«التراث ليس فوق رأسي ليسحقني وليس وراء ظهري لأجرجره كثقل يعيق مسيرتي، إنما هو طريق أسير عليها سعيا لتقدّمي»، هكذا استهل المسرحي العراقي العتيق قاسم البياتلي حديثه لـ «الحواس الخمس»، مؤكدا أن ذلك ليس انتقاصا من أهمية التراث، إنما لإعطائه الأهمية التي يستحق. فالتراث برأيه ليس بالوقوف على الأطلال والبكاء عليها، بل بالتطوير والعمل على تقديمه بأبهى حلّة ليستمر ولا يزول من خلال العودة إلى ينابيع هذا التراث.

قاسم البياتلي مخرج مسرحي عراقي يعيش في إيطاليا، وهو كاتب ومترجم أيضا. كتب باللغتين العربية والإيطالية على حد سواء. كافح الجوع، وقاوم الفقر والظلم اللذين رافقا صراعه في العراق للحصول على الأوراق الثبوتية اللازمة لمتابعة دراسته في بلاد الاغتراب. عمل حمَالاً ولكنه لم ينكسر، وتابع كفاحه حتى أنشأ وزوجته لاورا مصممة أزياء كل عروضه المسرحية، فرقته المسرحية الوحيدة «الأركان» في عام .3891 أربع عشرة سنة في بلاد الغربة أثمرت عن مبدع ودكتور في عالم المسرح الغربي، وقد كانت باكورة أعماله «حكاية المتزهّد»، المسرحية التي يتحدَث فيها عن معاناته التي قدَمها باللغة الايطالية وحضرها أربعة وستون ناقدًا ومتخصصاً بالعلوم المسرحية من أصل ستين دعاهم شخصيا. فكان أول نقد نشر عنه وقتها في جريدة ماننفيست حيث قورن فيها بكبار المسرحيين مثل بيتر بروك وبازوليني، الأمر الذي أكسبه ثقة وصلابة في مواجهة التحديات التي تعصف بمسرحه.

شغفه بالمسرح حثَه على أن يصارع من أجل بناء هذه «القلعة» لكي يحتمي بها، كيلا «يموت» معنويا حسبما قال. هذه القلعة التي بنيت على ماء متحركة، أخذته في دوامتها خلال صعوده إلى الشهرة، ولكن رياح الأيام رأفت به كما يحلو له أن يوصفها، فالتقى أساتذة دعموه خلال دراسته أنتروبولوجية المسرح، وعرَفوه على أستاذه «ايوجين باربا» الذي تأثَر به فكرَمه من خلال ترجمته لبعض كتبه إلى اللغة العربية.

وعن لغة الجسد وتقنيته قال البياتي إنها من أكبر اهتماماته المسرحية، وقد تعمَق في دراسته على مدى اثنتي عشرة سنة. وأضاف أنه لا يشبه أحدا في أسلوبه في البحث والتعبير عن هذه اللغة. هو يستشفها من التراث الشرقي للوصول إلى بواطن الإنسان. هي تقنية لغوية بحد ذاتها، يمكننا عبرها إيصال رسالة موجَهة للفكر الآخر.

حلقات عمل

واسترسل قائلا إنه خلال بحثه في اللغة التعبيرية أنشأ حلقات عمل ثلاث ركز من خلالها على تطوير دراسته انطلاقا من حلقة البحث الداخلي المحصور عبر التنظير في مسرحه إلى حلقة نشر البحث عبر الإعداد والتهيئة، وأخيرا حلقة البحث في الإنتاج الابداعي للعروض المسرحية. فأثمر ذلك عن بضعة نصوص ترجمت في كتب عدَة تدرَس حتى اليوم في الجامعات الايطالية، من حيث أهمية المواضيع المطروحة فيها ولم يتحدَث عنها آخرون من قبل وذلك بدءًا من العام .5991

وعن فرقته (أركان) التي أصبحت ذات توجّه مسرحي خاص، يشير أنها صارت معروفة وفاعلة أكثر في الأوساط الغربية والعربية في آن واحد، وتوجهها بدأ يأخذ صفة المسرح التنظيري ويعرف باسم مسرح الوسيط. أما عن مسرح الوسيط هذا، فقد عرَف عنه على أنه في علاقة مباشرة بالمسرح العربي الإسلامي لاهتمامه بتقنيات حركات الممثل الجسدية. وأنواع الحركة الموجودة في الحضارة الإسلامية ترجمها بخمسة يمكن لأي فنان أن يستخدمها لإكمال أي إعداد فني يعنى بالتربية الجسدية.

