من وحي وإلهام التطور والنهضة الموسيقية الغنائية التي قام بها الموسيقار سيد درويش أوائل القرن العشرين، تأتي فرقة «إسكندريلا» متمثلة تلك الروح الملهمة، لتقدم في مطلع الألفية الجديدة الألحان الجماعية والموسيقي التعبيرية بتوقيع الفنان الشاب، حازم شاهين، عازف العود والمؤلف الموسيقي الذي حاز إعجاب جمهور ملتقى العود الدولي الذي أقيم أخيرا في مصر.
تكونت فرقة إسكندريلا في شكلها الحالي منذ 4 سنوات، فعندما كان الموسيقي الشاب حازم شاهين يتلقى فنون العزف على العود على يد الموسيقار نصير شمة في بيت العود، كان غناء أدوار مسرحيات خالد الذكر سيد درويش وبعض أغاني الشيخ إمام ما يجمعه مع زميليه شادي مؤنس وأشرف نجاتي، وشيئاً فشيئاً بدأ الأصحاب والجيران في حي الأزهر يتجمعون في مواعيد البروفات ليستمعوا إلى تلك الأغاني، وبدأ الأمر يأخذ شكلاً جديداً حيث تقدم الثلاثة شباب إلى ساقية الصاوي من أجل تقديم أولي حفلاتهم، فطلبت منهم إدارة الساقية C.D لأعمال الفرقة.
تراث الشيخين
يقول حازم شاهين: سجلنا إحدى البروفات على C.D واستعنا بعازف الإيقاع هاني بدير وبالفعل قمنا بإحياء أول حفل لنا نهاية عام 2005 والتجاوب الذي وجدناه من الجمهور ألقى علينا بمسؤولية كبيرة، خاصة تجاه الحفاظ على تراث الشيخين، سيد درويش وإمام عيسى، فالأول هو رائد التجديد والتطوير في تاريخ الموسيقى العربية الحديثة، على مستوى الفكر والشكل، ونقلها من عصر التطريب إلى آفاق التعبير، أما الشيخ إمام فهو موسيقى أعطى حياته وفنه لبلده.
وحول اتهام الفرقة بالتصرف في ألحان سيد درويش والشيخ إمام، قال: بالعكس هم يعيبون علينا أننا نقدم العمل كما هو، على اعتبار أن التصرف والتغيير دليل على عصرنة تلك الموسيقى، وهم لا يدركون أن موسيقى سيد درويش أكثر تطورا مما يقدم الآن على الساحة الموسيقية، ولو استمرت مدرسة سيد درويش في المسرح والغناء الجماعي لكانت أوركسترا لندن وغيرها تقدم أعماله حالياً.
وأشار أن هناك من استفاد من تعبيرية سيد درويش مثل زكريا أحمد والرحبانية، وقال: ما أقصده هو أنه لم تحدث نهضة تبنى على ما أسسه سيد درويش، ونحن في «إسكندريلا» لا نمتلك أصواتاً كمطربين، ولكننا نتعلم من مدرسة سيد درويش، وهناك مقولة لشاعر تحضرني في هذا السياق تقول «مافيش مانع تكون عصري وفي نفس الوقت مصري».
الحالة الموسيقية
وبسؤاله عن الفرق الأخرى التي تقدم أعمال سيد درويش والشيخ إمام عيسى، أشار أن كثيرا من هذه الفرق تعتمد ذلك لأن تقديم هذه الأغاني يضمن لهم جمهوراً ولكن المهم أن تصدق الحالة الموسيقية الكامنة وراء هذه الأغاني، والمؤكد أن الجمهور يدرك ولو بعد فترة مدى الإيمان بما يقدم والالتزام بروح العمل ونقله بأمانة، وقال «عندما كنا نغنى في إحدى الحفلات بمكتبة الإسكندرية، كان موجودا حسن محمد، حفيد سيد درويش، وأحد حفظة تراثه ولديه كورال من أطفال وشباب الإسكندرية، وفوجئت به يعاتبني على بعض التغيير في ألحان غير مسجلة، فطلبت منه النوتة الخاصة بها حتى يساعدني بدلاً من إلقاء اللوم»
وهناك كورال جمعية محبي سيد درويش الذي يشرف عليه أحد أحفاد سيد درويش هو محمد حسن البحر، ويقوم بدوره في تخريج العديد من الشباب الحافظين لتراث سيد درويش.
