من وسطية النظرة إلى الرجل ـ كإنسان مكافح يشقى من أجل توفير القوت لعائلته، أو رجل أعمال عصامي يصعد القمة بشق الأنفس، وشاب تولى مسؤولية أسرته ـ إلى زير نساء، سكير، عربيد، وضيع في سلوكياته، غير أمين على المرأة بشكل عام.. على هذا النحو تغيرت صورة الرجل على الشاشة عبر ما اصطلح على تسميته بـ«سينما المرأة» التي قدمتها سبع مخرجات اقتحمن المجال السينمائي، نهاية الثمانينات هن إيناس الدغيدي ونادية حمزة وأسماء البكري قبل أن ينضم إليهن كل من هالة خليل وساندرا نشأت وكاملة أبو ذكري ومنال الصيفي.
كانت بعض الفنانات قد اقتحمن مجال الإخراج السينمائي في ثلاثينات القرن الماضي عن طريق كل من عزيزة أمير وفاطمة رشدي وبهيجة حافظ، وقد حافظن على وسطية الرؤية السينمائية لقضايا كل من الرجل والمرأة على نحو سواء.. لكن الجيل الذي برز نهاية الثمانينات، حاول تشويه الرجل بصورة غير مسبوقة، حين تم تقديمه في صورة الرجل الضعيف المعتمد على المرأة، وأهمل قضايا الرجل المكافح، فأنتج ثقافة مضادة للثقافة الذكورية وإن كانت في نفس الوقت بعيدة عن الثقافة النسوية.
وبمرور الوقت حملت ذاكرة السينما حوالي 24 فيلماً من إجمالي 30 فيلماً لهن، أظهرته بصورة سلبية وغير حقيقية، منها أفلام «عفواً أيها القانون، ملاكي إسكندرية، الحياة منتهى اللذة، دانتيلا، المرأة والقانون، مبروك وبلبل، معركة النقيب نادية، عن العشق والهوى، استاكوزا، امرأة واحدة لا تكفي، قضية سميحة بدران، ليه خلتني أحبك، فساد، صعاليك، وحياة قلبي وأفراحه, ملك وكتابة، ديسكو ديسكو، كونشرتو في درب سعادة، كفري عن خطيئتك، زمن الممنوع، سنة أولى نصب، القاتلة، التحدي،ومذكرات مراهقة، لحم رخيص، بحر الأوهام، أحلى الأوقات، الباحثات عن الحرية، حراميه في كي جي تو، وحرامية في تايلاند».
صورة سطحية
ويعلق الناقد الفني طارق الشناوي على الظاهرة قائلا: إن الهدف الرئيسي من وراء هذه التشويه، هو الظهور والربح من وراء العمل الفني دون التطرق إلى الواقع الخاص بالرجل ومناقشة مشكلاته الحقيقية، فكانت الصورة سلبية للغاية، حيث أظهرنه في صورة سطحية دون أن يعبرن عن الدور المهم الذي يلعبه كرب أسرة ومسؤول عن أعضائها.
ومن النماذج السيئة التي قدمتها بعض المخرجات عن الصورة السيئة للرجل- على حد قول الشناوي- شخصية الرجل المزواج مكتمل الذكورة الذي تتهافت عليه النساء في فيلمي «امرأة واحدة لا تكفي» و«دانتيلا»، حيث صورته المخرجة كالرجل الذي يجمع بين أكثر من امرأة، كذلك تدبير المرأة للفوز بالرجل كما في فيلم «ليه خلتني أحبك» وصورة الرجل العاجز جنسياً كما في فيلمي «عفواً أيها القانون» و« وحياة قلبي وأفراحه».
في حين قدمت بعضهن أفلاماً بدا فيها الرجل مسانداً للمرأة ويقف معها في أزماتها كشخصية الرجل المحامي المدافع عن المرأة والمساند لها من أجل غرض معين كما في فيلم «منتهى اللذة» كذلك فيلم «ملاكي إسكندرية» التي صورت فيه الرجل نصير المرأة حتى يحصل على مآربه.
وفي الإطار نفسه تؤكد الناقدة ماجدة موريس أن الضجة التي أحدثتها الأعمال الفنية الخاصة بالمخرجات دفعتهن إلى تشويه أكثر لصورة الرجل في السينما خلال السنوات العشرين الماضية مع ميلاد 7 مخرجات و13 مونتيرة بالرغم من مطالبتنا مرات عديدة بعدم تشويه صورة الرجل سينمائياً وطرحها واقعياً لكن للأسف لم نجد صدى لهذا التوجيه في جميع المراحل الفنية.
