على الرغم من أن الفيلم السينمائي هو «عمل فني» يحمل رؤية صانعيه (المؤلف والسيناريست والمخرج)، وقد لا يكون للدولة التي ينتمي إليها صنَّاع الفيلم دور في إنتاجه، إلا أن الفيلم حين يمس رمزا ما في دولة أخرى، فإن تلك الدولة ربما تدخل في أزمة مع دولة صنّاع الفيلم.. والسؤال: إلى أي مدى تؤثر السينما في العلاقات الدولية؟ ولماذا لا يتم التعامل مع العمل الفني في إطاره كعمل يحمل رؤية صانعيه فقط؟.. «الحواس الخمس» طرحت السؤال على نقاد وفنانين مصريين وعالميين، وكان هذا التحقيق:
يؤكد الناقد أحمد الحضري، أن الأفلام المصرية لها دور كبير في علاقات بلاده مع دول أخرى، حيث ساعدت على انتشار اللهجة المصرية في الدول العربية، بل إن فنانة بحجم أم كلثوم كانت بداية وعنوانا للوحدة العربية، فجمهورها يمتد من المحيط إلى الخليج، وكذلك كانت أفلام محمد عبد الوهاب وفريد الأطرش.
ومن ناحية أخرى - يضيف الحضري - يمكن للسينما أن تتسبب في خلافات بين الدول، وتدخلات ربما لا تكون في مكانها الصحيح، مثلما أنتجت السينما المصرية فيلم «ليلى بنت الصحراء» عام 1937، وتناول في جزء منه كسرى ملك الفرس، واحتجت إيران على الفيلم الذي تم إنتاجه في الوقت الذي كان يستعد فيه الأمير محمد رضا بهلوي ابن شاه إيران (رضا بهلوي)، والذي أصبح فيما بعد شاه إيران؛ للزواج من الأميرة فوزية ابنة الملك فؤاد الأول، شقيقة الملك فاروق ملك مصر آنذاك. ورأت إيران أن فيلم «ليلى بنت الصحراء» يسيء إلى تاريخ كسرى أنوشروان ملك الفرس القديم، والذي يظهر في الفيلم وهو يغتصب فتاة عربية على غير إرادتها، وقد عرض الفيلم للمرة الأولى في 28 يناير 1937، ولاقى نجاحاً كبيراً، كما عرض في مهرجان برلين الدولي، كأول فيلم عربي ناطق يعرض في هذا المهرجان، ويحصل على جائزة ذهبية، وتم ترشيحه للعرض في مهرجان البندقية، وبعد سفر الفنانة بهيجة حافظ، بطلة الفيلم إلى إيطاليا للاشتراك في المهرجان، وإذا بها تفاجأ بصدور قرار من وزارة الخارجية المصرية بمصادرة الفيلم، ومنع عرضه لأسباب سياسية مجاملة للحكومة الإيرانية، وأيضا لمناسبة المصاهرة الملكية التي تمت بعد ذلك بقليل.
ويواصل الحضري: لكن بعد ست سنوات تم رفع الحظر عن الفيلم بعد انتهاء الظروف السياسية التي أدت إلى مصادرته (الطلاق بين الشاه وشقيقة الملك)، غير أن الرقابة اشترطت إدخال بعض التعديلات وتغيير الاسم إلى (ليلى البدوية) كما تم استبدال اسم «بلاد الفرس» التي يرأسها «كسرى» من الفيلم تماماً وحل محلها «بلاد البهت» التي يرأسها «كنجا» حيث يكون تشكيل الحروف مطابقا للوضع الجديد لمثيليه في النطق الأصلي، وعُرض الفيلم بعد ذلك في دار سينما «الكورسال» في 12مارس .1944
إعدام فرعون
ويتناول الناقد طارق الشناوي، الطرف الآخر من المقص، فيما يخص العلاقة بين مصر وإيران، والسينما، مشيرا إلى الفيلم الذي أنتجته إيران قبل نحو ثلاث سنوات، حول الرئيس المصري الراحل أنور السادات بعنوان «إعدام فرعون» وتناولت فيه قصة اغتيال الرئيس السادات، واعتبرته مصر فيلما يسيء إليها وإلى الرئيس السادات، وقال الشناوي معلقا: للأسف إفساد السينما للعلاقات بين الدول «حقيقة».. في حين من المفروض أن يكون الفن لإصلاح العلاقات بين الدول.. لا أن يثير مشاعر الغضب ويكون أداة للفرقة، لكن مع الأسف يحدث العكس والمشكلات تزداد في كثير من الأحيان، وهذا يعود إلى عدم وجود رؤية حقيقية للأمور ولا استراتيجية للثقافة، وهذا يجعل الفن يلعب دوراً عكسيا أحيانا، خصوصا حين تدخل السياسة على خط الفن.