وأضاف: أما عن ألحان الشيخ إمام فإن المطربة عزة بلبع هي أفضل من تؤديه بإحساس وصدق وانفعال حقيقي لأنها تفهم موسيقى وعايشت الشيخ إمام لفترة طويلة في السبعينيات حيث ارتبطت برفيق مشواره الشاعر أحمد فؤاد نجم.
الرحبانية
واستطرد حازم شاهين: لا بد أن أقول بأنني فخور بكوني أحد مريدي مدرسة سيد درويش، أتعلم وأتأثر ورغماً عني تصدر مني جمل وتيمات فيها شبه من موسيقاه، فأنا في تلحيني أعمل على بناء لحن تعبيري محافظاً على موسيقى الشعر متبعاً تيمة تمثل خيطاً يوصلني إلى جملة بسيطة فيها صدق واحترام لذائقة الجمهور الفنية ويليق بمشاعرهم.
وأذكر عندما جاء الموسيقار زياد الرحباني لمصر منذ نحو عامين وقابلته وأثنى على الفكر الموسيقي الذي سمعه في ألبومي «حاجات وحشاني» وهو موسيقي عبقري ولديه شفرة موسيقية يصوغ منها جملة بسيطة ومتطورة ورغم ذلك هو دائماً ما يشير إلى فضل سيد درويش في تطور الموسيقي العربية، وقال لي إنه عندما كان يسجل لحن «أهو ده اللي صار صار» الذي قام بتوزيعه في أحد استوديوهات ألمانيا أثنى الموسيقيون الموجودون على اللحن معتقدين أنه لموسيقار معاصر، وكانت دهشتهم كبيرة عندما عرفوا أن صاحب اللحن مات منذ أكثر من ثمانين عاماً.
يمتلك مؤسس فرقة اسكندريلا ألحانا خاصة به من أشعار فؤاد حداد وصلاح جاهين ، وعن هذه التجربة يقول: شجعني على خوض مجال التلحين الشاعر أمين حداد ابن الشاعر الكبير فؤاد حداد، وحدث بيننا تقارب كبير وفهم شخصيتي بشكل جيد، فأنا من أولئك الفنانين الذي لا يعملون إلا تحت إلحاح أو شيء من هذا القبيل، ولذلك كان يضع اسمي على إعلانات الأمسيات الشعرية والمسرحية، وأنا ما زلت في مرحلة العمل مما كان يحفزني ويضعني أمام مسئولية كبيرة، كما أعانني على فهم موسيقى شعر فؤاد حداد وصلاح جاهين.
الشارع
وبسؤاله عن أسباب تقديم الفرقة لبعض الأمسيات تحت اسم الشارع، أشار أن هذا الاسم هو ما اختاره فؤاد حداد بنفسه وقدم من خلاله عدة أمسيات بدأت منذ عام 1965في مبنى نقابة الصحفيين القديم واستمر في تقديم مثل هذه الأمسيات وغيرها واستعان بكورال من عمال مطابع مؤسسة روز اليوسف بمساعدة المخرج أحمد إسماعيل، واستمر أمين حداد في مواصلة المشوار فيما بعد وشارك معنا النجم محمود حميدة في عرضي «حي على بلدنا، وبلادي جميلة».
والفرق بين إسكندريلا والشارع أننا في الأخيرة نعتمد أكثر على قوة الشعر وإيقاعه الذي يكون هو البطل في العرض، عكس العمل في إسكندريلا حيث الموسيقى والغناء هما الأساس.
احتفلت إسكندريلا بعيد ميلاد الفرقة منذ أيام بحفل في ساقية الصاوي وآخر في بيت الشعر بحي الأزهر الذي شاركت فيه بالغناء سلمى حداد وآية حميد وعناصر من فرقة الشارع مثل أمين حداد وسامية جاهين.
