بل يغوص في تعاليم دينية وأيضا أمور لا منطقية تحتاج أن نعيد النظر في كل ما يحيط بنا، لكن يظل في الذاكرة تلك المشاهد المتأججة فكرا وفنا في لقطات كتبت بعناية ونفذت باحتراف تفوق فيها أنتوني هوبكنز على أداء الشاب كولين أودونوغ الذي كان يحتاج إلى قوة أكبر ومجهود أكثر خلال مواجهة عملاق مثل هوبكنز.

(طقوس) فيلم من نوعية خاصة تستحق المشاهدة ، وهو تجربة ممتعة في سراديب مشكلة دينية شائكة، تفتح الطريق أمام أعمال أخرى في هذا المجال الذي لن ينتهي البحث فيه أبدا إلي يوم القيامة.

فيلموغرافيا

 

ــ الفيلم: طقوس

ــ سيناريو: مات باجيلو ومايكل بتروني

ــ إخراج: ميكائيل هافستروم

ــ الأستوديو: نيو لايف السينمائي

ــ مدته: 114 دقيقة

ــ تصنيفه: دراما رعب وإثارة

ــ الإيرادات: أكثر من 32 مليون دولار حتى الآن

كولين أودونوغ

 

ممثل أيرلندي قدم من قبل أدوار صغيرة في أفلام مثل (ديسمبر المتوحش) و(العيادة)، ويعتبر فيلم (طقوس) هو أول بطولة له في إنتاج أميركي ضخم، ويعد من الوجوه الجديدة المبشرة في سينما هوليوود.

 

أليس براغا

 

برازيلية الأصل من مواليد 15 أبريل 1983 في مدينة ساو باولو، بدأت مشوارها الفني في فيلم «في مدينة الله» عام 2002، نقطة التحول في حياتها المهنية عندما لعبت فيلم (أنا أسطورة) أمام النجم ويل سميث.

 

أنتوني هوبكنز

 

ممثل بريطاني من ويلز حامل رتبة (فارس) من مواليد 31 ديسمبر 1937، يعتبر أحد أعظم الممثلين السينمائيين اشتهر بدور القاتل المتسلسل هانيبال ليكتر في فيلم (صمت الحملان) عام 1991، والذي أتبعه بفيلم (هانيبال) ثم فيلم (التنين الأحمر)، من أفلامه المهمة (الرجل الفيل)، ( دراكولا)، (أساطير الخريف)، (بقايا اليوم)، (قابل جو بلاك) و (قناع زورو).

حصل على نجمة في ممشى المشاهير في هوليوود عام 2003 وعلى زمالة الأكاديمية البريطانية لفنون السينما والتلفزيون في عام 2008، كما حصد جائزة الأوسكار لأفضل ممثل عن (صمت الحملان)، ورشح لجائزة الأوسكار لفيلم (بقايا اليوم) 1993 و(نيكسون) 1995 و(أميستاد) 1997 وأفضل ممثل مساعد لفيلم (الأسد في الشتاء)، وفاز بـجائزة بافتا لأفضل ممثل عام 1973 عن أدائه دور بيير بيزوهوف في مسلسل (الحرب والسلام) الذي أنتجته البي بي سي.

اشتهر عن هوبكنز تحضيره الجيد لأدواره، وبرع وتميز دائما بأداء أفلام الرعب التي تحقق صدى ونجاحا نقديا وجماهيريا واسعا، وهى التي افتتحها بفيلم مغمور نسبيا هو (سحر)، برزت فيه إمكانياته الهائلة لأداء الشخصيات المخيفة.

وبسؤاله حول فيلم (طقوس) خلال حواره مع إحدى المجلات العالمية وكيف حقق نجاحا كبيرا في تخويف الجمهور، أجاب بابتسامة كبيرة: أستطيع الاستحواذ على الناس، وأعرف جيدا كيف أقوم بهذه الأدوار، وهذا ليس لأني مخيف، ولكن لأني أعرف كيف أخيف الناس وأوتر أعصابهم، وأعتقد أنها هبة، وبالطبع يساعدني في هذا حينما أعمل سيناريو قوى ومخرج متمكن مثلما هو الحال في فيلم (طقوس).