أثار القرار الذي اتخذه الإعلامي المصري محمود سعد بترك التلفزيون المصري جدلاً واسعاً في الأوساط الإعلامية العربية وحلقات الحوار في المنتديات المنتشرة على شبكة الانترنت حول الدوافع الحقيقية لهذا القرار، فبينما برر سعد قراره بضيقه من التعليمات والتكليفات وأشكال الرقابة المفروضة عليه من مسؤولي التلفزيون الحكومي ورغبته في مزيد من الحرية التي تتسق مع فكر الثورة الجديدة، برزت على السطح آراء معارضة لموقفه تتهمه إياه بادعاء البطولة، وربطت هذه الآراء المعارضة بين قراره وبين تخفيض التلفزيون أجره من 9 ملايين إلى نحو مليون ونصف المليون جنيه في العام.. تفاصيل أكثر حول سعد والجدل المثار حوله تضمها السطور التالية:
قبل أيام فاجأ محمود سعد مشاهدي التلفزيون المصري بترك برنامج «مصر النهارده» الذي كان سعد مقدمه في ذلك اليوم، وأفاد سعد في تصريحاته لوسائل الإعلام أنه بعد أن أعد برنامجه وكان من ضيوفه د. أسامة الغزالي حرب وآخرين، فوجئ بالقائمين على البرنامج يخبرونه بأن حلقة اليوم مخصصة بالكامل لرئيس الوزراء المصري أحمد شفيق، ولذلك رفض سعد الظهور انطلاقاً - كما يقول - من رفضه لأي إملاءات، وأكد احترامه للرجل وإنجازاته التي حققها خلال توليه وزارة الطيران، لكنه يرفضه كرئيس لوزراء مصر.
وإذا نظرنا إلى مسيرة محمود سعد 57 عاماً الإعلامية نجدها مملوءة بالمواقف والإنجازات الشخصية والإعلامية، إذ يعد من الإعلاميين البارزين في مصر ويصنف في خانة المشاهير، حيث بدأ مشواره الصحافي محرراً في القسم الفني بمجلة «روز اليوسف» عام 1978 ثم مديراً لمكتب جريدة «الوطن» الكويتية عام 1984، وبعدها مديراً لمكتب مجلة «سيدتي» السعودية بالقاهرة ثم رئيساً لتحرير مجلة «الكواكب» في الفترة من 2001 حتى 2006، وحالياً مديراً لمكتب مجلة «لها» في القاهرة، وكان قد حصل على جائزة علي ومصطفى أمين الصحافية، ومن أوائل البرامج المرئية التي قدمها سعد كان برنامج «على ورق» على قناة دريم والذي قدم فيه 70 حلقة ثم انتقل إلى قناة MBC والتلفزيون المصري.
مثير للجدل
ويجد سعد الاحترام من الكثيرين والمهتمين.. ولكن هناك البعض لهم موقف مخالف لرأيه، بل اتهموا سعد في موقفه من عدم الظهور في برنامج «مصر النهارده» بمحاولة ركوب الموجة والتحول إلى صف الثورة، رغم أن الأكثرية وصفوا موقفه بالشجاع ويتسق مع فكر الثوار الذين أكدوا أن تحرير الإعلام من قبضة النظام ومنحه الحرية الكاملة يعد من أولويات مطالبهم التي خرجوا بها إلى الشارع.
وبين هذا الرأي وذاك آراء كثيرة أثيرت في المنتديات والصحف والمواقع حول شخصية محمود سعد المثيرة للجدل.. آراؤه، مواقفه، راتبه وغيرها.. مما يطرحه الشارع كل يوم والتي أبدى فيها الكثيرون آراءهم حولها، ولكن رغم كل هذه الآراء سواء كانت سلبية أو إيجابية في حقه، لابد أن نؤكد أن سعد يتمتع بكاريزما نادرة وجماهيرية عالية، ومعروف للمقربين منه بأنه في غاية البساطة والتواضع، ملتزم تماماً في حياته الاجتماعية والعملية وليس له علاقة بالشلليات أو التنظيمات إذا كانت سياسية أو اجتماعية.
