لنبدأ حكايتنا بضربٍ من ضروب الخيال، أساطير أوبراليّة يلعب أدوار البطولة فيها سيلفيو برلسكوني، وتوني بلير وجورج بوش الابن. بالطبع لن تظهر هذه الأسماء بشخوصها الحقيقيّة، إذ سيلعب ممثّلو أوبرا أخصائيون أدوارهم، كيف لا؟ والأوبرا العالميّة، لطالما بُنيت حبكتها على سير حياة أشخاصٍ امتلأت تفاصيلها بالنفوذ والسلطة والعشق الممنوع، وكانت خاتمتها مآسٍي سوداء.
ولمن لا يحبّذون رموز السياسة، يُمكن الاستعاضةَ عنهم بكبار عالم الشهرة، شأن تايغر وودز أو ميل غيبسون، اوحتّى ديانا أميرة ويلز. نحن متاكّدين ان هذه الفكرة لن تُعجب الكثيرين، فعلى الرغم من أنّ الفنّ السابع، بشقّيه الوثائقيّ أو الترفيهيّ، يُمكن أن يُعالج قضايا مُشابهة، في حين ينحصر فنّ الأوبرا في أذهاننا بمغنّياتٍ ومغنّين بُدناء، وُلِدوا وقضوا في القرن التاسع عشر.
في وقتنا الحاضر، يُطلق على أيّ ضربٍ من ضروب الأوبرا، التي تتناول دراما معيّنة في حياة شخصيّاتٍ حديثة، مصطلح الأوبرا الوثائقيّة، والمختصرة بتعبير «دوكو-أوبرا». والسبب في هذا التحوير، هو أنّ بعض المُبدعين خَلَصوا إلى حقيقة أنّه لا يُمكننا أن نستخدم جنساً قديماً من أجناس الفنون لرواية حكايةٍ معاصرة، فيجب أن يكون هنالك نوعاً من التحديث. وآخر ما سيقدّم في هذا المجال، هو «دوكيو-أوبرا» آنا نيكول، لمارك-أنتوني تورنيج، التي سيُقام عرضها الأوّل في في دار الأوبرا الملكيّة بلندن هذا الشهر.
وتورنيج الذي يبلغ من العمر 50 عامًا، معروفٌ بأنّه واحد من أشهر الملحّنين في المملكة المتّحدة، وأغلب مقطوعاته تصبغ عليها مسحةٌ من موسيقى الجاز بتقليدٍ كلاسيكيّ. والأوبرا الجديدة التي قام بتلحينها، واُدخل عليها «ليبيرتو»،كلمات موسيقيّة، لريتشارد توماس، شهدت اهتماماً كبيراً من قبل مختلف القنوات الإعلاميّة. والسبب وراء ذلك بتقديرنا، هو حياة عارضة الأزياء الشهيرة «آنا نيكول سميث»، الشبيهة بالكتاب المفتوح، والمليئة بقضايا الخيانة والإثارة، والاستخدام المفرض للعقاقير الممنوعة.
وسبب اهتمامنا نحن بهذه المقطوعة، هو أنّها غيّرت المبدأ الأساسيّ الذي تُبنى عليه الأوبرا، حيث اضحت تُقدّم، بأسلوبٍ مُختلف، حواذث دراميّة شغلت العالم في القرن الواحد والعشرين، عِوضاً عن تلك المقطوعات الموروثة من القرنين الثامن والتاسع عشر. وتدور أحداث القصّة كلّها حول راقصةٍ شقراء قادمة من ولاية تكساس، اشتهرت كعاضة أزياء بمجلّة «بلاي بوي»، وعملت كممثّلة بعد ذلك إلى أن بلغت السادسة والعشرين، عندما تزوّجت الثريّ الأميركيّ جي هوارد مارشال، ذو التسعة وثمانين عامًا. وتوفّيت بعد ذلك عندما قاربت تسعةً وثلاثين ربيعاً، إثر تناولها جرعةً مُفرطة من العقاقير الطبيّة، وبعد كلّ هذا آلت وفاتها الغريبة إلى لغزٍ لم يتمكّن أحدٌ من حلّه.
وعن اختيار تورنيج لآنا نيكول، يقول نيكولاس باين، مدير «أوبرا يوروبا» والمدير السابق لدار الأوبرا الملكيّة بلندن: «اختياره هذا كان ذكيًّا جدًّا، فهي امراةٌ لعوب، منجمٌ من الذهب، ولا أحد منّا يعلم عن حياتها ما نعلم عن حبياة الأميرة ديانا أو سيلفيرو برلسكوني». وحول طريقة تأطير الشخصيّة، يُضيف باين: «آنا نيكول لطالما كانت ضحيّةً والمعتدي في الوقت ذاته. فيمكن تبرير مواقفها إذا ما تمّ النظر إلى حياتها بأسلوبٍ نسويّ، ويُمكن أيضاً وضعها في إطار الشخصيّة المُهملة التي تدفع عاقبة أعمالها ومن حولها في النهاية، وسأكون مُعحباً بحقٍّ بالعمل إذا ما تمكّن الملحّن تورنيج وكاتب الليبيرتو توماس، والمخرج ريتشارد جونز، ومن خلقِ أبعادٍ عظيمة من هذه الشخصيّة التي تبدو لنا سطحيّةً جدًّا».
توظيف سير الحياة الحديثة
عملت الحملات الإعلاميّة المكثّفة، والمخطّطة نحو جمهورٍ محدّد، إلى جانب التصوير السينمائيّ لبعضها، إلى إعادة إحياء جمهور الأوبرا التقليديّة، ورقع شعبيتها في العقدين السابقين، ومع هذا، لمّ يتمّ تقديمها كوسيطٍ ناجحٍ في تقديم سير الحياة الدراميّة، فالأولويّة تُمنح دائماً للتلفزيون والسينما في هذا المجال ومن أهمّ الأمثلة على ذلك نذكر فيلم «ذا كوين»، للمخرج ستيفر فريرز، الذي حاز جائزة أوسكار سنة 2006، وفيلم «ذا ديل» التلفزيونيّ، الذي يروي حكاية نقل السلطة بين توني بلير وغوردون براون. إلى جانب مسرحيّة «إنرون» للمخرجة لوسي بريبلز، سنة 2009، والتي تروي حكاية غفلاس الشركة العملاقة الأميركيّة للطاقة.
