نعيش وسط مفاهيم كثيرة خاطئة ولكننا نجهلها وأحيانا تقودنا طموحاتنا إلى نهاية مأساوية، ولكننا أيضاً نجهلها، وقد تجرفنا شهواتنا لنصبح مسخًا بلا معنى؛ لنجد أنفسنا فجأة وسط حصار صمم خصيصاً للقضاء علينا ، فهل يستطيع الفن أن يحارب هذه المفاهيم الخاطئة ويزيد من قدراتنا على البقاء أقوياء دون أن نتنازل عن ممتلكاتنا أو عن تاريخنا؟..
هذا ما حاول القيام به العمل المسرحي «ابنتي الجميلة» الذي يعرض على مسرح السلام بالقاهرة من تأليف هدى شعراوي وبطولة شيرين وأحمد راتب وسامي مغاوري، أشعار فؤاد حجاج، وتعبير حركي لحربي الطائر، ومن إخراج حسن عبدالسلام، حيث التقى «الحواس الخمس» فريق عمل المسرحية الذي فجر قضايا كثيرة ولمس مشاكل خطيرة تعانى منها مجتمعاتنا العربية.
كانت البداية بالمخرج صاحب التاريخ الطويل في مجال المسرح، حسن عبدالسلام الذي فضل أن يبدأ حديثه بشهادة عن أهمية المسرح عموما، وقال: مهما تعددت المشاكل والأزمات سيظل المسرح هو (أبو الفنون)، والفن ،كما أراه، يبدأ من الكلمة التي هي المرآة التي تعكس ما في النفس البشرية؛ فهي تعكس من ينتمي ومن لا ينتمي، من يؤمن ويكافح ويناضل من أجل أرضه وكيانه ومن أجل حصانه.
يشير عبدالسلام إلى أنه اختار تقديم مسرحية « ابنتي الجميلة» من أجل الحصان والبيت والكيان والأرض؛ لأننا في هذا العالم نتعرض لغزو العقل العربي لهدمه وغزو الكرامة لإهدارها، وقال: هذا أخطر أنواع الغزو؛ لأن الإنسان الذي يعيش بلا كرامة وبلا كيان أو شخصية هو إنسان غير منتمٍ يبيع وطنه برخص التراب من أجل غايته، سواء كانت شهوة أو من أجل ما يسمى بالتلامس مع مجتمعات غريبة عن ديننا وقوميتنا.
وأضاف: ومن هنا كانت فكرة المسرحية التي جاءت كاتبتها هدى شعراوي؛ لتمزج الوطن العربي كله من خلالها ولتقول بأن كل دول الوطن العربي أشقاء يسكنون بيتًا واحدًا منهم من طغى وتكبّر ومنهم من أخذ كيانه وحوائجه التي تستره ليصبح الأشقاء أكثر خطورة من الغرباء.
مسرح القضية
يعمل حسن عبدالسلام بالمسرح منذ ستين عاماً، وقد عشق المسرح وعرف رسالته ووظيفته، وهذا النص - ابنتي الجميلة- الذي يتولى إخراجه تعامل معه بالفهم والإدراك للمضمون، فحينما أدرك المضمون، أبدع ما يسمى العرض المسرحي ولم يدخل الأغنية بالمسرحية لمجرد الحشو أو جذب الجمهور، وإنما أدخلها من أجل تفجير المعنى للوصول إلى المضمون الذي يريده وهو ما عبر عنه قائلا: انظروا إلى الحوار ستجدونه من أخطر ما يمكن، فهو ليس مباشرًا إطلاقاً إذ ليس فيه جملة مباشرة، لكنه جمل تتسرب وتتسلل إلى العقول والأنفس؛ لتخلق ما يسمى «الصحوة».
ويضيف : قصدت بوجود الحصان هنا في المسرحية كيانا له عقله وكرامته ونبضه وكبرياؤه وقيمته، وإذا دخلتم الصالة ستجدون حصانين شامخين مرتفعي الرقبة في شموخ وكرامة وكبرياء، وهذا الحصان ليس مخلوقًا، ولكنه محتوى ومضمون معنوي وتربوي موجود في أعماق تاريخنا نتوارثه من الآباء والأجداد وإلى الأحفاد وأحفاد الأحفاد سنورثه.. مؤكداً أنه لا يختار الممثلين بل إن كل إنسان ميسر لما خلق له، والشخصية المرسومة في النص تنادي صاحبها، فقد يرى شخصية كل فنان بين سطور العمل.
وفي هذا الصدد يطالب عبدالسلام جمهور المسرح بأن يسقط من حساباته أنه يذهب إلى نجم أو نجمة إنما يذهب إلى ما يسمى المسرحية، والمسرحية هي النص، والنص، كما يراه، يفجر الممثل والموسيقى والديكور، والنص هو القضية والحوار الذي يعتبر ترجمة لإحساس ومعنى، بل حتى الضحك ليس وجوده دلالة على التغييب والتغريب وإبعاد الإنسان عن مجتمعه، وإنما الضحك هو نوع من أنواع الكشف عن سوءات الإنسان وانحرافاته.
فهي معالجة لها سخريتها الباسمة، لكن الجمهور الآن أدخل ما يسمى سوء الفهم عن طريق الجنس وأدخل المواقف الكوميدية عن طريق التهريج، لكنني من خلال هذا العمل أقول بأن هناك بداية لمسرح اسمه (مسرح القضية).
