عازف العود السوري عصام رافع، قبل ذاك الصيف لم تكن علاقته بالموسيقى تتجاوز الحفلات والنشاطات المدرسية، لكنه رأى آلة العود في منزل خاله أثناء زيارة العائلة إلى سوريا، فمسكها بين يديه، وجرب أن يعزف شيئاً وهو في الثانية عشرة، وإلى الآن لم يتخلَّ عن الموسيقى، ويقول عن آلته: «شعرت أن آلة العود تقف أمامي لتقول لي اخترني، ومنذ تلك اللحظة أعتبر نفسي وجدت كنزاً حقيقياً».

 

بعد ذاك الصيف عاد الوالد بالعائلة إلى الكويت نظراً إلى ظروف عمله، لكن عصام رافع كان وقع على كنزه، ولم يرد أن يستغني عنه، فبدأ يتردد على كل المجموعات المهتمة بالموسيقى في الكويت، وهو يحمل آلته محاولاً أن يلتقط أي إشارةٍ أو معلومةٍ جديدة تطور من قدراته، ليتعرف خلال هذه المرحلة على الموسيقي المصري عبد الرؤوف إسماعيل المقيم في الكويت أيضاً، فأخذ عنه مبادئ العزف الأساسية ليكمل عمله من خلال التدريب والجهد الشخصيين.

عام 1990 عاد إلى دمشق، في تلك السنة أعلن عن افتتاح المعهد العالي للموسيقى، فالتحق به مع طلاب الدفعة الأولى، كانت البداية صعبة، فمعظم الطلاب درسوا الموسيقى في سن مبكرة، وعلى أيدي أساتذة مختصين، كانت هذه نقطة تحول كبيرة لديه، دفعته لمضاعفة العمل مع آلته: أذكر أني كنت أبدأ بالتدريب من السابعة والنصف صباحاً وأستمر بعد منتصف الليل.

خلال هذه المرحلة درس رافع على أيدي الأساتذة فايز زهر الدين، ثم عارف عبد الله، وبعده عسكر علي أكبر ليتعمق معهم في الموسيقى الشرقية، ويدرس الكلاسيكيات الغربية ويطبقها على العود، وبعد انتهاء السنة الخامسة والأخيرة لدراسته اختاره الخبير الروسي فيكتور بابينكو ليعلمه النظريات والهارموني من بين جميع الطلاب، فكان أول طالب ينهي هذا التخصص في سوريا.

بعد التخرج بدأ العمل كمدرس في المعهد العالي، ولايزال إلى الآن يشغل منصب رئيس قسم الموسيقى الشرقية فيه، إضافةً إلى ذلك أسس عام 2003 مع صديقه الموسيقي وعازف الكلارينيت السوري كنان العظمة فرقة حوار التي شاركتهم فيها الفنانة السورية ديمة أورشو أيضاً، أطلقت حوار ألبومين إلى الآن هما (حوار) و(تسعة أيام من العزلة)، حققت الفرقة خلال هذه السنوات نجاحاً وحضوراً لافتين، فاستطاع رافع مع شركائه فيها أن يقدموا أعمالهم على مسارح أوروبية وأميركية مهمة منها مسرح (كينيدي سنتر في واشنطن)، كما جالوا في عدد من الدول العربية، وسيصدر لها خلال هذا العام عملاً جديداً أيضاً: لا تشير تسمية حوار إلى فكرتين أو آلتين تعملان مع بعضهما، إنما كان المقصود فيها معنى أكثر اتساعاً من خلال تكريس الحوار بين ثقافات وأنماط موسيقية وكثير من الاختلافات التي يمكن أن يقوم الحوار بينها ويكون مثمراً.

تحضر الفرقة حالياً لعمل مشترك يجمع بين العود والكلارينيت إضافة إلى صوت ديمة أورشو، وهو ليس عملاً غنائياً إنما موسيقياً صرفاً، على غرار ما قدمته خلال مسيرتها منذ ثماني سنوات.

إلى جانب حوار أسس عصام رافع عام 2004 فرقة رباعي طويس، وهي تخت شرقي تقليدي مؤلف من آلات العود والقانون والناي والإيقاع، قدم رباعي طويس الموسيقى الشرقية الكلاسيكية كما قدم إلى جانبها السماعيات، واللونغا، والرقصات، إضافةً إلى مجموعة من القطع الموسيقية المؤلفة حديثاً ومعظمها من تأليف أعضاء الفرقة التي جالت في فرنسا وألمانيا ودول أخرى.

حالياً تعمل في سوريا كثير من الفرق الموسيقية والتي أسسها موسيقيون شباب، هذه الظاهرة كانت موجودة في مرحلة الستينات وحتى منتصف السبعينات، لكنها ضعفت لتعود وتظهر خلال السنوات العشر الأخيرة بشكل كثيف وملفت على الساحة الموسيقية، وهي تقدم أنماطاً مختلفة ومتعددة من الموسيقا الشرقية و (الاورينتال جاز) أو الجاز الشرقي حتى موسيقى الراب والهيب هوب ويرى رافع أن مثل هذا الحراك يحمل بين طياته السلبي والإيجابي، وفي النهاية هناك عملية فرز ستظهر من يستطيع البقاء بصدق عمله.

