يبدو أن الصورة النمطية التي احتفظت بها الذاكرة الفرنسية في قاعات السينما عن العربي «المتشرد والمتمرد والمهووس» (كما عبر عن ذلك كريم دريدي مدير إنتاج) بدأت تتلاشى مع اندماج العرب في فرنسا ومشاركتهم في عدة أعمال فرنسية كأبطال حقيقيين يجسدون أدوارا كانوا يحلمون بها في زمن غير بعيد.

ولعل مشاركتهم في الإنتاج عبر التمويل الجزئي أو الكلي أسهم في هذه الانتفاضة الكبيرة التي نفضت غبار النظرة النمطية لذلك العربي البائس المتشرد لتحكي له حكاية فجر جديد تترجم أهم الكوامن الذاتية التي سرعان ما تتفجر بعد كل منعرج حاسم على غرار ما حدث في فيلم «وقائع سنين الجمر» من إخراج محمد الأخضر حامينا سنة 1974 الذي كان إعلانا بأن السينما العربية بسواعد أبنائها ليست بمنأى عن الإبداع الفني ليكلل بجائزة السعفة الذهبية في «مهرجان كان السينمائي» عام .1975

 البداية المخزية

البداية السوداوية للإنسان العربي كانت منذ مطلع الثلاثينات التي مثلت المراحل الأولى لتدفُّق المهاجرين وبخاصة العرب إلى فرنسا تزامنا مع الأزمة العالمية الاقتصادية والاجتماعية بين الحربين العالميتين وكراهية الأجانب وصعود اليمين المتطرف لتمتد إلى غاية السبعينات..

كل تلك العوامل كان لها الأثر البالغ في تهميش المهاجرين وبخاصة أولئك الذين يأتون من الضفة الجنوبية من فرنسا، فرسمت تلك المؤشراتُ الصورةَ النمطيةَ للعرب في الذهن الفرنسي لتقفز إلى كاميرا المخرج الفرنسي في مشهد سوداوي بات لا يفارق شاشات العرض كلما تعلَّق الأمر بالعربي، ولعل أشد تلك المشاهد سوداوية فيلم «التوازن» حيث مثل العربي كتاجر مخدرات مستعد للاغتصاب والسرقة أمام خلفية تبعث على الاشمئزاز كالأحياء التي يرتادها المشردون والمومسات.

هذه السوداوية التي لازمت العرب في أكثر من عمل سينمائي خاصة وأنها كانت إبان الفترة الاستعمارية لشمال أفريقيا وخاصة بين فترتي 1930 إلى 1950 فلم يكن بمقدور أي عمل عربي أن يرى النور ليترجم حجم المأساة التي تكابدها الشعوب إلا بإذن السلطات الاستعمارية ووفق المقاس الذي تختاره فلم يكن من الاستعمار إلا أن يمنع كل صوت مثقف يريد أن يعرِّف العالمَ على حجم فظاعة الاستعمار كحزب شمال إفريقيا بتونس وحركة الريف بالمغرب وحركة مصالي الحاج بالجزائر لينبري الاستعمار في رسم المشهد القمئ في صورة المهاجر الذي لا يتقن إلا فن الأكل والشرب والبحث عن الملذات الخاصة.

أما الفترة الممتدة بين 1950 إلى 1970 فقد اتسمت بالصمت الحذر من قبل السينمائيين وانخفضت وتيرة المباشرة في التعاطي السلبي مع العرب لأن مصلحة فرنسا في ذلك الوقت هي حاجتها الكبيرة للمهاجرين أكثر من أي وقت مضى لأنها بدأت تدخل إلى دار العجزة بعد المعارك الكبيرة التي خاضتها إبان الحربين العالميتين ونفاذ شبابها في المستعمرات.

