(الكهف ـ Sanctum) لا يعدو أن يكون مجرد فيلم يوظف تقنية الأبعاد الثلاثية بفنية واحتراف، لكنه دعوة مدتها «109» دقائق تؤكد عدم الاستسلام وقوة إرادة الإنسان عندما تواجهه صعاب الحياة، تتدفق المواقف فيه مثل الإعصار الذي تبدأ به الأحداث ويحتجز فريق الاستكشاف داخل مغارة ما يدفعهم إلى البحث عن مخرج من المأزق الذي ينهي حياتهم الواحد بعد الآخر، وكأننا أمام أبرع الرسامين يغزل خيوط فكرته في أناقة وفن وإبداع، لا يسقط أبدا في هوة الملل رغم أن الفيلم داخل مكان واحد (أعمق كهف على سطح الأرض) أو تكرار المشاهد لأن جميع المسالك متشابهة ظلام وصخور بارزة في انتظار فريستها، بل يجعلنا في رسائله المتوالية نتأمل ونفكر في الألم داخل دهاليز العتمة حتى نرى الأمل متجسدا في أشعة الشمس مع لقطة النهاية.

يحمل هذا الفيلم الذي يعرض حاليا في صالات السينما المحلية مواكبا طرحه العالمي هذا الأسبوع توقيع المخرج أليستر كغيرسون، تحت إشراف المخرج العبقري جيمس كاميرون كمنتج منفذ للاستفادة من خبرته في مشاهد الأبعاد الثلاثية بعد النجاح الرائع لفيلمه المذهل «أفاتار»، والعمل الجديد مستوحى عن أحداث حقيقية كتب السيناريو لها أندرو وايت وجون غرافن، ترصد رحلة محفوفة بالمخاطر لاستكشاف أحد كهوف (إيسا ألا) التي يطلق عليها أم الكهوف لعمقها وغرابة تضاريسها، ولأن آخر كهف بها لم يتم استكشافه على وجه الأرض يصبح هدفا للمستكشفين بعضهم أتوا من أجل الشهرة والثروة والبعض الآخر لاستكشاف التاريخ.

فيلم الأكشن والإثارة (الكهف) يتتبع فريق من الغواصين إلى كهف تحت الماء داخل أكبر وأجمل وأعمق نظام كهف يمكن الوصول إليه، ومع الدقائق الأولى من الفيلم تهب عاصفة استوائية حاملة إعصار شديدا يجبرهم على الهروب في فتحات الكهوف الغريبة والمثيرة، ويناضل الفريق من أجل البقاء على قيد الحياة ضد التضاريس الصعبة التي تتضمن المتاهات وارتفاع منسوب المياه والمخاوف الخاصة بهم، ويتوجب عليهم محاربة المياه الثائرة والصخور القاتلة والذعر الزاحف خلال البحث عن مهرب غير معروف إلى البحر.

تركز الأحداث على الغواص والمستكشف المحترف فرانك ماغواير (ريتشارد روكسبيرغ) الذي أمضى حياته كلها في البحث والتنقيب، مهملا زوجته التي تموت وتترك له ابنه جوش ذا 17 عاما (ريس ويكفيلد) الذي يتعامل مع والده باستهتار موجها إليه الاتهامات بتعرض فريق العمل للموت، وهي علاقة خاصة وعامة في الوقت نفسه تعكس جهل بعض الأبناء بمعرفة الآباء وحقيقة إحساسهم بالمسؤولية وخبرة السنين التي يترجمها صغار السن بالصلابة وبرودة المشاعر.

كما يسلط الفيلم الضوء على الممول كارل هيرلي (إيوان كغوفوذ) وخطيبته جود (أليس باركنسون) اللذين تسيطر على تصرفاتهما الشهرة والمال ورغبتهما في أحلك المواقف على تصوير لقطات لقناة «ناشيونال جرفيك» دون أي وازع أو رادع، ويقف في الجانب الآخر جورج (دانيال ويلي) الصديق الذي رافق فرانك كل الاكتشافات في محاولة لتهدئه الابن وتعريفه بحقيقة والده وما يخطط إليه للخروج من المتاهة التي تحاصرهم تحت الماء ولا يجدون مفرا منها، فهل يمكنهم البقاء على قيد الحياة، أو أنهم سيحاصرون داخل الكهف إلى الأبد؟

نجح المخرج كغيرسون مع جيمس كاميرون في كشف العلاقة بين البشر من خلال توظيف درامي لتقنية الأبعاد الثلاثية التي جسدت لحظات الخطر في شكل النتوءات وفتحات الكهوف المجهولة المعتمة، والمياه سواء في عمقها أو تساقطها كأمطار وشلالات، وبرزت لقطات غاية في الذكاء تعبر عن الرعب والذعر الذي يتملك الإنسان ويدفعه إما للأنانية في تصرفاته على حساب الآخرين فيكون مصيره الموت، أو للتضحية بنفسه من أجل أن يكمل الآخرين رحلتهم للإنقاذ، ومن المشاهد البارعة أيضا والتي جاءت كتيمة رئيسية في العمل (الاستسلام للموت تحت الماء) للتخلص من ألم النفس والجسد بعد تعرضه لحادث جعله على حافة النهاية، خصوصا عندما يتم ذلك برغبة الشخص وبأيدي من يحبه بعد أن نفدت الإمدادات والمؤن.

صورت كل مشاهد فيلم (الكهف) في موقع قبالة ساحل الذهب في ولاية كوينزلاند باستراليا، واستخدمت فيه عدسات كاميرا (أفاتار) المصممة لتعمل في بيئات قاسية، جعلتنا بالفعل نعيش في مغامرة مثيرة لا نركن فيها لحظة للاسترخاء في عمل يستحق مشاهدة الجمهور، لأنه قصة عن الناس وكيف تتواصل مع بعضها البعض تحت ظروف ضاغطة في مأزق يبدو الخروج منه ميئوسا.

 

جيمس كاميرون

مخرج وكاتب ومخترع ومنتج سينمائي كندي حاصل على ثلاث جوائز أكاديمية، يعرف بأفلام الآكشن والخيال العلمي والتي غالبا تحصد إيرادات مالية كبيرة منها «تايتانيك» الذي حصل على أكثر من 1,8 بليون دولار أميركي عالميا، و«أفاتار» الذي تخطى بأرباحه وشهرته عمله السابق تايتانيك.

ملاحظات فنية

نسبة كبيرة من مشاهد فيلم (الكهف) تم تصويرها تحت الماء وفي كهوف مظلمة وضيقة جدا باستخدام تقنية الأبعاد الثلاثية وكاميرا فيسيون التي تصور كل شيء بدقة متناهية في ظروف معتمة، وصنف العمل لمن هم أكثر من 18 عاما بسبب اللغة المستخدمة واحتوائه على لقطات مزعجة.

ريتشارد روكسبيرغ

 

ممثل ومخرج أسترالي من مواليد 1 يناير 1962 في ألبوري، تخرج في المعهد الوطني للفنون المسرحية عام 1986، حصل على جائزة المنطق الاسترالية لأفضل ممثل في 1995، وفي 2007 قدم خطواته الأولى كمخرج مع فيلم والدي رومولوس وشارك كممثل في مستحيلة 2 ومولان روج.