ويشير المخرج المسرحي إلى أن الجمهور أخطأ كثيراً في الانصراف عن المسرح والإقبال على الفن عن طريق الإنترنت الذي أصبح مقبرة للفن.
إسقاط سياسي
تقول الكاتبة هدى شعراوي، إن المسرحية مكونة من فصل واحد وخمسةـــ مشاهـــــد في إشارة إلى العالم المكون من القارات الخمــــس الأساسية.
وقالت: نتناول فكرة الإسقاط السياسي الحادث الموجود في مصــر الآن مــــع محاولة الغــــرب الدائــــــم السيطــــرة على أمور بلادنا ســــواء بالداخل أو حتى على مستوى العلاقات الخارجية، وكل هذا في إطار كوميدي ساخر.
وتشير إلى أن المقصود من اسم المسرحية «ابنتي الجميلة» هو مصر، ونريد أن نقول من خلالها: لِمَ بقيت الدول العربية متفرقة؟! وليس هناك شيء يلم شمل العرب سوى المسرح.
تدور أحداث المسرحية حول رجل يمتلك صالة مزادات، ويأتي إليه رجل ليشتري منه كل ما يمتلكه وهي أشياء ذات قيمة لصاحبها، وبالفعل يقوم بشراء كل ما في الصالة ويعطيه بدلا منها أشياء ممسوخة، ولكنه عندما يريد أن يشتري منه الحصانين يرفض ويحارب هو وابنة عمه وكل أهله؛ للحفاظ على كيانهم وفي النهاية يطردون هذا المحتل.
والمحور الرئيسي بالمسرحية، كما تقول كاتبتها، هو «فلاش» الذي جاء ليحصل على الحصان، والحصان هنا رمز للكيان، وتضم المسرحية أيضاً أشياء كثيرة منها شخصية حسن وهي فتاة جميلة وتجسدها الفنانة شيرين التي تتعامل على أنها ولد، وكل من حولها يعاملونها بطريقة سيئة، وهذه الفتاة تعبر في المسرحية عن الأمة العربية، فكل ما تتعرض له هو صورة صغيرة لما تتعرض له الأمة العربية من غزو.
وتؤكد شعراوي أن المسرحية تطرقت إلى فكرة الاستنساخ التي ابتدعها الغرب أخيرًا من خلال استنساخ المشاهير، وتنوه بأن المسرحية تحمل مضمونًا سياسيًا؛ حيث تسلط الضوء على المشكلات التي تعرضت لها الأمة العربية قديما والتي ستحدث في الغد، لافتة إلى أن الجديد في هذا العرض هو وجود بعض الكومبارس بملابس الإنسان الآلي الذين يستقبلون الجمهور كل ليلة قبل بداية العرض.
بدورها أعربت الفنانة شيرين عن سعادتها بالعمل مجددًا مع المخرج حسن عبدالسلام، حيث قدمت معه أول أعمالها المسرحية (المتزوجون) منذ ما يقرب من ثلاثين عاماً، مشيرة إلى أن ما جذبهــــا لقبول بطولـــــة مسرحية « ابنتي الجميلة» هو المضمـــــون الذي تقدمه وطـــــرح مشكلة الغـــــزو الغربي لعقولنا العربية، مع تناول فكرة التشـــــتت الذي تعانـــي منه مجتمعاتنا، بالإضافة إلى فريقـــــ العمل المتميز والسيناريو الذي يحتـــوي على جمل حوارية رائعة الجمال تناغمت كلها لإخراج نص نطق بقضايا سياســـــية كثيــــرة موجـــودة على الساحة العربية.
رسالة هادفة
ويشير الفنان سامي مغاوري إلى أنه يقدم دورا جديدا عليه في هذا العمل، حيث يجسد شخصية رجل يمتلك صالة مزادات، وعنده الكثير من المقتنيات الرمزية، ويأتي إليه رجل يطلب منه إعطاءه مقتنياته بالمزاد ويعطيه مقابلها أشياء ممسوخة، حتى يأتي دور الحصان العربي، وهنا تحاول ابنة عمه أن تتجمل بعد أن كانت تعيش في قالب الرجال ليقع في حبها وتساعده؛ ليقف في وجه من جاء للاستيلاء على مقتنياته، ويعيد حساباته مرة أخرى ويضع يده في يد ابنة عمه وكل من حوله ويطردون من جاء للاستيلاء على كيانهم، ولكنه في النهاية يهددهم بأنه سيعود مرة أخرى، مؤكدا أن الرسالة التي يتضمنها العمل هي أن الأشقاء يمكن أن يختلفوا ولكنهم يجب ألا يبتعدوا عن بعضهم البعض، وأن التعاون مع المحتل الغربي محمود ولكن في أحوال مشروعة.
عودة الجمهور للمسرح
أما الفنان أحمد راتب فأكد على ضرورة تقديم المزيد من الأعمال المسرحية التي تحمل مضمونًا مهمًا؛ خاصة أننا نعيش الآن أحداثا مؤثرة سواء على الساحة المحلية أو الدولية، وبالتالي من واجبنا كفنانين أن نقترب من كل هذه الأحداث ونعبر عنها؛ لأننا لا نعيش بمعزل عن مشكلات وطننا العربي.
ويضيف أن الجمهور عليه أن يشجع الأعمال المسرحية التي تقدمها وزارة الثقافة ويعود إلى المسرح مرة أخرى؛ في ظل وجود أعمال تقدم على مستوى عالٍ من الجودة والتميز والمضمون الهادف.
