حين نطالع المشهد الشعري النسائي حول العالم؛ فإن المرأة العربية الشاعرة كانت الأبرز في ذلك المشهد على الرغم مما يقال -ونصدقه- بأن العالم العربي من أشد العوالم ذكوريةً في الدنيا، كيف لا ومقولة الفرزدق الشهيرة «إذا صاحت دجاجة صياح الديك فاذبحوها» لاتزال تطبق إلى يومنا هذا.
ومع كل ذلك فإن الشعر في منطقة الخليج والجزيرة العربية شهد ظهور العشرات من الشاعرات المجيدات على مر التاريخ، وفي مسار الشعر الإماراتي العامي والنبطي الحديث، لا يمكن إغفال قامة شعرية مثل «فتاة العرب»، عوشة خليفة السويدي، التي كان لشعرها النبطي أبلغ الأثر في إلهام العشرات من الشعراء والشاعرات في عصرنا الحديث، ومع ذلك فإن ظهور أو حضور الشاعرة الإماراتية في مجال الشعر الغنائي يكاد يكون منعدماً أو لا وجود له.
يتابع عشاق الفن والغناء الإماراتي والخليجي من عامٍ وأكثر ظهور عشرات من الأغاني الجميلة لأشهر مطربي الإمارات بتوقيع الشاعرة الإماراتية التي تحمل لقب «غياهيب»، وكحال أكثر من تجربة شعرية نسائية برزت بلقبها دون معرفة شخصها، دارت عشرات من التخمينات والتوقعات والترجيحات حول ماهية شخصية هذه الشاعرة، ولكي لا نطيل -ولقد أطلنا بالفعل.
- فإن «الحواس الخمس» التقى الشاعرة الإماراتية «غياهيب» ودار حديث حول تجربتها الشعرية وتسليط الضوء على رؤيتها لمستقبل الفن الغنائي الإماراتي ومسارات تعاونها الجديد مع نجوم الفن، تقول غياهيب التي تؤثر عدم الحديث عن خصوصياتها سوى أنها من إحدى العائلات العريقة الكريمة من دبي:
«لقد كنتُ أكتب الشعر منذ صغري، وأنا أنظم قصائدي بأحاسيس صادقة، وكان الشعر وراثيا في العائلة، وقبل نحو عامٍ ونصف العام بثت أشعاري محطة إمارات أف أم فكان تعاوني الأول مع النجم ميحد حمد الذي احترم وأعجب بصوته كثيراً عبر أغنية «لحن الهوى» التي لحنها فايز السعيد، ثم كان هناك تعاون مع النجم حسين الجسمي في أغنية «لبيه» .
وعيضة المنهالي في أغان عدة، وبقيتُ متمسكة بتعاوني مع هؤلاء النجوم لأنهم يعبرون بصورة صادقة عما أكتبه من كلمات شعرية، ولم أدخل مجال كتابة الشعر الغنائي بقصد مني، بل إن الكلمات تنساق تلقائياً نحو نمط موسيقي».
شاعرتان ولقب
تأثرت «غياهيب» منذ نعومة أظفارها بالأشعار التي كانت تقرأها أو تسمعها من قصائد الشيخ زايد، رحمه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، ونجله سمو الشيخ حمدان «فزّاع»، وهي تتمنى أن تتعامل معه بإطلاق «دويتو» شعري لأنها تعتبر الشاعر الأبرز على الساحة الشعرية في الوقت الحاضر.
ورغم الشهرة الواسعة التي حققتها فإنها ترفض فكرة كون شهرتها نابعة من كونها شاعرة امرأة، فهي ترى بأن الشعر الجميل والمعبر عن إحساس ومشاعر صادقة هو الذي يفرض نفسه، وأن لا علاقة للشهرة كون صاحب القصيدة امرأة أو رجل، ومع ظهور اسم «غياهيب» في الساحة الفنية اختلط الأمر على البعض كونه ينطبق على شاعرتين ظهرن في الوقت ذاته، توضح «غياهيب» الأمر:
«حين اخترت لنفسي هذا اللقب، لم أكن أعرف أن هناك شاعرة عمانية تحمله، إلا بعد مرور وقت طويل، وانتشار لقبي وأشعاري بين الجمهور، وأعتقد بأنه لا ضير من وجود «غياهيب» إماراتية وأخرى عمانية، وأسلوبي وقصائدي تختلف عنها، كما أن العشرات من المطربين والملحنين الذين تعاملتُ معهم يعرفونني، وسأطلق قريباً موقعي الإلكتروني على الشبكة ليتمكن الجمهور من التواصل معي بصورة أقرب».