منذ عام 2004 يقود عصام رافع الفرقة الوطنية السورية للموسيقى الشرقية، وهي تابعة للمعهد العالي للموسيقى وتضم حوالي 90 عازفاً وكورال من المغنيين، أغلبهم تخرج من المعهد خلال السنوات الفائتة، تميزت الفرقة في المرحلة الماضية بتقديمها لمجموعة من الحفلات، أدت خلالها أعمالاً انقسمت على ثلاثة محاور: الموسيقى الكلاسيكية المعروفة، والأعمال التراثية، إضافةً إلى الأعمال التجريبية والإبداعية الجديدة.

يرى بعضهم أن الفرق التي تقدم موسيقى شرقية، لا تحتاج إلى قائد، ويستندون بهذا الرأي إلى أن الموسيقى الشرقية تعمل ضمن لحن واحد، ويوافقهم رافع على هذا إلا أنه يضيف: مع وجود عدد كبير من العازفين، وعدد من الألحان والإيقاعات المتعددة لابد من وجود قائد للفرقة، خصوصا أن أعمالنا نقدمها بطريقة أوركسترالية.

تواجه الفرقة الوطنية للموسيقى الشرقية عقبات كثيرة منذ تأسيسها، في تسعينات القرن الماضي، هذه العقبات تتركز حول الدعم المادي لها رغم أنها تابعة للمعهد العالي للموسيقى، واستطاعت خلال الفترة السابقة أن تحقق نجاحات مهمة، وحضوراً جماهيرياً في الساحة السورية من خلال ما قدمته من حفلات على قلتها، ما يدفع رافع للقول: من المعيب جداً ألا يكون لسوريا فرقة بمستوى الفرقة الوطنية، بل يجب أن يكون هناك أكثر من فرقة، وأن تتلقى الدعم اللازم، نحن نبحث في هذه الأيام عن راعٍ ممول للفرقة.

أصبحت من العلامات المميزة في الذاكرة الموسيقية ما قدمته الفرقة خلال الفترة الماضية بالتحديد تلك اللوحات التراثية، التي ضمت أعمالاً من الأغاني التراثية والشعبية من مختلف المناطق السورية، هذا التراث استطاعت تقديمه: دون تحويل إيقاعاته إلى موضوع للرقص، لست ضد الرقص لكننا ضد تحويله مع التراث إلى الابتذال، نريد أن نقدم هذا التراث الغني بطريقة راقية.

تعتبر آلة العود تاريخياً من أكثر الآلات الموسيقية التي عرفت أسماءً لامعة في العالم العربي، وهي الآلة الأوسع انتشاراً بين مختلف الأوساط، كما برزت فيها أسماء لتجارب كثيرة :أحترم كل هذه التجارب التي قدمت موسيقاها من خلال آلة العود، لأني أؤمن بالحوار والانفتاح، فمن خلال السفر والمشاركات الكثيرة في عدد من دول العالم تلتقي بكثير من الموسيقيين، ومنهم من يقنعك بموسيقاه ومنهم من تقنعه أنت بما لديك، لذلك أحترم ما يقدمه غيري من العازفين والحكم يأتي لاحقاً. لكنه من مكانٍ آخر يلوم الإعلام لأنه: مقصر أحياناً في البحث عن الأسماء الجديدة، ودعم تجارب تستحق أن يقدم لها الدعم في الساحة العربية.

إلى جانب الإعلام يطالب بوجود حراكٍ نقديٍّ، يوازي الحراك الموسيقي، ويتمتع بمنهاج نقدي بعيداً عن الانطباعية والإحساس الآني.

وهو ما يغيب عن الصحافة السورية، فلا يوجد نقاد مكرسون لمتابعة الإنتاج الموسيقي، ويقتصر معظم ما تنشره الصحف على التغطيات لبعض الفعاليات الموسيقية أو الحوارات مع بعض الأسماء الموجودة، بينما يغيب النقد المتابع والمنهجي للحركة الموسيقية، فلا تقوّم أخطائها على أسس منهجية، ولا يلفت النظر إلى التجارب المميزة: أعتقد يجب أن يكون لدينا أكاديمية نقدية، شبيهة بالأكاديمية الموجودة في أوروبا والتي أسهمت بالفعل في ارتقاء التجارب الموسيقية.

خلال مسيرة عمله قدم رافع أعمالاً تنتمي إلى ما بات يعرف بالموسيقى الآلية أي الخالية من الغناء، وحتى مع وجود ديمة أورشو ضمن فرقة حوار أدت فقط بعض المقاطع الصوتية ولم تقدم مع الفرقة أعمالاً غنائية، وحالياً يشهد العالم العربي كثيرا من التجارب التي تتجه نحو الموسيقى الآلية لتكريسها ضمن المشهد الموسيقي، علماً أن التراث العربي لم يعرف هذا النوع من قبل فكان الإنتاج الموسيقي مرتبط بالكلمة دائماً: تراثنا بالكامل غنائي، لكن على سبيل المثال أوروبا أيضاً تراثها غنائي وكنسي واستطاعت أن تنجز موسيقى آلية رغم كل الاعتراضات التي واجهت بدايتها، فما المانع أن نخطو الخطوة نفسها التي أثبتت نجاحها حتى الآن، خصوصا أن المؤلف الموسيقي عندما يفكر في الآلة فقط تختلف لديه آلية التفكير والأدوات بالتأكيد.