رغم جبروت تيار العنف والقتل الذي اغرق شاشات السينما، يظهر بين حين وآخر عمل كوميدي يعيد للإنسان ضحكته وسط المشاكل والأزمات ويرسم السعادة على ملامحه، في لقطات ومشاهد لا تنطلق فيها رصاصة واحده ولا تسيل منها الدماء ولا يتصارع داخلها رجال العصابات، إنما يعكس من خلال أحداثه مواقف طريفة تجلو الصدأ عن المشاعر الإنسانية وتعيد البهجة للحياة.

فيلم فيلاتماشى معه وحسب ـ Just Go With It الذي بدأت عروضه هذا الأسبوع في صالات السينما المحلية، من تلك النوعية التي تتوهج بالأحاسيس الرقيقة وتفجر الكوميديا من مواقف وجمل حوارية مليئة بالشجن والحب والذكريات، يجمع الفيلم بين آدم ساندلر وجنيفر أنيستون في أول تعاون لهما سويا في فيلم رومانسي كوميدي يخرجه دينيس دوغان، في حكاية مقتبسة من فيلم فيلازهرة الصبارلالا عام 1969 الحائز على جائزة الأوسكار لأفضل فيلم.

تروي الأحداث قصة جراح تجميل ناجح (ساندلر)، يخشى الالتزام ويتقمص شخصية الزوج المغلوب على أمره ليثير عطف الفتيات ويوهمهم بأنه متزوج حتى لا تفكر أي منهن في الزواج منه ومن أجل ذلك يستعمل دائما خاتم الزواج وسيلة للهروب وعدم التورط، لكنه يقع في حب فتاة جميلة (بروكلن ديكر) ويقرر الارتباط بها ويحاول التقرب منها، مدعيا أنه على وشك الانفصال من زوجته فتطلب رؤيتها، فلا يجد سوى صديقته المقربة ومساعدته في العيادة (أنيستون) ليطلب منها التظاهر بأنها زوجته السابقة، ولكن الأمور لا تسير كما خطط لها بعد إشراك أولاد صديقته باعتبارهم أبناءه في رحلة عطلة نهاية الأسبوع إلى هاواي، التي يتخللها العديد من المغامرات والمواقف المثيرة للضحك.

يتشابك الفيلم في أفكاره العامة مع عدد من كلاسيكيات الكوميديا المعروفة، مثل «الحب في الظهيرةلالا ولالاالبعض يفضلونها ساخنةلالا وربما فيلم فيلاالشقة» أيضا، دون أن نتوقع بالطبع رقيه لهذه الأفلام العظيمة لكنه يضع الابتسامة على الشفاه ويدفع إلي الحنين لهذا النمط من الأعمال.

أختار المخرج دينيس دوغان أسلوبا فنيا يعتمد على تسليم كل مشهد للآخر بعد أن يستغل كل كادر فيه لإضفاء المرح والكوميديا، بحيث تحولت كل لقطة ومشهد فني إلي لوحة منفصلة متصلة بالأحداث، منها مثلا تنافس جنيفر أنيستون ونيكول كيدامان في الرقص والذي عكس ما تخفيه كل واحدة تجاه الأخرى من مشاعر غيرة، إبراز علاقة ساندلر بالابن الذي يخاف من تعلم السباحة ومقدرته على كسب ثقة الطفل وكسر حاجز قلقه من الغرق، اكتشاف ساندلر للبريق المدهش في عيون أنيستون وأنها الوحيدة التي لا يحتاج أمامها إلي الكذب والتخفي.

وفي بناء فني ممتع يعتمد على التفاصيل الإنسانية والمشاعر الدقيقة يعرفنا الفيلم على معاني الاحتياج والصداقة وافتقاد الأبناء لرعاية الأب ودفء أحاسيسه، والأهم طبعا قيمة أن يكون الإنسان صادقا مع نفسه ومن يحب، وبذكاء شديد يكشف لنا أن الكذب ليس له أرجل وبالتالي يمكن الوصول إليه مهما طالت فترة اختفاءه، كما أن الإنسان يجهد نفسه أحيانا في البحث عن مشاعر حقيقية بعيدة عنه ولو نظر بدقه إلي محيطه لأكتشف أنها بجواره ولا تحتاج منه كل هذه المعاناة.

غطت جنيفر أنيستون على آدم ساندلر بأدائها القوي في دور مديرة مكتبه فيلاكاثرينلالا التي يستغلها لتلعب دور الزوجة المزيفة، وكان دور نيكول كيدمان غير مقنع كصديقة تكتم مشاعر الغيرة من زميلتها منذ فترة المراهقة وكان من الممكن أن تقدمه ممثلة أخرى بحماس وتعبير أكثر، لكن يحسب للمخرج براعته في ضبط إيقاع الفيلم دون إسفاف أو تهريج أو أية حركة غير محسوبة، فميزان المشاهد دقيق ولا يسمح بأي جرعات كوميدية في غير محلها، كما وضح التميز في التصوير والموسيقى وروح الفكاهة وتلاحمها مع الطبيعة في جزر هاواي، ومن هنا يأتي جمال هذا العمل الذي يدعونا إلي أن نهتم بمن حولنا قبل أن نفكر فيمن يبعدون عنا، وتبدو رومانسيته ورقته في التدفق الإنساني والمواجهة بين جفاف المشاعر واليأس وبين العذوبة والاحتفال بالحياة.