كأن الخسائر الفادحة التي تكبدتها صناعة الكاسيت جراء أعمال القرصنة الفنية للألبومات لم تكن كافية التأثير على هذه الصناعة المهمة، فجاءت ثورة الشباب المصري الأخيرة؛ لتسدد الضربة شبه القاتلة لهذه الصناعة، فباتت تترنح بعد أن عصفت بالعديد من الألبومات، لاسيما أنها جاءت متزامنة مع إجازة نصف العام الدراسي وقبيل موسم يوم الحب وأعياد الربيع، ما أثر بشدة على معنويات الشركات المنتجة، وجعلها تتوقف أو تتريث في إصدار الألبومات الغنائية.

منذ بداية العام 2011 لم يعد الشارع العربي في حاجة إلى سماع الموسيقى والأغاني بعد أن سخر آذانه للاستماع إلى طبول المظاهرات والشعارات الرنانة التي انطلقت من تونس وتحولت شرارتها إلى مصر، وأثرت في الوطن العربي كله، وعصفت بأحلام عدد كبير من المطربين الذين أجلوا ألبوماتهم من مواسم مختلفة واضطر بعضهم إلى تأجيلها منذ موسم عيد الفطر؛ ليقوم بطرحها متزامنة مع إجازة نصف العام ويوم الحب ومنهم صابر الرباعي وعلي الحجار وأمال ماهر وكاظم الساهر، إلا أن الأحداث الحالية في تونس ومصر والتوترات التي تشهدها بعض العواصم الأخرى مثل بيروت وعمان حالت دون ذلك، ولم يكن المطربون هم المتضررون الوحيدون من مظاهرات الغضب التي شهدتها مصر في الآونة الأخيرة، حيث عصفت بخطط شركات إنتاج الكاسيت أيضاً ووأدت أحلام المطربين الذين كانوا يستعدون لطرح ألبوماتهم بداية الشهر الجاري.

من أبرز المطربين الذين اضطروا إلى تأجيل إصدار ألبوماتهم الفنان التونسي صابر الرباعي الذي كان من المفترض أن تقوم شركة روتانا بطرح ألبومه في يناير الماضي، إلا أن الأحداث التي اندلعت في وطنه جعلته يتخذ قرارا بالاتفاق مع الشركة المنتجة بتأجيل طرحه إلى منتصف العام الدراسي، إلا أن تداعيات الأحداث واندلاع ثورة الغضب في مصر دفعت روتانا والرباعي إلى تأجيل طرح الألبوم مجددا وحتى إشعار آخر، وهو الأمر الذي اضطرت إليه أيضا (روتانا) مع ألبوم كاظم الساهر الذي تأجل أكثر من مرة بسبب رغبة الساهر في إجراء عدد من التعديلات، ومن ثم اضطرت إلى تأجيله حتى تستقر الأوضاع في مصر، كذلك الحال مع المطرب بهاء سلطان الذي كان مقررا طرح ألبومه بداية العام، إلا أن ما شهدته المنطقة جعله يؤجل طرح الألبوم الذي يعود به للساحة الغنائية بعد فترة طويلة من الغياب.

ويعتبر المطرب علي الحجار من أكثر المطربين تضرراً بعد أن قام بتأجيل ألبومه الجديد (معلهش) بعد أن أنتجه على نفقته الخاصة، وقضى فترة طويلة في تحضيره والسفر متنقلاً بين القاهرة وبيروت لاختيار الكلمات واللحن، وعن هذه الأزمة يقول: يبدو أن سوق الكاسيت موعودة بالعذاب منذ فترة طويلة، ويبدو أن سوء الحظ يلازمني، فلم تكد السوق تستنشق نسمة انتعاشة بسيطة للخروج من أزمة الركود التي تعاني منها بسبب القرصنة واستيلاء بعض الشركات على جهد المطربين، حتى أصيبت بانتكاسة جديدة بعد أحداث مصر التي قضت على أحلام المطربين الذين تحرروا من عباءة المنتجين، وقرروا أن يخوضوا تجربة الإنتاج وأنا واحداً منهم.