معبرة عن الشعوب
وعلى هامش مهرجان القاهرة السينمائي في دورته الأخيرة، كان الممثل الأميركي ريتشارد جير، قد علَّق على موضوع «السينما والعلاقات الدولية» قائلا: إن السينما لها دور كبير جداً ومؤثر في كثير من الأحيان على العلاقات الدولية، فيمكن أن تكون السينما سببا في وجود علاقات جيدة بين دولتين أو العكس من خلال الأفلام التي تقدم في السينما وتناقش موضوعات قد تكون مشتركة بين دولتين، كما تساعد السينما على نقل الثقافات فيما بين الدول والتعرف إلى المجتمعات وعاداتها وتقاليدها، وعلى الرغم من أن السينما فن حديث عمرها لا يزيد على المائة عام، ومع ذلك نجحت في أن تكون المعبرة عن الشعوب إلى نفسها وإلى العالم.
تعاون مصري ـ تركي
أما السفير التركي بالقاهرة حسين عوني، الذي حاول أن يكون دبلوماسيا في تعليقه على الموضوع فقال: أنا حريص على العمل المشترك السياسي والاقتصادي والاجتماعي والفني بين مصر وتركيا، حيث من خلال هذا العمل يكون هناك توسيع للعلاقات الثقافية بين الدولتين، ويجعلهما متقاربين من بعضهما.
لذلك أقول إن السينما لها دور مهم في تجسيد العلاقات بين الدول وبعضها، وليست السينما فقط، بل التعاون الثقافي والفني ككل؛ لأنه أكثر شيء يمكن من خلاله توصيل ما نريد للشعوب، كما أنه من أسرع الوسائل التي تصل إلى الشعوب، وفي هذا الإطار تشهد الفترة المقبلة تعاونا مصريا تركيا في المجال الفني وتقديم مجموعة من الأعمال التي نقدمها فيما بعد.
وقال الفنان عزت أبو عوف، إن السينما لها مكانة كبيرة في الحياة المعاصرة، حيث إنها وسيلة التخاطب بين الحضارات وأسلوب التعارف الذي اخترعه البشر لتلافي الخصام والصراع بين الأمم، ويمكن من خلالها الإطلال على العالم والتعرف إلى ما يحدث، ومن هنا يكمن دور السينما في العلاقات الدولية وأهميتها وتأثيرها.
الفيلم وسيلة ضغط
في المقابل يرى الناقد أحمد صالح، أن الدول المحترمة هي التي تنظر إلى الفيلم على أنه فن وليس وسيلة من وسائل الضغط السياسي، فلا توجد دولة لها قيمتها يتم الضغط عليها بالأفلام!، ولا بد أن نحترم السينما كفن راقٍ، وهذه الآراء نلقيها خلف ظهورنا، وعلى الدول ألا تفسر الأمور هكذا، وتقول إن هذا مقصود.
ولا أعتقد أن فيلما ما، ليس له قيمة يتسبب في إفساد العلاقة بين الدول، فالفيلم المحترم وقيمة الفيلم الجيد هو الذي يؤثر تأثيراً جيدا في الدول المتلقية وتحترمه بعيداً عن العلاقات السياسية بينها، ومن الممكن أن يكون له تأثير لكنها لا تعبأ بهذا الكلام.
آليات التواصل بين الدول
أما د.ليلى تكلا، رئيس لجنة العلاقات الدولية بالمجلس القومي لحقوق الإنسان، فقالت: العلاقة الدولية تتأثر كثيراً بالسينما، حيث إن العلاقة بين السينما والعلاقات الدولية كبيرة، فمنذ فجر التاريخ والتواصل بين الشعوب والحكومات والدول يكون في إطار أمرين؛ الأول هو علاقات دولية سلبية أو إيجابية، والثاني آليات هذا التواصل.
وهناك العديد من هذه الآليات ومنها الغزو الثقافي وهو في المرحلة التي نعيشها اليوم، حيث يمكن احتلال الشعوب عن طريق الاحتلال الثقافي الذي تتمثل أدواته في الكتاب والمسرح والسينما والتليفزيون.. وغيرها، وقد يكون هذا الاحتلال سلبيا أو إيجابيا، فمثلاً في البداية كانت صورة مصر في الشرق الأوسط التي أخذت من خلال الأفلام كانت سيئة وتصور مصر على أنها نهر النيل وتمساح، وتصور العرب على أنهم يبحثون عن راقصات، ولكن اليوم اختلف الأمر وهناك أفلام تقدم صورة جيدة ومختلفة.
