في محاولة للاشتباك الفني مع ملف الوحدة الوطنية بين المسلمين والمسيحيين في مصر، على خلفية الحادث الإرهابي الذي وقع أمام كنيسة القديسين، بالإسكندرية ليلة الاحتفال بأعياد الميلاد.
وأظهر تضامن المصريين بكافة طوائفه في مواجهة الإرهاب الأعمى، يعكف عدد من المؤلفين، وكتاب السيناريو على تعديل سيناريوهات مسلسلات كانوا يعدون لتنفيذها في الموسم الجديد لتواكب الأحداث، فيما رفض مؤلفون وكتاب سيناريو آخرون تعديل أعمالهم الفنية مشددين على أن «الفن ليس من روافد برامج التوك شو» ليناقش الأحداث اليومية الجارية في الشارع..
«الحواس الخمس» حقق الموضوع مع المؤيدين الذين يرون ضرورة مواكبة الأحداث، والرافضين الذين يشددون على أن الأعمال الفنية بهذا الشكل تأتي بنتائج عكسية على العمل الفني.
كان إرهابيون قد ارتكبوا جريمة، ليلة عيد الميلاد، أمام كنيسة القديسين بالإسكندرية حين فجر إرهابيا نفسه في جموع المصلين أثناء خروجهم من قداس عيد الميلاد، ما أودى بحياة 24 وتسبب في جرح العشرات.. وأثار الحادث مصر كلها ـ حكومة حيث اضطر الرئيس مبارك إلى توجيه كلمة للأمة.. وشعبا حيث خرجت جموع فعاليات الشعب المصري أحزابا ونقابات وجماعات رافضين العدوان الإرهابي، كما فجر الحادث موجة مظاهرات واحتجاجات غاضبة تضامن فيها الشارع المصري.
الفن مر آة الواقع
فنيا.. التقط المؤلفون وكتاب السيناريو خيط الحدث، لمعالجته في أعمالهم، كما كان وزير الإعلام أنس الفقي على الخط أيضا معلنا تمويل الدولة لأي عمل فني يجسد الوحدة الوطنية.. فيما يعد مسلسل «الشوارع الخلفية» المأخوذ عن رواية للكاتب والمفكر الراحل عبد الرحمن الشرقاوي، سيناريو مدحت العدل ومسلسل «الراقصون على النار» للأديب الراحل محمود النواصرة، سيناريو بشير الديك من أوائل الأعمال التي يجرى إعادة معالجتها دراميا، لبدء تصويرها خلال شهرين.
وفي هذا الصدد، دافع السيناريست بشير الديك عن اتهامه بالمتاجرة بملف الوحدة الوطنية، عبر مسلسله «الراقصون على النار».. موضحا أنه عندما وقع حادث الإسكندرية لمس تكاتف المصريين مما شجعه على خوض التجربة بهدف إعلاء فكرة المواطنة، وعلى حد قوله «شعرت أنني كمؤلف لابد أن يكون لي دور في هذه الملحمة الوطنية من خلال عمل درامي يجسد العلاقات الراسخة والمتينة بين نسيجي الأمة مسلمين وأقباط لأن الفن مرآة الواقع».
ومسلسل «الراقصون على النار» هو إحدى الروايات المهمة التي لا تتعرض إلى تفاصيل الخلاف بين المسلمين والأقباط فقط، لكنه درس حقيقي يوضح من هو العدو الحقيقي للشعب المصري، حيث يتعرض المسلسل للعوامل المشتركة بين الديانتين ويناقش موضوعاً مهماً وهو ألا يجوز أن يحتكر أحد الوطن لمصلحته الخاصة، حيث تدور قصته حول أسرة مسلمة تنجب إناثا فقط.
وعندما أرادت الزوجة استبدال إحدى بناتها بولد لم تجد سوى أسرة مسيحية فأعطتهم ابنتها وحصلت هي على الولد فتربى الولد المسيحي في أسرة مسلمة وتربت البنت المسلمة في أسرة قبطية.
الشوارع الخلفية
نفس الرأي تبناه الكاتب د. مدحت العدل ، موضحا أنه شخصيا تفاعل مع الأحداث الجارية ووجد أنه من الواجب أن يكتب عملاً يجسد الواقع الذي يعيشه الشعب المصري بالتزامن مع تلك الأحداث، فقرأ رواية «الشوارع الخلفية» للكاتب والمفكر الراحل عبدالرحمن الشرقاوي ووجد أنه عمل جيد قادر على جذب المبدعين فقرر إعادة صياغة هذا النص من خلال تعايش نسيجي الأمة منذ ثلاثينيات القرن الماضي في الأزمات والمحن.
وردا على اتهامه بأنه يتاجر بالأزمة التي تتعرض لها مصر حالياً قال: هي ليست متاجرة بالأحداث، كما يدعي البعض لكن أعتقد أن صحوة الإعلام ضد أي متسلل يحاول النيل من هذا الوطن هي اللفظ الأدق.
