على مر العصور يعيش الحفيد والجد وبينهما مسافات وفجوة قائمة في التفكير.. يظل الطرف الأول يحلم بالتخلص من سلطة الطرف الثاني وسطوته عليه، وعندما يتحقق الحلم يجد الحفيد نفسه في مأزق كبير، بعدما تناسى أنه لا يمتلك من الخبرة الكثير ليحل محل هذا الجد.. بهذا النموذج البسيط من العلاقة تحاول مسرحية «آخر حكايات الدنيا» إلقاء الضوء على مشكلة خطيرة قد نقع فيها كشعب في حالة غياب السلطة.
حيث تتمنى الشعوب أن تعيش بدون سلطة، إلا أنها في النهاية ستفقد عنصرًا مهمًا في حياتها .. «الحواس الخمس» كان حاضرا لإحدى ليالي هذا العرض المسرحي، الذي تطرق لمعظم مشكلاتنا العربية والتي حصرها بين «الحب والدين والسياسة».. فإلى التفاصيل.
مؤلف ومخرج العمل محمد الدرة، يشير بداية أنه يسعى جاهداً لأن يقدم أعمالا تتناول واقع المجتمعات العربية، ويقول: منذ فترة تشغلني مشكلة التواصل بين الأجيال؛ الكبار والشباب.. الجد والحفيد، تلك المشكلة التي انعكست بشكل واضح علينا وخلقت بداخلنا نوعًا من السلبية جعلتنا لا نسمع أنفسنا ولا نستمع إلى من حولنا..
ويشير إلى أن المسرحية تحمل مدلولا سياسيًا انبعث من السلوك السلبي الواضح والذي أصبح يخيم على مجتمعاتنا هذه الأيام، بين الشعب والسلطة، فكلما زادت السلبية بين الطرفين زادت الفجوة أيضاً.. فكلا الطرفين لا يستمع إلى الآخر ولا يقبل بما يطرحه، وتلك هي مشكلة مجتمعاتنا..
الدين والحب والسياسة
بالإضافة إلى ذلك، يخوض العرض في التحدث عن ثلاثة محاور رئيسية بحياتنا وهي الدين والحب والسياسة، مؤكدا على أن المسرحية تستعرض العلاقة بين الجد والذي يمثل «السلطة» ويجسده الفنان أحمد الحلواني، وبين الحفيد الذي يمثل «الشعب» ويجسده الفنان الشاب كريم الحسيني.
حيث يقوم «الجد» بسرد الحكايات على «الحفيد»، ومع شعوره بتسلط الجد عليه يعيش الحفيد في صراع بين رغبته في تولي مهام الجد ومحاولته أن يحل مكانه وبين الاستماع إلى أوامره، ناسياً أن الجد يمتلك من الخبرة الكثير، فهو يقدم له مواعظ كثيرة وثمرة خبراته الدائمة، بالإضافة إلى محاولة تعليم الحفيد فن الحكاية، إلا أن الحفيد يحاول أن يحل محله، ولكنه يفشل..
يقوم الجد خلال المسرحية بسرد ثلاث حكايات للحفيد؛ الأولى عن الحب والثانية عن الدين والثالثة عن السياسة، وهي المحاور الرئيسية في حياتنا، إلى أن تحدث المفاجئة ويموت الجد وتنتاب الحفيد مشاعر فرحة عارمة فيهتف قائلا «مات جدو» لشعوره بزوال السلطة عنه، ولكنه ينتبه إلى أنه لن يستطيع أن يحل محل الجد، كما أنه قد فقد من كان يحكي له وأن رغبته في أن يحل محل الجد أفقدته فرصة التعلم منه.
الهدف من تلك النهاية، كما يقول مخرج العمل، هو إلقاء الضوء على مشكلة خطيرة قد نقع فيها كشعب في حالة غياب السلطة عنا، على الرغم من أننا نتمنى أن نعيش بدون سلطة، إلا أننا بدونها سنفتقد عنصرًا مهمًا في حياتنا..
غرفة الإنعاش
ويشير محمد الدرة الى أنه تعمد اختيار اسم للمسرحية يجذب به الجمهور فاختار اسم «آخر حكايات الدنيا»، مؤكداً أن ديكور المسرحية حمل شكلا مختلفاً لم يقدم من قبل، حيث احتوى على الكثير من المرايات وسط فضاء لا يملئه سوى كشك صغير يجلس فيه الحفيد وكرسي واحد متحرك يجلس عليه الجد.