موقفه من الثورة
كثيرون تحدثوا عن موقف سعد من ثورة 25 يناير؛ منهم من اعتبر أن توقفه خلال الفترة الأولى من الثورة كان إيجابياً لتأكده من أن التلفزيون المصري لن يتيح له عبر برنامج «مصر النهارده» الفرصة لمساندة الثورة، بل بالعكس كانوا يريدون منه تبييض وجه النظام من خلال هذا البرنامج قبل التحولات الأخيرة التي أدت إلى تنحي رئيس الجمهورية، ووقتها كانت هناك محاولات جادة باجهاض الثورة عبر الإعلام الحكومي، بينما رأى آخرون أن سعد حاول ركوب الموجة، وأشاروا إلى أنه لم يكن له أي موقف قبل 25 يناير تجاه فساد نظام مبارك، واتهموه -حسب منتديات الشباب في الفيس بوك- بأنه جلس في منزله طوال الأيام الأولى للثورة؛ لأنه كان ينتظر النتيجة ليكون مع الرابح إذا كانت الثورة أو نظام مبارك، وأيضاً هناك كثيرون مِن هاجموه عبر المنتديات على شبكة الإنترنت أو في مجالس القاهرة، رأوا أنه من خلال برامجه بدأ متعالياً على الناس وكأنه يحاسب الجميع ويصدر أحكاماً قاطعة في قضايا مطروحة، أو يطرحها هو من دون الاستماع لوجهات نظر أخرى وكأنه لا يخطئ، وأحدهم شبهه بـ« هاتف العملة» قائلاً «كل دقيقة من برنامجه بفلوس» وذلك انطلاقاً من حجم مرتبه الذي تكلم عنه وزير الإعلام السابق أنس الفقي وقدره بـ7 إلى 9 ملايين جنيه في السنة.
المدافعون عنه
والمؤيدون لموقف الرجل أكدوا أن محمود سعد يعتبر من أشهر المذيعين الذين قدموا خدمات اجتماعية للضعفاء والمرضى وذوي الاحتياجات الخاصة، فضلاً على فتحه للعديد من ملفات الفساد حتى ولو كان بشكل غير مباشر، وأشاروا إلى أن تواضع سعد قد سمح للكثيرين من الفقراء التجمع أمام منزله أو أمام التلفزيون الذي كان يأتي إليه مبكراً قبل موعد إذاعة برنامجه للاستماع لهؤلاء الناس، وأغلبهم قد تم علاجهم على نفقة الدولة أو من خلال الخيرين والمحسنين، وبعضهم قد تلقى معونات، بالإضافة إلى حله لكثير من مشكلات الغلابة الذين لم تعيرهم الدولة أي اهتمام.
وأكد هذا الفريق المدافع عن سعد، أن ما كان يقوم به يتفق تماماً مع رؤية ثوار 25 يناير الذين انتفضوا من أجل هؤلاء المهمشين من الجماهير البسيطة، وكذلك استخدم الهامش الضيق من الحريات في نقد كثير من الممارسات لرموز نظام مبارك وتعرض في كثير من الأحيان لضغوط وآخرها ما حدث بعد الثورة عندما حاولوا فرض رئيس الوزراء السابق أحمد شفيق على برنامج «مصر النهارده» فرفض سعد ذلك. لكن في المقابل، قوبل قرار سعد برفضه استضافة شفيق، بعض الاعتراضات من كثير من المواطنين بينهم الكثيرون من مؤيدي ثورة 25 يناير، واعتبروا أن استضافة رئيس الوزراء رغم الخلاف حوله كان أمراً مهماً وليس هناك مبرراً للرفض، خاصة أن هناك كثيراً من الضبابية حول كثير من الملفات التي يمسك بها الفريق شفيق كان الشعب يحتاج الاستماع إليه فيها، من خلال الضغط عليه بتساؤلات الشارع اليومية مثل التباطؤ في تنفيذ مطالب الشباب وإصرار حكومته على الاستمرار بالوجوه القديمة والإبقاء على رموز الفساد من العهد السابق في كثير من مواقع العمل القيادية والتنفيذية؛ مما يسمح لهم بإخفاء كثير من الوثائق والمعلومات حسب سلطاتهم في المحافظات ودواوين العمل، فيما أكدوا هم أنفسهم إشادتهم احترامهم لرئيس الوزراء المصري؛ لأنه قبل تحمل المسؤولية في هذا التوقيت الصعب.