وأوضح الحجار أن ألبومه الجديد يضم 12 أغنية منها: (شفت يا قلبي، حبيت من سنة، السكر غلي، من الآخر، أنسى حاجات، ولا حد خالي، بقدر على الدنيا، رجعنا لبعضنا) بالإضافة إلى إعادة تقديم رائعة أم كلثوم (حانت الأقدار) بتوزيع جديد.

إلى ذلك، يؤكد علي عبدالفتاح، المسئول الإعلامي بإحدى شركات الإنتاج، أن أحداث يوم الغضب وضعت شركات إنتاج الكاسيت والمعنيين بصناعة الأغنية في مأزق عصيب، خاصة أنهم يعتبرون موسم (نصف العام وعيد الحب) من أهم مواسم طرح الألبومات.. وتوقع أن يمتد تأثير الأزمة إلى الصيف المقبل، مشيرا إلى أن حجم الخسائر التي تعرضت لها سوق الكاسيت وحدها تقترب من النصف مليار جنيه بسبب ثورة 25 يناير التي جاءت؛ لتقضي على أحلام المطربين والشركات على حد سواء.

 

خسائر بالجملة

بدوره، أكد المنتج محسن جابر، صاحب شركة عالم الفن، أن الأزمة قد تمتد إلى عدة أشهر مقبلة؛ لذلك قرر عدم طرح أي ألبومات منذ بداية العام، مبررا ذلك بأن طرح ألبومات في ظل الأزمة القائمة يعتبر مغامرة أقرب إلى الانتحار.. مشيرا أيضا إلى أن حفلات اللايف التي كانت تعتبر طوق النجاة لمواجهة خسائر السوق توقفت هي الأخرى، وأصبحت الشركات تتعرض لخسائر بالجملة منذ بداية العام، حيث اضطرت بعض شركات الإنتاج إلى إغلاق أبوابها وتسريح موظفيها هرباً من الخسائر المتتالية التي تلاحقهم، بعد أن صاروا ينتقلون من مأزق إلى آخر، ما يهدد صناعة الكاسيت التي تضم أكثر من 50 ألف مطرب وموسيقي وشاعر وموظف بالفشل والتشريد إذا استمرت فوضى القرصنة والأحداث التي تشهدها البلاد العربية.

بينما أوضحت شيرين الحديدي، المسئولة الإعلامية لشركة ميلودي، أن الشركة ستبدأ في الاتجاه إلى السوق الخليجية في الفترة المقبلة، خاصة أنها السوق الوحيدة التي تحظى بالاستقرار خلال الفترة الحالية، وذلك بعد أن حصلت الشركة على موافقات بتوزيع ألبومات عدد من المطربين المصريين واللبنانيين والتونسيين في عدد من بلدان الخليج.

 

نتائج سلبية

في حين أعتبر الموسيقار حلمي بكر، عدم طرح الألبومات تأثرا بهذه الأزمات مسببا بدوره لنتائج سلبية على المطرب وشركات الإنتاج، حيث إن طرحها يعني تحمليها على شبكة الإنترنت ومن هنا يزيد الطلب عليه في الحفلات التي تقام داخل مصر وخارجها، لكنه رغم هذا الطرح يرى أن الوطن العربي خلال الفترة الحالية غير مهيأ لسماع الأغاني، حيث تعتبر الآذان مهيأة حالياً لسماع صوت طبول المظاهرات والاحتقان في الشارع العربي فقط. واستنادا إلى نفس الأزمة قررت شركة هاي كواليتي للإنتاج الفني، تأجيل إنتاج عدد كبير من الألبومات كان من المقرر أن يبدأ تسجيلها خلال الشهر الجاري، حيث يرى صاحبها طارق عبدالله أن الأحداث التي يمر بها الشارع العربي تضاعف أوجاع صناعة الأغنية في مصر والعواصم المعروفة بالإنتاج مثل بيروت، خاصة أنها تمر بمشاكل كبيرة وركود ليس له مثيل منذ عدة أعوام بسبب القرصنة، معربا عن اعتقاده بأن آثار هذه الأزمة قد تمتد إلى أكثر من عام.