اجتاحت الدراما المصرية خلال السنوات الخمس الفائتة ظواهر كثيرة أثَّرت بشكل سلبي في مردودها لدى الجمهور العربي، فمع دخول بعض المنتجين من أصحاب البيزنس لمجال الدراما، مدعومين بسيطرة المعلنين على توجهات العمل الفني تحولت الدراما المصرية إلى سوق تشترى فيه النجوم بأعلى سعر وتغيب عنها رموز وقيم فنية كثيرة، بل ازداد الأمر سوءا باندثار نماذج درامية مثل الدراما التاريخية والدينية، .
وهو الأمر الذي التفت إليه كتاب الدراما في مصر، الذين أطلقوا صرختهم الأخيرة في محاولة لإنقاذ دراما بلادهم من السقوط، متهمين في الوقت ذاته الإعلان ورأس المال بالوقوف وراء هذه المأساة التراجيدية التي تشهدها الدراما المصرية، كما تحدثوا عن أسباب أخرى وطرحوا حلولا غير تقليدية عبر السطور التالية.
بداية يؤكد المؤلف أبو العلا السلاموني أن الكلمة هي أساس النص والتاريخ الأدبي والفني يؤكد ذلك، فمن الكلمة بدأت الدراما بأنواعها؛ المسرحية والإذاعية والسينمائية والتليفزيونية، ويضيف: إذا كانت الكلمة قد تقلص وجودها في المسرح الحديث لصالح الحركة والمسرح التجريبي، وتقلص وجودها في الإذاعة لصالح الموسيقى والمؤثرات الصوتية، وتقلص وجودها في السينما لصالح الصورة والمؤثرات البصرية؛ فإنها مازالت تحتفظ بنفوذها وتأثيرها في الدراما التليفزيونية، ومن هنا جاءت خطورة القضية، مشيراً إلى أننا لانزال نتذكر أن الدراما التليفزيونية استطاعت منذ نشأة التليفزيون المصري أن تستحوذ على عقل ووجدان المشاهد من كل الطبقات، حيث كانت الغذاء الثقافي الوحيد على جميع المستويات.
أضاف أن الدراما التليفزيونية على مدار تاريخها قامت بالدور الذي نفتقده في مؤسساتنا التعليمية والتربوية والإعلامية والثقافية؛ بعدما تخلت هذه المؤسسات عن دورها، بالإضافة إلى أن هناك بعض المسلسلات التي عالجت الكثير من مشكلاتنا بجرأة شديدة وكذلك المسلسلات الوطنية والتاريخية التي تثير الحماس والانتماء والحمية الوطنية..
مأزق الدراما
ومع ذلك، يشير السلاموني أن الدراما الآن أصبحت في مأزق لا تحسد عليه؛ لأن التليفزيون، على حسب قوله، تخلى عن دوره في الدراما كجهاز إعلامي يقوم بمهمته التربوية والتثقيفية لصالح دوره الاستثماري وشتان ما بين الدورين، فالإعلام دوره أن يخدم أهداف المجتمع للإرشاد والتوجيه والتثقيف وثقافة الحوار وحرية التعبير، أما الإعلان فدوره هو البحث عن العائد المادي واللهاث وراء العدد الهائل من المسلسلات التي تنتجها شركات وجهات إنتاجية عديدة لا يعنيها العائد الثقافي بقدر ما يعنيها العائد المادي من شركات الإعلان، بالإضافة إلى أن التلفزيون خرج بعد انقشاع غبار المعركة بخسائر وديون فادحة، وترتب على ذلك أيضاً أن المنتج لم يعد يبحث عن الكلمة والنص، بل أصبح يبحث عن الإعلان والقناة الفضائية التي توفر له الإعلان، والإعلان لا يرضى سوى بالنجم، والنجم لا يرضى إلا بالنص الذي تم تفصيله على مقاسه بغض النظر عن قيمته.
سلبيات بالجملة
ورصد المؤلف الكبير عددا من السلبيات التي سيطرت على الدراما خلال السنوات الأخيرة، ومنها: اعتماد الدراما إرادة النجم بعد أن كانت هي صانعة النجوم، البحث عن السير الذاتية التي تناسب شخصية النجم أو النجمة بغض النظر عن قيمة صاحب السيرة، الاعتماد على الميلو دراما وأحداث العنف والخشونة ومواقف الفجيعة والإثارة الفجة والعادات البالية والثقافة المتدنية والألفاظ السوقية بهدف مغازلة المشاهد.