لم آخذ مالاً حراماً
ويرى سعد من وجهة نظره أنه لم يسرق ولم يأخذ مالاً حراماً، وقال إن العقود التي يوقعها مع المسؤولين عن برامجه يقدمها للضرائب مباشرة، ويرى أنه ليس موظفاً في التلفزيون حتى تتم المقارنة بما يتقاضاه وما يأخذه أي من العاملين فيه، موضحاً أنه يعمل في التلفزيون منذ 5 سنوات.. متسائلاً: لماذا صمت أنس الفقي طوال هذه الفترة، وأشار إلى أنه تلقى عرضاً أكبر في أماكن أخرى، ولكنه بناءً على رغبة التلفزيون المصري فضل العمل به وبعرض أقل بناءً على اتفاق مع الوزير السابق الفقي.
بلاغات ضد سعد وأمين
إلى ذلك استقبل النائب العام بلاغات مقدمة من شخصيات في التلفزيون المصري ضد المذيع محمود سعد بتهمة إهدار المال العام، وبلاغ مقدم من أحد المحامين ضد المذيع تامر أمين بتهمة خيانة ميثاق الشرف ولائحة آداب المهنة. وجاء في البلاغ الأول ان سعد قد تسبب في خسائر مادية للتلفزيون المصري ما يجعله متهماً بإهدار المال العام، وذلك استناداً إلى اعتذار سعد للظهور في برنامج مصر النهاردة لأكثر من مرة دون أسباب، وقبل موعد البث المباشر بساعات قليلة، مما اضطر إدارة البرنامج إلى بث حلقات معـادة من البرنامج، رغم التكلفة التي تتحملها الإدارة من أجــور وتجهيـــزات، أما البلاغ الثاني ضد سعد فهو بخصوص الخسائر المادية التي عادت على شركة صوت القاهرة، والتي تتولى إنتاج وتسويق البرنامج، بسبب تأجيل بث الإعلانات التي تم التعاقد عليها بشكل يومي، وتعويضها في أيام أخرى بموجب العقود مع المعلنين.
القاهرة ـــ دار الإعلام العربية
الجدل الأكبر
الجدل الأكبر كان حول راتب سعد، فحتى وقت قريب كان كل ما تردد عن راتبه مجرد اجتهاد أو عبر مصادر غير موثوقة، حتى جاءت مداخلة وزير الإعلام السابق أنس الفقي في إحدى الحلقات التي استضاف فيها سعد، عبداللطيف المناوي رئيس قطاع الأخبار بالتلفزيون المصري، والتي حدثت فيها المشادة الكلامية العنيفة بين الطرفين، وذلك عندما قال له أنس الفقي «إنك كنت تتحصل على راتب سنوي بين 7 و9 ملايين جنيه»، فرد عليه سعد ساخراً «لا يا سيادة الوزير 15 مليون جنيه»، فرد عليه الفقي «حتوصلهم قريباً» ولم يكتفِ الفقي بذلك، بل قال في نفس البرنامج ان محمود سعد طلب منه المساعدة في إجراء حوار مع الرئيس مبارك أو نجله جمال مبارك حتى يقرب بينه وبين الشعب المصري، وقال إن هذا الطلب قدمه له سعد أكثر من مرة.. فرد عليه سعد مقاطعاً حديثه «لم يحدث.. ومن هم شهودك. وعيب يا سيادة الوزير».
أجور فلكية
نقلت صحيفة «الأهرام» المصرية أن نيابة الأموال العامة العليا بدأت في فحص أجور المذيعين وكبار الفنانين ببرامج التلفزيون المبالغ فيها لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة. وكشفت التحقيقات المبدئية عن حصول محمود سعد على 11 مليون جنيه وغادة عادل على مليوني جنيه سنوياً، وخيري رمضان على 150 ألفاً راتباً شهرياً، وإيناس الدغيدي على 40 ألفاً في الحلقة الواحدة، فيما سيتم دراسة رواتب يسرا ولميس الحديدي وفاروق جعفر وهبة الأباصيري منذ بداية تعاقداتهم.
