ينتظر جمهور السينما في أغسطس المقبل فيلم (حصان الحرب) للمخرج الأميركي ستيفن سبيلبرغ المقتبس عن رواية نشرت في العام 1982 لمايكل موربورغو التي تتابع مغامرات صبي صغير وحصان خلال الحرب العالمية الثانية، ويعكس هذا العمل الذي تدور أحداثه في أجواء حربية نمط هذه النوعية من الأفلام التي برزت للمرة الأولى منذ فجر السينما، وبلور من خلالها مخرجوها مادة تاريخية اقتبسوها من التاريخ الأميركي بشكل رئيسي، وامتدت من الحروب الفرنسية والهندية إلي حرب فيتنام ثم العراق بشكل فرعي، وقد حازت الحربين العالميتين الأولى والثانية على أكبر حصة في السينما الحربية على مر التاريخ.
أنماط الأفلام الحربية
والأفلام الحربية هي احد أنماط الأفلام المختلفة التي تهتم بالطابع الحربي سواء كانت حروب تقوم على الأرض أو في الجو، وتركز في بعض الأحيان على احد القضايا الحربية مثل أسرى الحرب والعمليات العسكرية السرية والتدريب العسكري وتستعرض الحياة اليومية للجنود أو للمدنيين وقت الحرب دون التطرق لأي معركة بشكل ملحوظ، وقصص هذه الأفلام قد تكون مستندة إلى رواية أو قصة تاريخية حقيقية أو سيرة احد الشخصيات العسكرية، كما قد يكون الفيلم عبارة عن أحداث وثائقية حربية، ومعظم هذه الأفلام يتم تضمينها قصة رومانسية لإضفاء بعض الأجواء الحيوية إليها، وهناك أيضا تعبير لا بد من ذكره وهو «أفلام ضد الحرب» وهو تعبير يصف الأعمال التي تهدف إلي إظهار التأثير السلبي للحروب في الناس مثل الرعب والألم والدمار النفسي والاجتماعي والسياسي.
وأول فيلم حربي مسجل في التاريخ من إنتاج شركة «فيتا غراف» للإنتاج، مكون من بكرة واحدة وبطول 90 ثانية فقط بعنوان «إنزال العلم الاسباني» وظهر في العام 1898، وقد عرضت أحداثه إنزال للجنود الأميركيين في هافانا التي كانت محتلة من قبل الإسبان خلال الحرب الأميركية الاسبانية، حيث تم رفع العلم الأميركي بعد إنزال العلم الاسباني.
بوابة شباك التذاكر
وقد كانت السينما الحربية في بدايتها تعاني من مشكلة أن المنتجين كانوا يحجمون عن الخوض فيها كونها تحتاج إلى تكاليف باهظة جدا من اجل تحضير الإضافات والملابس والأدوات، خاصة تلك التي سوف تدخل في مشاهد الحرب الكبيرة، كما أنهم لم يكونوا يتصورون أبدا أن هذا النوع من الأفلام سوف يدخل إلى بوابة شباك التذاكر الأميركية، خاصة مع المنافسة الشديدة من قبل الأنماط السينمائية الأخرى، ولكن كل هذه الأمور تغيرت تماما عندما قدم المخرج الكبير دايفيد غريفيث في العام 1915 فيلم «ولادة امة» الذي يعد من انجح وأضخم الأعمال السينمائية في تلك الفترة ويشكل أيضا البداية الحقيقية للسينما العالمية، وتدور أحداثه حول تأثير الحرب الأهلية على عائلتين مختلفتين أحداهما من الشمال والأخرى من الجنوب، كما احتوى على عرض وثائقي لمشاهد من هذه الحرب.
الحرب العالمية الأولى
وفي عام 1917 كان العالم على موعد مع دخول الولايات المتحدة للحرب العالمية الأولى، وبالتالي فقد أدى ذلك إلى تغيير الاتجاه السينمائي للسينما الحربية، فلم تعد تنتج تلك الأعمال التي تدعو للسلم، بل قامت بتغيير كبير في قصتها وبنيتها، ومن أوائل هذه الأفلام «هناك» من إخراج جورج كوهان، وقد احتوى على الأغنية الحربية «امسك بندقيتك» التي لا يزال الجنود يرددونها حتى اليوم، وقد كانت معظم هذه الأفلام تشكل جانبا دعائيا للجيش الأميركي وجانبا مخيفا للجيوش المعادية.