ومع ذلك فلم تخل بعض الأفلام من الإسفاف في التعاطي مع القضايا العربية خصوصا إذا تعلق الأمر باختلاف الأديان والأمر يتعلق بالفيلم الفرنسي المقتبس من رواية «ايتشيري لي كلير» والتي تحكي قصة حب بين فرنسية تدعى اليز وشاب منخرط في جبهة التحرير الوطني محمد شويخ والتي أظهر فيها المخرج التباين الكبير في الأفكار ونمط المعيشة في عرض عنصري بحت يستحيل من خلاله استمرار الحب.

محاولات

في منتصف السبعينات جاء فيلم «بواسيت» ليكسر جدار الصمت ويعيد للإنسان العربي كرامته في مشهد درامي لافت أثار إعجاب النقاد في تلك الفترة وهو ما حاول بعض المخرجين والمؤلفين أن ينحو نحوه إلى بداية الثمانينات التي بدأت في التدهور من جديد من حيث التعاطي أمام تعالي الأصوات المنادية برجوع المهاجرين إلى بلدانهم الأصلية بعد نيل استقلالهم على غرار فيلم «الأخ الأكبر» لفرنسيس جيرود عام 1982.

و«تكاو بانتين» لكلود بيري عام 1983 و«لو غيبو» لكلود زيدي و«شرطة موريس بيالات» عام 1985 و«ريبو ضد ريبو» في مشاهد تجسد العربي على شكل المشرد والانتهازي والسارق حتى قال الكاتب ميشيل كادي: اختيار شخصيات المهاجر ليست بريئة عندما يتعلق الأمر بالسلبيات وهذا ما أكده الروائي سعيد طغماوي عندما قال: عندما كنت صغيرا كنت أرى المهاجرين العرب إما لصوصا أو بائعي مخدرات وهي الصورة التي أكاد أشاهدها في كل دور السينما.

 مشاهد عنصرية

وهناك بعض الأفلام ركزت على العرب والمهاجرين في مشاهد عنصرية لا تخفى على أحد مثل «اليس أو الحياة الحقيقية» عام 1969 لميشيل دراش بطولة ماري جوزي نات ومحمد شويخ، و«ديبون لاجوا» لليفيس بواسي عام 1974 بطولة جون كارمت وايزابيل هيبارت، و«العين على الزبدة السوداء» عام 1987 لسيرج مينارد بطولة باسكال ليجيتيميس وجولي جيزيكيل.

وأخرى لم تبتعد عن النمط السلبي في تصوير المهاجرين المنطويين على أنفسهم على غرار «الغربة» للمخرجة أنى تريغو و«خوف على المدينة» للممثل جون بول بلومندو والتي كانت أقل حدة من ذلك الفيلم التي تجلت فيها العنصرية في أبهى مظاهرها في فيلم «دوبون السعيد» فالبطل هنا تاجر لا يتقبل على الإطلاق وجود مساكن مؤقتة للمهاجرين العرب بالقرب من الشاطئ الذي يقضي فيه عطلته الصيفية مع عائلته، وبسبب حقده على جيرانه المهاجرين يفقد البطل أعصابه ويرتكب جريمة قتل بشعة، لكنه يلصق التهمة بأحد المهاجرين العرب.

ويأتي فيلم «فصل من الحياة» ليكون فصلا جديدا من النظرة الدونية للعرب عندما تناول فيه المخرج فرانسوا لو تيري شخصية العرب كأداة هدم للمجتمع الفرنسي والمسؤولة عن العديد من المشاكل الاجتماعية التي تحول دون استقرار البلاد على حد زعمهم وهي الفترة التي كانت بداية لتنامي الحزب اليميني المتطرف.

ومن الملامح الجيدة التي عالجها صادق نعيمي في كتابه «الهوية والتداخل الثقافي.. صورة العرب في السينما الفرنسية» يتمثل في وقوفه أمام المشكل اللغوي اللهجي؛ حيث حاول ناجحًا أن يحلل الاستعمال اللغوي في لغة الفطوحي بما رصده من سمات السوقية VULGAN أو البذاءة bowdy ليعبر من خلالها عن تعميق ملامح التهميش.