الرجل الضعيف
وأشارت إلى إغفال السينما النسائية، قضايا الرجل المكافح في الريف بالذات منذ بداية التسعينات، وركزت على رجال المدينة، حيث جاء ذلك بالتبعية من قصص الكاتبات المصريات التي بدأت في إعطاء صورة مشوشة عن الرجل وغفلت عنها عمداً في أحيان أخرى، مقابل اهتمامهن بالشخصيات النسائية المسكوت عنها في المجتمع أو المهمشة، مما يؤكد أن هناك إيجابية من جانب الكاتبات والمخرجات نحو قضايا المرأة في حين يضعن صورة الرجل هامشية ومكملة للأحداث الأساسية للمرأة دون التعرض للأبعاد الحقيقية في شخصيته من الناحية الإنسانية كما في فيلمي «أحلى الأوقات، والباحثات عن الحرية» كما حاولن إظهاره في صورة الرجل الضعيف المعتمد على المرأة سواء كان هذا الاعتماد ناتجاً عن عاهة جسدية أو من خلال توجيهه إلى الطريق الرشيد كما في فيلم «حرامية في تايلاند» كذلك قمن بإعطاء صورة أكثر سلبية وتفنن في تشويه صورته من خلال تجسيده في عدة أنماط كالمعاق ذهنياً والمهزوم نفسياً مثل «مبروك وبلبل» بالإضافة للمنحرف وممارس الدعارة والمقتول بيد امرأة والجاهل والمستغل للمرأة أيضا.
لغة سهلة للوصول إلى قلب الجمهور
وإذا كانت ماجدة موريس قد اتهمت مخرجات السينما الحديثة بتشويه صورة الرجل في الأفلام، فإن المخرج داود عبد السيد، يرى أن صناع السينما النسائية منذ بدايتها بشكل عام، اعتادوا تشويه شخصية الرجل، حيث ظلت القضايا المطروحة في أفلام مخرجات السينما الروائية تحاول وضع كيان للمرأة، فظلت تكرس علاقة المرأة بالرجل بإظهار بعض الأمور للفت النظر إليها وتعرية الرجال تماماً وإظهارهم بصورة سلبية من خلال قصص الحب المستحيل والغيرة القاتلة وقسوة الأب التي يصير معظمها محركاً لصراعات ميلودرامية تضيف إلى رصيد البطلة وتقلل من شأن البطل، فجاءت مخرجات الثمانينات اللاتي وجدن أن استثمار تلك «التيمة» في الأفلام هو الطريقة المثلى لتحقيق الأرباح مع إضافة الطابع النضالي والنسائي المزيف على موضوعات أفلامهن، فتضمن للمتفرج قدرا من التشويق والتسلية والإثارة البوليسية وتثير لديه الرغبة في تقييم الشخصيات بمعنى أن هذا طيب وهذا شرير بشكل ساذج، ولا يتعدى هذا التقييم في النهاية حدود التفاعل سلباً أو إيجاباً مع شخصية الرجل في العمل الفني.
وأوضح أن السبب الرئيسي وراء تشويه صورة الرجل في السينما الحديثة هو إيناس الدغيدي التي اعتبرها البعض أمل سينما المرأة فحاولت استثمار ذلك على حساب الرجل لكنها قادت الجميع إلى قضايا زائفة لا تبحث خلالها سوى عن المكسب المادي وإن كان معظمها يدور حول قضايا الأحوال الشخصية التي تجعل صورة الرجل أشد سوءاً بداية من «عفواً أيها القانون» ثم «التحدي» و«زمن الممنوع» و«قضية سميحة بدران» و«امرأة واحدة لا تكفي» و«القاتلة» و«ديسكو ديسكو» و«كلام الليل» و«دانتيلا» حتى وجدت أن التعرض للرجال بأي طريقة من الطرق لغة سهلة للوصول إلى قلب الجمهور.
طموح المخرجات
لكن المخرجة الشابة كاملة أبو ذكري تدافع عن جيلها قائلة: إن مخرجات الجيل الجديد أثبتن وعياً وقدرة على التعامل مع فن السينما يفوقان الأجيال السابقة بكثير، وليس معنى التركيز على القضايا النسائية أنه تشويه لصورة الرجل، ويكفي أن آخر أفلامي «واحد صفر» حصد عشرات الجوائز من كل المهرجانات، بالرغم من أنني انتصرت خلاله لقضايا المرأة دون التعدي على حقوق الرجل، مما جعله ينجح على المستوى النقدي أو في شباك التذاكر، كما أن هناك أفلاماً كثيرة لمخرجات جديدات لم تنتصر للمرأة، وقدمت نماذج سلبية لها من خلال شخصيات تسعى للانتقام من الرجل؛ لأن المرأة ليست مظلومة على الدوام ولا تثير الشفقة في كل الأعمال.
وأوضحت أن طموح المخرجات الجديدات لا يقف عند نقل طبيعة العلاقة بين المرأة والرجل على الشاشة، لكنه تجاوز هذه النظرة بمراحل فقد أثبتن قدرة فائقة على البحث في كل القضايا بعيداً عن إطار قضايا النساء الضيق إلى سينما (الأكشن) والبوليسي المشوق حتى أثبتن موهبتهن كمخرجات متميزات والدليل على ذلك أفلام «الشبح، والرهينة، وملاكي إسكندرية» للمخرجة الشابة ساندرا نشأت.