وفي العام 1918، أنهت الهدنة العالمية الحرب الضخمة التي غيرت مجرى البشرية، وقد أدى ذلك إلى توقف ظهور الأفلام الحربية بشكل كبير، ولكن هذه الحرب قدمت خدمة كبيرة جدا للسينما الهوليوودية بعد أن أدت إلى تدمير معظم استوديوهات الإنتاج في أوروبا، فاحتلت الأفلام الأميركية ما نسبته 80% من الإنتاج العالمي للأفلام وأصبحت تتحكم بالسينما العالمية ومصيرها.
اتجهت أفلام العشرينات والثلاثينات في معظمهما إلى إظهار التأثير السلبي للحرب في الجنود والمدنيين، ومن ابرز هذه الأفلام «الاستعراض الكبير» و«ما ثمن النصر؟» عام 1926، وفيلم «الأجنحة» عام 1927 وهو أول عمل حربي في التاريخ يفوز بجائزة الأوسكار، ومع ظهور عصر الأفلام الناطقة برزت مجموعة اكبر من هذه النوعية منها «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية» عام 1930 و«الطريق إلى النصر» عام 1936 و«الوهم الكبير» عام 1937، وقد كان هدف هذه الأفلام دراميا و حربيا بحتا.
الحرب العالمية الثانية
لعل أول أفلام حربية بالمعنى الحقيقي كانت تلك التي ظهرت خلال الحرب العالمية الثانية، وخاصة تلك التي كانت بتوقيع بريطاني وألماني، وغالبا ما كانت هذه الأفلام عبارة عن أعمال وثائقية أو نصف وثائقية، وفي العام 1940 كانت هوليود على موعد مع تغيير في النمط الحربي من السينما، حيث تم في هذا العام توقيع اتفاقية «التدريب الانتقائي والخدمة العسكرية» والذي يفرض على كل شاب أميركي دخول الخدمة العسكرية، وقد كان لهذا الموضوع حصة كبيرة في أفلام تلك الفترة فلم يكن أي استوديو يخلو من عمل يتناول هذه الفكرة، ومن بين هذه الأفلام «المجند باك» و«في البحرية» و«استمر بالطيران».
قضايا البطولة والتضحية
وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية أخذت سينما الحرب بالتطور بشكل اكبر وباتجاهات مختلفة، فبدأت بطرح قضايا البطولة والتضحية وخدمة الوطن إضافة إلى المغامرة والشجاعة، مثل «أفضل سنوات في حياتنا» عام 1946، «قرار القائد» عام 1948، «ساحة المعركة» عام 1949، و«ارض الشجعان» عام .1949
وخلال فترة الخمسينات ظهر نمط أفلام المهمات الكتائبية الخاصة، مثل «الحصان الموهوب» عام 1952 و«كمين القمر» عام 1957، وقد شكلت هذه الأفلام وغيرها وبقصصها الواقعية إلهاماً لأفلام بنفس الفكرة ولكن بقصص خيالية أكثر إمتاعا والتي استخدمت الخلفية الحربية لعرضها.
وقد ظهرت معظم هذه الأفلام في فترة الستينات، ومنها «أسلحة نافارون» عام 1961، «الفرقة القذرة» عام 1967 و«جرأة النسور» عام .1968
ومع السنوات اللاحقة نرى أن السينما في هوليوود بدأت تقدم أعمالا أكثر تطورا وبحرفية فنية عالية، ساهمت مثلا في عام 1998 بترشيح 3 أفلام حربية للحصول على الأوسكار، أولها «الخيط الأحمر الرفيع» وهو عبارة عن إعادة طرح لفيلم بالعنوان نفسه أنتج عام 1964، وفيلم «إنقاذ الجندي رايان» من إخراج المبدع ستيفن سبيلبيرغ وقد عرض قصة كتيبة تحاول الذهاب إلى جبهة الحرب العالمية الثانية وإعادة جندي قتل جميع إخوته خلال الحرب.
وأخيرا فيلم «الحياة جميلة» الذي قدم قصة عائلة يهودية تفككت أوصالها في ظل الحرب مع النازيين.