انتشار الأغنية الإماراتية
على الرغم من لطف حديثها ورهافة أحاسيسها؛ إلا أن قوة شخصية غياهيب تظهر بقوة في العديد من الأمور، فهي تستمع مرة واثنتين وعشراً إن لزم الأمر للحن الذي يؤلف لقصائدها، ويشهد بذلك من تعامل معها من الملحنين مثل فايز السعيد وإبراهيم السويدي، ويقتصر تعاون وتعامل الشاعرة منذ انطلاقها إلى الآن مع المطربين الإماراتيين.
ولكنها في الوقت ذاته تستعد لدخول تجربة التعاون مع مطربين خليجيين وعرب، تقول في ذلك: «بعد الصدى الطيب الذي حققته أشعاري الغنائية، بدأتُ التفكير بالدخول في مجال التعاون مع مطربين خليجيين وعرب، وأعتقد بأن الفنان السعودي خالد عبدالرحمن سيكون من أفضل الاختيارات بالنسبة لي لغناء أشعاري، وأعتقد بأن انتشار الأغنية الإماراتية خارج حدودها الجغرافية خليجياً وعربياً سيكون أحد توجهاتي المستقبلية».
غنى لغياهيب مجموعة من أبرز النجوم في الإمارات، فغنى لها عيضة المنهالي: حامس البن، وغنى لها ميحد حمد: غلاها غير، يا عيوني، لحن الهوى، جرح القلب، شرع الحب، عيدك مبارك، وغنى لها حسين الجسمي، لحظة غضب، إنتو كفو، أرجوك، كل صيف، لبيه، الكرامة، وشب الجمر، بينما غنى لها حربي العامري لك تهاني العيد ومنصور زايد صباح الورد.
وكانت الخطوة التي لم يتوقعها أحد في مشوار غياهيب الذي يستمر كنهر صافٍ في بدايته؛ هي الأغنية التي كتبتها بالفصحى «لحظة غضب»، وترى أن تجربتها في كتابة قصائد الفصحى غير جديدة عليها وأنها ربما ستتكرر لاحقاً.
حديث الروح
لا تقتصر غياهيب على كتابة الأغنية الرومانسية أو العاطفية؛ فلقد كتبت مجموعة من القصائد للإنشاد الديني، ويختلف نمط كتابة غياهيب لهذا النوع من القصائد عما هو موجود في الساحة الشعرية للإنشاد الديني، ففي أنشودة «يا مالك الروح» التي كتبتها الشاعرة وأداها النجم ميحد حمد.
وأنشودة «يا إلهي رجوتك» التي أنشدها الفنان المعتزل الوسمي وابتهال «نفسك أمانة» لحسين الجسمي؛ تحيلنا طريقة كتابة غياهيب لهذه القصائد إلى عالم من الروحانيات القريب من التصوف الوجداني.
وتذكرنا بقصائد المتصوفة الشهيرة رابعة العدوية ونظرائها من شعراء التصوف أمثال البسطامي والحلاج والجنيد، فهي في أنشودة «يا مالك الروح» تقترب من لحظة الحب الصافي الذي يقول فيه الشاعر المتصوف: «تركتُ الخلق طرّاً في هواكا وأيتمت العيال لكي أراكا - فلو قطعتني بالحب إرباً لما مال الفؤاد إلى سواكا»، والمتأمل لقصائدها الإنشادية هذه يرى فيها أجواء لا تصوّر إلا بروح ووجدان صادق.