وتتدلى فوق رؤوس المتفرجين أنابيب محاليل كنوع من الإيحاء بالتواجد بغرفة الإنعاش، كما استعان بموسيقى ومؤثرات حديثة كنوع من الشكل الموسيقي المختلف مع الإضاءة المتميزة التي خلقت جواً أمتع كل الحاضرين؛ مما أعطى المسرحية شكلا مختلفاً بين كل الأعمال التي تم عرضها أخيراً.
«آخر حكايات الدنيا»، مسرحية تم عرضها على هامش المسرح التجريبي الأخير وبعد النجاح الذي حققته تم عرضها مرة أخرى على مسرح الطليعة، ومن المقرر أن يتم عرضها خارج مصر بناءً على النجاح الذي حققته والإقبال الجماهيري عليها بالإضافة إلى إعجاب النقاد بالمضمون الذي حمله العمل على الرغم من بساطته.
حكمة الجد
بطل العمل أحمد الحلواني، قال إنه يسعى دائماً إلى تقديم أعمال جادة هادفة تحمل مضمونًا، وقد تم ترشيحه من قِبل مخرج العمل محمد الدرة، ووجد أن سيناريو العمل سيضيف إليه وستكون المسرحية بصمة قوية بمشواره الفني، بالإضافة إلى أن آخر مسرحية شارك فيها بعنوان أبو عجورة كانت منذ أربع سنوات .
ومنذ ذلك الوقت لم يقف على خشبة المسرح؛ مما جعله يشعر بحنين لتقديم عمل مسرحي يروي عشقه للوقوف على خشبة المسرح.. لافتا الى أن المسرحية استغرقت فترة بروفات حوالي ثلاثة أسابيع وقد حظيت بأكثر من ثلاثين يومًا للعرض المتواصل.
يجسد، الحلواني، من خلال المسرحية شخصية «الجد» الذي يقوم بسرد الحكايات للحفيد ويقدم له خبرته ومواعظه، مضيفاً أن الدور به مساحة تمثيل ورقص مع احتواء العمل على مضمون سياسي متميز ومتلون بلون كوميدي ساخر ..
وقال إنه من الصعب أن يجد الفنان عملا يحمل كل هذه العناصر التي تضيف بشكل أو بآخر إليه وتغري طموحه لتقديم فنه للجمهور، ويشير إلى أنه يرى أن تكرار عرض مثل هذه النوعية من الأعمال هو العنصر الرئيسي لعودة جمهور المسرح مرة أخرى؛ لأن النص هو أساس نجاح العمل الذي يجذب الجمهور إلى مشاهدة أعمال تحمل مضمونًا وفكرًا وحوارًا راقيًا، وكلها عوامل نجاح تثمر في تقديم عمل مسرحي، ناهياً حديثه بتمنيه أن ينال دوره إعجاب الجمهور والنقاد.
قضايا الشباب
أما الفنان الشاب كريم الحسيني، فأكد أنه كان يرغب في تقديم دور مختلف، وهذا ما وجده بالفعل في ورق مسرحية آخر حكايات الدنيا، مضيفاً أنه يجسد من خلال المسرحية شخصية «الحفيد» الذي يجهل أهمية الجد في حياته ويحاول أن يحتل مكانه، وهي صورة موجودة بيننا لكثير من الشباب وقد رسمت الشخصية بشكل كاريكاتيري ساخر..
ويؤكد كريم على أن هناك الكثير من قضايا الشباب التي يجب أن نلقي الضوء عليها من خلال أعمالنا الفنية بشكل موضوعي، مؤكدًا أن مساحة الدور جعلته يخرج الكثير من طاقاته الفنية مع التواصل بشكل مباشر مع الجمهور كل ليلة على خشبة المسرح، وهذا ما يعتبره أهم ما يميز العمل المسرحي. كما أعرب عن سعادته بتوجه القائمين على المسرح لإعطاء أدوار متميزة للفنانين الشباب.
حيث يعطي ذلك التوجه نوعًا من تدفق دماء جديدة للمسرح مثلما حدث بالدراما والسينما، وفي النهاية أكد على أنه قد خيم على أجواء العمل طوال فترة العرض والبروفات جو من الألفة ظهر بشكل واضح وجلي على خشبة المسرح .