وعدم الاندماج الذي عانى منه العربي على ما تصوره الأفلام الفرنسية، وهو الأمر المعروف في اللسانيات الاجتماعية بما هو ناتج عن العيش على هامش الحياة، وعدم التواؤم النفسي والاجتماعي والاقتصادي بما هو اتهام في الأساس للحكومات المركزية النظامية في المجتمعات المنتمية لهذه اللغات السرية أو شبه السرية الذي يتبدل فيها المعجم لتكتسب المفردات دلالات أخرى.

 انحسار النمطية

وفي بداية التسعينات ومع ظهور نخبة عربية من رجالات الساسة والاجتماع والاقتصاد بدأت تنحسر شيئا ما تلك الصورة المخزية في مخيلة المشاهد الفرنسي إذ أصبح تنامي ظاهرة المشاركة الفعلية العربية للسينما عبر الأبطال الحقيقيين مرورا بالكتاب وانتهاء بالمنتجيين الذين أسهموا بشكل واضح في صناعة السينما إما دعما أو مشاركة على غرار «الخارجون عن القانون» للمخرج الجزائري رشيد بوشارب والذي كان من إنتاج مشترك تونسي وبلجيكي جزائري فرنسي حيث أصبح هذا التنامي إشارة واضحة بأن عصر التهميش والإقصاء قد ولَّى.

ولعل علامات الانحسار تجلت في أعمال قدمت العربي على أنه الإنسان الذي يمكنه الاندماج بسهولة كالفيلم الذي أخرجه رشيد بوشارب عام 1997 «شرف عائلتي» الذي عالج فيه فكرة الاندماج من خلال تقليد فتاة للفتيات الفرنسيات في مقاربة سينمائية أقل نمطية من تلك التي كنا نشاهدها قبل ذلك.

 العربي الإنسان

وخلال هذه الفترة أصبح الجمهور الفرنسي للشاشة الكبيرة أكثر تعوداً على وجه العربي الإنسان، من خلال ممثلين بارزين من أصول عربية مثل اسماعين (إسماعيل)، ورشدي زم الذي ظهر في أفلام ناجحة مثل «شركتي الصغيرة» من إخراج بيير جوليفيه، و«ليتل سنغال» لرشيد بوشارب، و«العيش في الجنة»، بالإضافة إلى كثيرين باتوا يتمتعون اليوم بشهرة كبيرة، ومنهم الممثل سامي ناصري، بطل فيلم «تاكسي» الذي حقق نجاحاً شعبياً كبيراً، وسامي بوعجيلة الذي شارك في بطولة فيلم «صمت القصور» للمخرجة التونسية مفيدة التلاتلي والممثلة المتألقة هند صبري.

والنجم المميز جمال دبوز بطل فيلم الخارجون عن القانون. وفي الختام يبدو أن فيلم «العم إبراهيم» للمخرج الفرنسي فرانسوا ديبيرون الذي قام ببطولته عمر الشريف ونال عنه جائزة العلوم والفنون الفرنسية المعروفة بجائزة سيزار عام 2003 يعد النموذج المهم للتعايش بين المسلم وغيره من باقي الملل كاليهود في فرنسا وهي تعد انطلاقة حقيقية للسينما الفرنسية فيما يخص التعايش ومدى تقبل الآخر.

فهذا الفيلم يحكي قصة إبراهيم البقال المسلم الذي يعيش في أحد أحياء الأقليات بفرنسا ويلتقي بالصبي اليهودي مومو الذي يعيش حياة تعيسة وتدور صداقة بين البقال والصبي تتناول مفهوم التسامح بين البشر والأديان بفكر أوربي يحاول أن يكون محايداً. فهذه العوامل التي أسست لمرحلة جديدة من السينما الفرنسية كبروز فئة نخبوية في شتى المجالات بالإضافة إلى الاندماج الثقافي والاجتماعي والسياسي كان له الأثر البالغ في رسم ملامح سينما فرنسية تعيش وتتعايش مع الآخر على شاكلة الجمهورية الفرنسية المنفتحة على الآخر التي يدعو إليها الكثيرون.