لا تتمتّع أغلب أفلام الباليه بالإعجاب الشعبيّ الشاسع، وإن حصلت على بعض القبول، لا يُمكن لأيٍّ منها أن يصل إلى درجة فيلم «بلاك سوان». ومع ترشيحه لخمس جوائز أوسكار هذه السنة، يبرز السؤال المهم حول السرّ الذي يجعل من هذا الفيلم استثناءً يلفت أنظار المتفرّجين من ناحية، ويدفع مصوّتي جوائز الأكاديميّة الأميركيّة لفنون وعلوم الصور المتحرّكة، للتصّويت له.
قد يكون السرّ خلف الكواليس، فالمشاهدون يتساءلون ما إذا كانت البطلة نينا، التي تلعب دورها الممثّلة ناتالي بورتمان، ستتمكن من الحصول على الدور الرئيسيّ في عرض «بلاك سوان» الراقص؟ وإذا تمكّنت من ذلك، فهل ستتمكّن من دفع ضريبة حصولها على ذلك الدور؟ والاستمرار في بذل قُصارى جهدها للاحتفاظ بالدور، وتقديم أفضل العروض لتتغلّب على كلّ مُنافساتها؟ وهل ستتمكّن تلك المرأة من التغلّب على مخاوفها، والرُّعب الذي تُحيط نفسها به، الناتج عن عدم قدرتها على التحكّم بفهمها للأمور حولها.
في قراءات الفيلم، يتحدّث النقّاد عن مشاكل نفسيّة تُعاني منها نينا ناتجة عن علاقتها المضّطربة بذكرى والدتها، وخيالاتها الفصاميّة، فضلاً عن طموحها غير المحدود بأطُرٍ عقلانيّة. وعقد هذه الشخصيّة غير المتّزنة تناغمت بأناقة مع النوتة الموسيقيّة لمقطوعة تشايكوفسكي بحيرة البجع، التي استقى منها كلينت مانسيل، المؤّلف الموسيقيّ للفيلم، مادّةً مميّزة زاد من تخصيصها باستخدام الأوتار المنخفضة التي قدّمت لأكثر الرقصات المزدوجة للباليه شهرةً، وأسهمت في خلق أفقٍ جديد للتشويق على الصعيد النفسي.
من أكثر الأفكار التي زادت من قوّة موقف الفيلم، هو معالجته الحديثة لجنس الأفلام التي تُعطي البطولة المطلقة فيها لشخصيّة امرأة. وتتمثّل هذه الأفكار في إظهار علاقات الحبّ التي تخوضها نينا وكانّها مقموعة وغير شرعيّة، وفي الوقت نفسه، اللعب على نجاحات البطلة في الفيلم عبر وضعها في إطار الانتصارات غير الطبيعيّة، والتي ستعاقب عليها في وقتٍ آخر.
يرى بعض النقّاد، ومن بينهم جانين باسينجر، أن الفيلم يُقدّم صورةً جزئيّة للهيكل الداخلي لفنّ الباليه. ويشذ عن الطبيعة لينتقد الفكرة الهروبيّة العتيقة التي تقول إنّ: «كلّ ما فيه الباليه جميل». ويزيد الفيلم بالحديث الصريح عن أنّ الباليه، كممارسة، يُمكن أن يكون قاسياٍ وغير عادل، وهذه هي الحقيقة التي رفضت الأعمال السابقة طرحها، وهي بدورها أعطت لهذا الفيلم استثنائيّته المُميِّزة.
وللحقيقة، ظهر في العديد من الأفلام التي لعبت دور البطولة بها النساء في القرن العشرين، الكثير من النواحي المتوازية مع كلاسيكيّات الباليه التي ظهرت في القرن التاسع عشر. ففي فيلم «حياة مسروقة» (1946)، الذي لعبت دور البطولة فيه بيتي دايفس، تتمكّن الأخت التوأم، المعروفة بعنجهيّتها ونشاطها، من اختطاف حبيب أختها البسيطة والمُبدعة فنيّاً. وأيضاً في فيلم «حصادٌ عشوائيّ» (1942) الذي لعب دور البطولة فيه رونالد كولمان، يتذكّر البطل فاقد الذاكرة في آخر الفيلم، أنّ زوجته المثاليّة، والمطيعة إلى حدّ الاضجار، هي نفسها الفتاة المُخلصة والمحبوبة بين أصدقائها التي تعرّف إليها وتزوّجها قبل أن يفقد ذاكرته. وكلّ هذه الأفكار موجودة في باليه بحيرة البجع، ومن السهل ملاحظتها في النسخة الكاملة لها.