ومن السلبيات الأخرى، كما يرصدها المؤلف المصري، تفشي ظاهرة خطف الموضوعات والشخصيات، خصوصاً في السير الذاتية دون اعتبار لعلاقات الزمالة وميثاق شرف المهنة، انتشار ظاهرة تحويل الأفلام والموضوعات القديمة إلى مسلسلات اعتماداً على شهرتها وليس لقيمتها، الهروب من إنتاج المسلسلات الوطنية والتاريخية خشية تكلفتها وضآلة عائدها، تفشى ظاهرة المط والتطويل وبطء الإيقاع، بالإضافة إلى اختفاء دراما السهرات والسباعيات والنصف شهرية التي لم تعد ترضي غرور النجوم ولا تحقق العائد المجزي.
تيارات وافدة
إزاء ذلك، طالب السلاموني بعودة كتّاب الدراما إلى كتابة الموضوعات التي يمليها عليهم ضميرهم الثقافي والوطني دون الضغوط من الثلاثي الذي يكبل أفكارهم وهم «المنتج الخاص، الإعلان، والنجم»، بالإضافة إلى قيام التلفزيون بإنتاج الأعمال ذات القيمة كالأعمال التاريخية والحربية، وكذلك الأعمال الوطنية ذات القضايا الاجتماعية والسياسية.
ومن الأهمية، كما يرى السلامونى، أن تأخذ الدراما مكانتها طوال شهور السنة وليس في شهر رمضان فقط كما كان شأنها في السنوات الماضية، وأن تعود دراما السهرات والسبعيات والسهرات النصف شهرية والأفلام التلفزيونية، وأيضا أن يخضع الإعلان للدراما صاغرا محترما وظيفته ليقف في مكانه الطبيعي، إما قبل المسلسل أو في أعقابه كما كان الحال سابقاً. وأعرب السلامونى عن ثقته في إمكانية أن تستعيد الدراما مكانتها في مواجهة تيارات أخرى وافدة مثل الدراما التركية والإيرانية.
نظام المنتج المنفذ
في حين يعتقد الكاتب السيد الغضبان أن سر اختفاء النص الجيد يرجع إلى ما يسمى بـ«نظام المنتج المنفذ» والذي كان النافذة التي فتحت لجميع المسؤولين في الإعلام باتحاد الإذاعة والتلفزيون باباً واسعاً؛ لإنشاء شركات للإنتاج بأسماء أبنائهم وأسماء أقاربهم، وقد بدأت هذه الشركات بالحصول على عقود من اتحاد الإذاعة والتليفزيون بالملايين، مؤكداً أن هناك ازدواجية سمحت لرئيس اتحاد الإذاعة والتلفزيون بأن يكون رئيسا لمدينة الإنتاج الإعلامي وكأنه يتفاوض مع نفسه؛ لكي يأخذ ميزانية المسلسل، وهذا الكلام من الناحية القانونية غير صحيح؛ لأن الجهتين متنافستان، الجهة الممولة هي اتحاد الإذاعة والتليفزيون والجهة المستفيدة هي مدينة الإنتاج الإعلامي.
وفي النهاية يشير إلى أن المرض معروف والكل يعرف طريقة علاجه، لكن المشكلة ليست في المرض أو العلاج بل المشكلة، على حسب تعبيره، في الإرادة التي تتخذ القرار؛ لأنه ليس هناك إرادة لدى التلفزيون المصري واتحاد الإذاعة والتلفزيون، حتى تنقذ الدراما مما أصبحت فيه، وللأسف فقد أصبح إتحاد الإذاعة والتليفزيون مدينا بنحو 4 مليارات جنيه، ولهذا يجب أن ننتبه إلى سيطرة الإعلان على الإعلام؛ لأن حل هذه المشكلة يكمن في الإرادة السياسية لوزارة الإعلام.
