=دخل شخص أحد المقاهي الخاصة بكومبارس السينما في القاهرة، ليسأل عن «حسن» وكان الاهتمام كبيراً بالضيف، وعلم أن الرجل جاء لشراء نكتة، ولأن الأمر يعدّ غريباً ومثيراً، دخل «الحواس الخمس» في حوار مع بعض الحاضرين و«حسن» نفسه بعد ذهاب المشتري، وامتد الحوار إلى قطاعات عدة حول ظاهرة بيع النكات ولمن وكيف؟ وغيرها من التساؤلات التي يفترض أن تفرض نفسها.

 

وخرجنا من هذا الحوار بأن بيع النكات ظاهرة قديمة جداً، وأن المونولوجست بشكله المعروف لايزال حاضراً في بعض المناطق الشعبية والمناسبات، عرفت من خلال وجودي في ذلك المقهى بأن العديد من المناطق الشعبية تعتبر المونولوجست لا يقل أهمية عن المطرب، وهذا ما يجبر المونولوجست على شراء النكتة التي لا يزيد سعرها على 20 جنيهاً.

يقول «حسن»، بائع النكات، إنه يبيع النكات منذ أكثر من عشرين عاما، واستطرد قائلا: ليس هذا جديدا في الساحة خاصة في فترات الخمسينات وحتى الثمانينات فقد كانت هناك منافسة قوية بين الذين يبيعون النكات، ولكن اليوم أصبح المشترون قليلين والعائد نفسه قليل، حيث يتراوح سعر النكتة من 10 إلى 20 جنيهاً، ولكن حرص بعض سكان المناطق الشعبية على وجود المونولوجست في أفراحهم أتاح لنا منفذا مهما لبيع النكات، والمونولوجست عندما يشتري النكتة يكون حريصا على التجديد خاصة بعد استهلاك ما يردده كل يوم من نكات.

 

بيع «الإفيهات» للمسرحيين

وقال حسن: إنه أصبح يستفيد أكثر في بيع «الإفيهات» للمسرحيين وممثلي الأفلام الكوميدية، وحتى في الدراما الكوميدية يلجؤون لنا، وأشار: أحيانا أذهب إلى المسرح وأتدخل بناءً على اتفاق مع المنتج أو الممثل عندما يؤدي مشهداً كوميدياً وأضيف جملة أو كلمة ساخرة تجعل الجميع في البروفة يضحكون، وقال إنه تعامل كثيرا مع عادل إمام وسمير غانم؛ لأن هؤلاء يقدمون الإفيه بشكل رائع، وأشار إلى أن الممثلين الكوميديين الجدد هم الأحرص على شراء إفيهات ونكات أحيانا، وهذا يرفع من شأنهم لدى الجمهور والمنتجين عندما يكون الممثلين حاضرين بنكات وإفيهات لذيذة ومضحكة.

وحول أسعار الإفيهات للفنانين قال إنها غير مسعرة فهم يدفعون بسخاء، خاصة إذا وجد الإفيه القبول من الحاضرين في البروفات، أما النكتة المباشرة فلها سعر محدد وبسيط؛ لأننا نعرف أن المونولوجست تغيرت ظروفه بعد انحسار دوره في السينما والحفلات الرسمية الكبيرة والقنوات الفضائية، ولذلك لا نتوقف معهم كثيرا على السعر.

ومن المواقف الطريفة التي تعرض لها قال: أذكر أنني بعت نكتة لمونولوجست بعشرين جنيهاً، ولكنه عاد في اليوم التالي غاضبا، وقال إن هذه النكتة معروفة وليست جديدة، وتذكرت بالفعل أني قلتها مرة واحدة في أحد الأفراح عندما ألحوا عليّ لإلقاء نكات ونسيت ذلك فاعتذرت له وأعدت له عشرة جنيهات لتصبح بذلك النكتة ملكه ووعدته بتأليف مجموعة أخرى.

 

النكتة تعتبر علاجاً

لكن د.محمد المهدي، استشاري الطب النفسي قال: النكتة تعتبر علاجاً مهماً لكثير من الذين يعانون من الاكتئاب، ولكن هناك بعض النكات تزيد الاكتئاب عندما تكون مكررة كثيرا ومؤديها ليس محترفا، وأضاف: لكن النكتة الأجمل في حد ذاتها هي التي يصنعها الموقف الطبيعي في الشارع العام فتأتي قوية وكثيراً ما يضاف إليها وتصبح نكتة تروى في الشارع دون معرفة مؤلفها، وأشار إلى أن الإنسان عندما يستقبل نكتة يتكون لديه إحساس قوي بأن الحياة جميلة وفيها من هو قادر على إضحاكهم مثلما أن هناك من المواقف المحزنة والمبكية.