وفي السياق ذاته، يظهر تفاوت مستوى صورة الأنا بين الخير والشر، السواد والبياض، الخمول والنشاط، للبطلتين أوديت وأوديل في بحيرة البجع. ففي بداية فيلم بلاك سوان تعتقد البطلة بأنّه غير قادرة على لعب دوري البجعة السوداء والبيضاء في الآن ذاته. إلا أنّها في النهاية تُدرك، وهي في غاية القلق أنّ كلّ تلك الشخصيات موجودة بداخلها.
شخصيّات البطلة نينا تظهر لها دائماً في المرآة. واستعراضات الباليه لطالما كانت ذاخرةً بمناظر المرايا لعقود، ولسنا نقصد هنا فقط أعمال شأن فينتانا (1856) أو أفترنون أوف فاون (1853). فالراقصون عادةً ما يقضون أمام المرايا أوقاتاً أطول بكثير من تلك التي يخاطبون فيها الحضور، حيث إنّهم يُشاهدون في المرايا الشخصيّات الكاملة التي يرغبون في أن يتشبّهوا بها في يومٍ من الأيّام، وفي الوقت ذاته يمعنون النظر في أخطائهم وإخفاقاتهم التي لا يرونها إلا من خلال الزجاج العاكس.
قد يعتقد المشاهد العاديّ بأن الفيلم ليس إلا نقداً لاذعاً للباليه والحياة التي يعيشها الراقصون، إلا أنّ الفيلم في البداية لم يكن هذا هو القصد وراءه. فالموضوعيّة واضحةٌ، أكثر من أيّ فيلمٍ تلعب دور البطولة فيه امرأة، حيث إنّه يُظهر أنّه بغضّ النظر عن النجاحات التي يُمكن أن تحقّقها المرأة، لن يعوّضها ذلك عن التضحيات التي قدّمتها، على الصعيد الشخصي، لإحراز تلك النجاحات، سواء كانت زوجةً أمّ أمًّا أو حبيبة. وعلى الرغم من أنّ نينا تعيش في مجتمعٍ يتساوى فيه الرجل بالمرأة، بل يكون فيه للمرأة حقوق أكثر، إلا أنّ الباليه يتعرّى ليظهر بأنّه الفنّ غير الطبيعيّ، والذي لا بدّ للمرأة التي تُمارسه أن تتخلّى عن جوانب كثيرة من أنوثتها.
وعلى الرغم من هذه النواحي السلبيّة، إلا أنّنا لا ننفي الإيجابيّات العميقة التي يُضفيها رقص الباليه، كالطاقة والاستجابة للموسيقى، والعمل الجماعيّ، والفهم المثاليّ للأحداث. إلا أنّ «بلاك سوان» يُخالف ذلك بتقديم باليه بغيضة ولا يُمكن مقاومتها في الوقت ذاته. فالأحداث المثيرة فيها تخطف الانتباه، إلا أنّ النظرة الكابوسيّة التي واجه بها الفيلم الباليه والمرأة، لا تحفّز المشاهد على رؤية الفيلم مرّةً ثانية. فدور البطلة نينا ليس بتلك العظمة، فهي الضحيّة دائماً، سلبيّة وعاجزة، وعلى الرغم من أنّها تحقّق النصر، إلا أنّ الإرادة التي دفعتها على ذلك النصر غائبة تماماً، ويظهر بدلاً عنها الاضطراب العقلي، والتضحية بكلّ ما تملك المرأة، ما يضع الفيلم على قائمة اختيارات كارهي النساء.