وحادث كنيسة الإسكندرية جعلني أفكر في تقديم هذه الرواية التي اشتريت حق استغلالها درامياً من الوريث الوحيد لعبد الرحمن الشرقاوي وهو ابنه أحمد، وبدأت بالفعل في كتابة خطوطه الدرامية ورسم الشخصيات قبل أن يعلن وزير الإعلام المصري عن شراء أي عمل فني يجسد ملامح الوحدة الوطنية لعرضه على التلفزيون المصري.
وكان «العدل جروب» قد اضطر إلى تأجيل مسلسلي «قطار الصعيد، وسجن النساء» باعتبار أفكارهما لا تتماشى مع الأحداث الجديدة في الشارع المصري.
صيد في الماء العكر
في المقابل وصف عدد من المخرجين وكتاب السيناريو، الذين رفضوا تعديل أعمالهم، مسألة تعديل السيناريو بدعوى مواكبة الأحداث بأنها مثل «الصيد في الماء العكر».. وفي هذا السياق يقول المخرج عادل الأعصر أنه لا يوافق مطلقاً على هذا المبدأ؛ لأن المؤلف لن يستطيع سوى تفصيل النص لخدمة القضية وهو ما يأتي بنتائج عكسية للعمل الفني ولا يعطي المصداقية المطلوبة خاصة أنه مطلوب إنجازه في فترة معينة بالرغم احتياجه إلى أضعاف تلك الفترة.
وأشار إلى أن الإفراط في دراما الوحدة الوطنية والإكثار من تقديمها والتركيز عليها بهذا الشكل المكثف قد يؤدي إلى نتائج عكسية، ولا يتحقق الهدف المرجو منها، حيث اعتدنا خلال الفترات السابقة والحالية أيضاً على الأعمال الخاصة بالوحدة الوطنية التي يصعب على المشاهد تصديقها لأن معظمها يقدم نوعاً من النفاق لهذه القضية المهمة.
لكن المؤلفين وكتاب السيناريو يشعرون أن المشاهد غير قادر على التفريق بين هذه الأعمال التي تجسد الوحدة الوطنية بشكل سطحي دون التغلغل في مناقشة هذه القضية وأبعادها الداخلية، ولو اقتنع بأن تلك الأعمال تناقش مشكلة بعينها لتفاعل معها.
ويؤكد المؤلف والسيناريست محفوظ عبدالرحمن أن أي عمل فني يناقش قضية بعينها، يتم إقحام قضية إضافية عليه، سيكون له مردود سلبي على العمل، لأن أي نص درامي له بداية ووسط ونهاية ويكون قائماً بذاته ولا يتأثر بالأحداث، لأن الفن ليس من روافد برامج التوك شو، بل إن «التوك شو» هو الجديد .
والمستحدث على الساحة، وهو المسئول عن مناقشة القضايا اليومية وأحداث الساعة وليس الأعمال الدرامية، وهذا ليس معناه أن يعزف المؤلفون في واد والمجتمع في واد آخر لكنني ضد ترقيع النصوص بالأحداث التي نعيشها فيجب أن يكون كل عمل مستقلاً بذاته قبل أن يتم وضع خيوطه الدرامية.
وأشار إلى أن مسلسل «أهل الهوى» كان من أفضل النصوص التي يمكن أن يتم تعديلها ليناسب هذه القضية الطارئة واستثمار ما يحدث في الشارع المصري، خاصة أنه يرصد أحداث ثورة 1919 التي جسدت أصالة المسلمين والأقباط، ورغم ذلك أخشى أن يعتبره البعض نفاقاَ لهذه القضية مع هذا الطرح الهائل لها في دراما رمضان هذا العام بالرغم من أن هذا العمل كتبته في أربعة أعوام وانتهيت منه قبل عام من أحداث كنيسة القديسين بالإسكندرية.
الكاتب الصادق
بدوره نفى عبدالرحمن كمال مؤلف مسلسل «بين شوطين» ما تردد عن إجراء تعديل في السيناريو ليناسب الأحداث الجارية قائلاً: من غير المعقول أن يعلن مؤلف أنه بادر بإجراء تعديلات في عمله نظراً للأحداث الجارية، وليس من المعقول أيضاً أن يبدأ مؤلف في كتابة عمل فني في وقت محدد ويستثمر الأحداث التي تعيشها مصر حالياً بعد حادث القديسين لأن هذا العمل لن يكون ناتجا عن إبداع لكنه يتعارض مع القيمة الفنية للعمل الإبداعي.
مشيراً إلى أن الكاتب الصادق مع نفسه ليس بحاجة إلي إجراء أي تعديلات في عمله أو أن يقوم بتغيير وجهة نظره ورؤيته حيث يعد ذلك انتهازية لا تنتج فناً حقيقياً ولا تحترم المشاهد، فالأحداث التي يمر بها الشارع المصري لا ينبغي الإسراع في طرحها، لأنها بهذا الشكل ستكون «مسلوقة»، ويتحول المؤلف إلى تاجر، والفن إلى مصدر لجلب الربح دون هدف أو رسالة.