إسماعيل الصاوي، أحد المهتمين بالمسرح قال: النكتة التي تباع مصنوعة، ولابد أن نعترف بأن صانعها لديه خيال وروح حلوة وموهبة لاشك فيها، ولكن الشارع فيه ملايين النكات التي يمكن أن تستمد من السلوك العام لهذا الشعب الذي يتسم بالنكتة والإفيه الجميل، واستطرد: أسمع أحيانا إفيهات على المسرح لا تعجبني وأشعر بأنها لا طعم لها، ولكن الفنان المحترف قد يفرض عليه موقف محدد إعطاء إفيهات وحركات تضيف للعمل، وهذا لا يعني خروجه على النص طالما الإفيه في سياق الموضوع أو المشهد، ولكنه لم ينفِ أن النكتة المباعة أيضا أصبحت تجد حظها من القبول.

 

التجديد مستمر

أما الريجسير طاهر السيد فقال: أنا ذهبت مرة إلى أحد الذين يبيعون النكات في منطقة إمبابة وأبلغته أن هناك فناناً شاباً جديداً سيمثل لأول مرة في المسرح يحتاج إلى إفيهات جديدة، فطلب منى السيناريو فأعطيته نسخة منه، وبعد يومين أخذت معي الممثل وذهبنا إلى الرجل، فوجدناه أعد إفيهات «تموت من الضحك»، ولكنه أكد تخوفه من أن يفشل الممثل في التوصيل نتيجة ضعف الموهبة أو عدم تمتعه بالروح الكوميدية المطلوبة، ولكن في أول عرض خطف الممثل الشاب الأضواء من الجميع؛ ما دعا بقية الممثلين في اليوم التالي للاعتراض على كثير منها بحجة أنها تمثل خروجاً على النص، وبعضهم قالوا: كان يفترض الاتفاق عليها أولا، ولكن المخرج حسم الموقف بالموافقة عليها كاملة، وعن السعر الذي دفعوه، قال: عند استلام الإفيهات أعطاه الممثل 200 جنيه، وبعد نجاح العرض ذهب إليه وأعطاه 500 جنيه طواعية حتى يكون التعاون مستمراً بينهما.

فيما قال مونولوجست آخر يدعى حسام، إن المونولوجست يعتمد كثيراً على النكات، وأضاف: أنا أقدم مونولوجا واحدا وبعده نحو 10 نكات على الأقل متواصلة وسريعة ثم الدخول في مونولوج آخر، وأشار إلى أن سكان المناطق الشعبية يتعارفون ويتواصلون في الأفراح ويحفظون النكات جيدا، وهذا يفرض علينا التجديد المستمر، وبائعو النكات هم ملجأنا.

وحول كيفية التعامل معهم، قال حسام: نذهب لهم في المقاهي التي يتواجدون بها، وإذا كانت النكتة جديدة ندفع ثم يلقيها علينا، وبعدها نكتبها باختصار شديد؛ أي الفكرة فقط، وعندما ألقيها أضيف عليها قليلا في نفس إطار فكرتها، وأشار إلى أن بائع النكات يخاف أن يروي النكتة أولا ثم يحفظها المشتري ويرفضها، ولذلك نحن نتعامل معهم بثقة كبيرة.

الحياة مواقف

د.سامية الساعاتي أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس ترى أن الحياة كلها مواقف، وهذه المواقف قد تكون محزنة أو مفرحة أو عادية لا يعيرها الإنسان اهتماما، ومن بين هذه المواقف تتولد النكتة أصلا، حتى بائع النكتة تأتيه الفكرة من موقف ما، موضحة أنه حتى المواقف المحزنة أو الجادة يمكن أن تتولد منها نكتة مضحكة ما نطلق عليها بالعامية المصرية «التريقة» وذلك عندما يختلف اثنان ويتحول شكل الخلاف إلى سخرية أو «تريقة» وتخرج إفيهات مضحكة صادقة وعفوية وكأنك على مسرح في الشارع، وقالت إن الإنسان بطبعه يميل إلى الفرح، وعندما يضيق به الحال ويحس بالاكتئاب يبحث عن مجموعة أصدقاء أو عمل فني ليستقبل ما يزيل عنه الهم والكدر.