وأضاف أنه قد أخرج ستة عشر عرضا مسرحيا في معظم دول أوروبا، وكانت كل عروضه باللغة الايطالية فقط التي يراها قادرة على أن تحمل قضايا ومضامين مختلفة ومتحولة، وعن كتابه «ذاكرة جسد» قال البياتلي ان ذاكرة هذا الجسد هي ذاكرة بحتة عن الرقص والطقوس، هذه الطقوس معروفة «بالصوفية» وهي ليست طقوس صوفية من وجهة نظر روحانية ولكن هي آلية تقنيات داخلية وخارجية مفيدة للممثل من حيث الإنماء البيداغوجي. وبالتالي أنا لا أدعي الصوفية في التعبير الجسدي الذي أعتمد عليه في الدراسات التي طرحتها أو في المسرح الذي أقدّمه.

وعن العراق في مسرحه أشار إلى أن ما جرى في العام 0991 كان له أثر مدو في نفسه. أصبح حزنه سجينا في جسده يزعج روحه ويقلقها. فبكى والتزم الصمت أربعين يوما. ثم قرر الخروج عن هذا الصمت والثورة على الواقع الذي آلمه بشدة فخرج إلى مسرحه، وغنى وضرب الحائط، وبكى وصرخ إلى أن بدأت تتراءى له صور فنية كثيرة. فرأى أنه أصبح في الوقت عينه كالعازف والآلة الموسيقية معاً. وبعد ستة أشهر من المخاض ظهرت مسرحيته (إلى الآخرين في الغربة) وعرضت احتجاجا على الحرب التي طالت العراق. كان يطمح بعرضها في ثلاثين دولة باعتقاده أنها شاركت بالحرب على بلاده، ولكنها لم تعرض سوى في خمسة عشر بلدا. وكان قد ترجم حالته النفسية هذه من خلال غلاية ماء تغلي وتفيض طوال العرض المسرحي. وفي الختام كان يغسل وجهه بهذه الماء، وما يبقى منها كان يحولّه إلى شاي يسكبه ويوزّعه على الحاضرين ويقول لهم (أنتم شاركتم في ضرب العراق، ولكنني كريم فخذوا واشربوا هذا الشاي)، إلى أن كان يوما في المغرب يعرض مسرحيته، ورفض أحد الصحافيين شرب الشاي قائلا إنه هو لم يشارك في هذه الحرب وليشرب من شعر أنه شارك فيها.

عاطفة العرب

وعن العرب يقول البياتلي: إن العرب يحملون فيضا من المشاعر والأحاسيس، وكمسرحي لدي واجب تجاه هذا البلد الذي احتضنني. فواجب كل باحث منا أن يقدّم للعربي والأجنبي على حد سواء تقنيات عملية مفيدة بالمسرح وليس بالفكر الفلسفي المسرحي فحسب، إنما عبر أدوات عملية وتطبيقية مفيدة له كطالب. وفي سؤال عما قدَمه للعالم الغربي قال إنه أراد أن يبادل ايطاليا وفرنسا ما قدموه له. لذلك طوّر نفسه ودراساته لكي يستطيع أن يعلّمهم التقنيات العالية في المسرح. وأضاف: أنا كعربي أستطيع أن أثقّف الغربي من خلال المسرح بلغة حوار الحضارات وذلك عبر التراث المنقول إليه وعبر ما حملته نفسي من تعاليم من مجتمعي. وأنا أسعى أيضا إلى مستقبل أفضل لي وهذا المستقبل يتمثَل بما أقدّمه خلال أعمالي اليوم.