هجوم المسلسلات الأجنبية
بدوره يعتقد الكاتب محمد كامل القليوبي أن الهبوط الذي حدث بالدراما هو نفسه الهبوط بالسينما وقال: منذ سنوات هبطت على الدراما مسلسلات أجنبية مثل الجريء والجميلات وفالكون كرست والتي حملت للمشاهد المصري كمية كبيرة من التفاهة، ومن هنا بدأ المخرجون في تقديم أعمال درامية على شاكلة تلك الأعمال نفسها؛ ما كان له أثره في تقديم أعمال دون المستوى، مضيفاً أن المخرج المتميز في الوقت الحالي أصبح هو من يقدم أطول زمن للمسلسل من دون اعتبار للفن وللأفكار.
الحل عند الشعب
وفي مداخلة من الفنان سناء شافع، أكد أننا أمام نتاج طبيعي في كل الأمور الموجودة بالدولة التي فيها أكثر من 16 مليونا تحت خط الفقر، ما يعنى أن الحل عند أصحاب المصلحة وهم الفقراء وعامة الشعب، والموضوع أننا يجب أن نستعد لفترة التغيير القادمة والتي من خلالها ستسعيد الدراما عافيتها بعد أن تتجاوز فترة انتكاستها لتعود رائدة كما كانت.
وتتدخل في الحديث الكاتبة فتحية العسال، مؤكدة أن الدراما مهمة جداً في توعية شعب بأكمله؛ لأنها تصوغ نفسية الإنسان، فضلا عن أنها تعلم البسطاء أكثر من الكتّاب الذين لا يذهبون إلى المسرح أو السينما، ولكن يجلسون أمام التلفاز، وتشير إلى أن الشعب المصري شعب حكَّاء يحب الحكاية والمسلسلات، ولذلك فإن الدولة مسئولة عن بث دراما موضوعية لحقيقة الشارع المصرى، ولهذا تعتقد العسال أن الرسالة رسالة سياسية وليست إعلامية، وأننا مسؤولون عن هذا الشعب وعن تكوين فكره وثقافته، مؤكدة أن أغلب قضايانا الفكرية الحقيقية لا تطرح من خلال الإعلام مثل الفتنة الطائفية والقضية الوطنية، بالإضافة إلى أن المسلسلات التاريخية أصبحت غير موجودة على الساحة.
خطورة المسلسلات المترجمة
بدوره أكد الفنان أحمد ماهر أن المسلسلات المترجمة أصبحت تمثل خطرا كبيرا بعد دبلجتها بأصوات من شأنها أن تمحو اللهجة المصرية والتي تعتبر سفيرة المصريين من خلال الأفلام السينمائية، واليوم هناك لهجات وافدة، فماذا عن الدولة من هذا الموقف حين يتم تقديم أعمال بلا أعراف أو تقاليد لا تقبل بها مصر.. فأين الدولة من كل هذا؟!
طروح للحلول
وفي نفس السياق ترى الناقدة ماجدة موريس أنه ليس من المفترض أن يعوّل مؤلفو الدراما والمهتمون بها على الدولة في أي شيء من حال الدراما؛ لأنه لم يكن للدولة أن تتجنب المسألة التجارية في العمل الفني سواء في الإعلانات أو الشركات؛ لأنها أصبحت لعبة يتعامل بها ليس فقط في الإعلام وإنما في الاقتصاد، مشيرة إلى أن مصر أعلنت لواء الخصخصة منذ سنوات ولن تعود إلى مفهوم الرسالة كما يعتقد البعض، وبالتالي فعلينا أن نفكر في بدائل يقوم بها مجموعة العاملين بالدراما.
وتعتقد موريس أن الدراما المصرية لديها القضايا التي يجب أن تناقشها وأن طروحاً للحلول قد وضعت منذ سنوات، ولكن لم يتم تنفيذها، وتضيف: على سبيل المثال؛ المنتج الذي يقدم عملا مرئيا سيئا عليه ألا يأخذ الدعم في السنة القادمة، وكان هذا اقتراحا مهما، ولكن لم يتم مناقشته بجدية، وهناك أيضاً قانون العرض والطلب في المجتمعات الرأسمالية مفاده أن النجم الذي يأخذ مبلغا كبيرا من المال في عمل درامي ويكون هذا العمل سيئا من الطبيعي ألا يأخذ هذا المبلغ أو ألا يتم رفع سعره العام الذي يليه، ولكن في مصر لا يطبق هذا القانون بل إن النجم يرتفع سعره حتى لو قدم عملا سيئا، فيجب أن تكون هناك قرارات حاسمة من قبل الدولة.
