لطالما وصفناهم بذوي الاحتياجات الخاصة باللغة العربية، لكن وقع توصيفهم أقوى ان أضفينا اللمسة الانسانية للجهة الاخرى من المعنى: انهم مميزون، وذوو قدرات خاصة، لم يوحدهم المرض بل وحدهم ابداعهم وريشتهم، وما كان ليتسنى لهم التفوق على اعاقتهم وصولا الى افاق الابداع، لولا تلك الايادي الحانية التي لفرط حسها الانساني سارعت الى احتراف التعامل مع الضعف الادمي، هم مجموعة وجدت من اللون وفناءاته متنفسا لاستعادة الانسانية، وظيفتها الاولى «دور منتج في المجتمع»، عرفوا ان الحفل لهم كانوا يجولون بنظرهم دون هدف، ولكن ابتسامتهم تشي بمخزون من البراءة خص الله بها هذه الفئة .

 

«في استوديو موهبة في حي البستكية العريق حجزوا لنفسهم مكانا يتسع للعالم، منه انطلقوا، وبه سطروا خطهم الاول»، هذا ما قاله عادل فيروز، الذي وصل من طيبة القلب ورقته حدا يتجاوز حدود الانسانية. انه والد الجميع في الاستوديو يعاملهم كأنه اطفاله، ويسعى إلى أن يكون لهم دور في هذه الحياة، حيث يبقى المستوى التعليمي لهؤلاء اقل من نظرائهم، والمدارس تستوعبهم لسن الخامسة عشرة، أو اقل حسب حالتهم، وبعدها يخرجون على الحياة هائمين على وجوههم يلفظهم المجتمع، وحتى اقرب الناس لهم، لذلك نحن هنا نصنع لهم مستقبلا من خلال تعليمهم الرسم، واحترافه، وهو على بساطة بعض لوحاته الا انه تعبير صادق اجتمع فيه اللون مع الاحساس، وبذلك نعينهم على الشدائد ومتطلبات الحياة، ويؤكد ان الفكرة أخذت من مؤسسة «اجمل الناس» الهولندية، التي شاركت بخبراتها، لتصبح «مواهب» مؤسسة مستقلة مقرها دبي، والاولى في الشرق الاوسط، وتؤكد ويومي، الشريكة والمديرة للمشروع اننا اخترنا اسم مواهب كونه لفظا عربيا ولنحافظ على التراث ولان التسمية تتناسب مع من نتعامل معهم، انهم بجد موهبة، ونتمنى ان يكلل المشروع بالنجاح، حيث ابتدأنا الآن بتسعة رسامين يشاركون بـ100 لوحة، والعدد مرشح للارتفاع.

 

معلمة الرسم

جوشانا كامران، معلمة الرسم، والتي نذرت نفسها لهؤلاء، لان الله امتحن صبرها بابنتها زاري ذات الثالثة عشر ربيعا، والتي فازت لوحتها في مسابقة الفنون التشكيلية في الامارات واوروبا، حيث تقول جوشانا: خلق الله لكل انسان دواخل، ولكننا للأسف لا نستطيع سبرها او الغوص فيها، لذلك نحن لا نعلمهم شيئا لا يحبونه بل نكتشف فيهم الموهبة ونبدأ بتعليمهم خطوطها،واختيار اللون. مشيرة إلى أن سرعة تعلمهم تذهل الجميع.

 

فيكتور المبدع

فيكتور من جنوب افريقيا، عمره عشرون عاما، لوحته المستمدة من البستكية، رسمها من رمل البستكية والقهوة من الغابات الماطرة من كوستاريكا، حيث ستصبح علامة هذه القهوة هي الراعي له، فكتور اصم وابكم ولكن له عينان تشعان املا وبريقا، سريع الحركة، لبق في تعامله، دائم الابتسامة، أتى في زيارة إلى أهله، حيث يتواجدون في دبي، امتدت زيارته عندما انضم للمؤسسة يرفض الآن الذهاب الى بلده لانه يعتبر المؤسسة بيته، ومن فيها اصدقاؤه، واهديت لوحته الى ابراهيم عبد الملك، أمين عام الهيئة العامة لرعاية الشباب والرياضة الذي افتتح الاستوديو، واشاد بالمستوى الرائع والحرفية لهم.

 

يونس الضاحك

يونس يعقوب هندي، عمره اثنان وعشرون عاما، لوحته برج العرب، طغى على خلفية اللوحة اللون الاسود، ليظهر جمال الصورة. الوانه دقيقة. اعاقته عقلية، ولكن يحس من داخل نفسه انه عظيم، عندما يأتي احد ليصوره بجانب اللوحة يتحدث بشكل خفيف العربية والانجليزية، ولكنه يعرف كيف أن يوصل ما يريده لغيره، يقول: اخترت رسم برج العرب لأنني معجب له كثيرا.

 

زيد يحب الصحراء

زيد جعفر، عراقي، عمره سبعة وعشرون عاما، هادئ الطباع، قليل الكلام، إعاقته عقلية، ولكن هذه الإعاقة انتجت منه رساما يحب الصحراء والرمال والجمل، خطوطه دقيقة وكانت فرحته كبيرة عندما علم ان لوحته بيعت واشتراها عادل فيروز وبسعر جيد تشجيعا له على الاستمرار، دائما ملتصقا بأعماله لأنها عالمه الواسع؛ فالجمل والصحراء والنخل جزء من تراث العراق، وتراث الامارات، لذلك ارتسمت الصورة بمخيلته قبل ان يفرغها على اللوحة.

 

ربيكا أصغر رسامة

ربيكا من بريطانيا عمرها تسعة عشر عاما، تتحدث كثيرا، ولا تكف عن الضحك، إعاقتها عقلية، ولكنك لا تشعر بإعاقتها لانها طورت من مستوى تعلمها فتفوقت على ذاتها، حيث رسمت صورة لسمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي، سألتها لماذا: قالت إنها تحبه وتراه كثيرا، وهو في عمر الشباب، معجبة بطريقة ارتدائه الغترة، حسب ما ترجم لي حرفيا، لذلك رسمت الصورة، وعندما سألتها هل تودين الذهاب إلى بلدك بريطانيا، قالت بصوت مرتفع: أحب دبي واحب عادل وجوشانا.

 

سيري العصبية

سيري شارمن، 24 سنة، بريطانية الجنسية، تعمل على السيراميك والموزاييك، كانت محل مشاكل لأسرتها، عصبية لا تسمع الكلام، تذهب خارج البيت حتى طفح الكيل باسرتها، وقرروا ان يرسلوها الى مدرسة داخلية ببريطانيا، ومهما كلف ذلك ماديا، ولكن عندما سمعوا عن الاستوديو، واتوا بها بعد خمسة اشهر فقط تغير حالها واصبحت مختلفة مئة درجة، ولفرط إحساسها تبكي اذا نظرت اليها بحنق او غضب، تحب رسم الزهور واللون الاخضر كثيرا، أهلها لم يصدقوا ما وصلت إليه ابنتهم من نتائج، وهم لم يقصروا بالتبرع.

 

انجيل المتأنقة

انجيل من مومباي الهند، عمرها خمسة وعشرون عاما، الاعاقة العقلية لم تمنعها من حمل سلة مليئة بالهدايا الصغيرة وتوزيعها على الحضور، وهي سعيدة بوجودها بالاستوديو، تقول: إن الموجودين كلهم اصدقائي، وستبقى ترسم حتى يصبح عندها الف لوحة، انها قدرة عجيبة على التحدي.