تروي بعض المدونات التاريخية أن مجموعة من العمال المساكين في ظل الدولة الإغريقية؛ تجمعوا داخل مكان عملهم في «مقلع الحجارة» التي تبنى منها قصور المترفين الفاخرة، تجمعوا طلباً للدفء في إحدى الليالي الباردة، فنهض أحدهم وشاهد ظله على الجدار الصخري، فقام بأداء بعض الحركات بجسده فأعجبت أصحابه، فاستمر في تجسيد حركات لأشخاص معروفين في تلك الفترة من آلهة وغيرها وأمراء مستعيناً بضوء اللهب المتصاعد وهو ما سيطلق عليه لاحقاً «نيران المباهج»، ومن هناك انتشرت فكرة تجسيد الشخصيات لتتطور لاحقاً إلى شكل المسرح الذي استمر في ظل الإمبراطورية الرومانية وأخذ أشكالاً متعددة ومنها المسرح الأدائي أو الفنون الأدائية التي استمرت حتى عصر «محاكم التفتيش» في أوروبا حيث حاربتها الكنيسة بكل الأشكال، ودخل المسرح عصر الحداثة والتجريب وغيره من المصطلحات، وتأكيداً للحقيقة التي لا مفر عنها فان مصطلح الفنون الأدائية الذي يشمل عدة أنواع ظهر باللغة الإنجليزية لأول مرة عام 1711م رغم وجوده الفعلي قبل ذلك.
في عصرنا الحالي حدث شرخ كبير بين المسرح ورواده والجمهور الذي يعد الحجر الأساس للمصطلح الشامل للمسرح، ورغم أن وسائل الإعلام العربية أكدت أكثر من مرة بأن الخلل الموجود بين المسرحيين والجمهور متواجد بكثافة في الشرق الأوسط وفي عالمنا العربي على وجه الدقة، إلا أن ظاهرة انهيار جسور التواصل بين «النخبة» و«العامة» شاملة في كل أرجاء المعمورة، ما يحيلنا إلى طرح هذه المقدمة المطولة -بعض الشيء- هو الانطلاق المرتقب قريباً للموسم الثالث لعروض مهرجان «المسرح العالمي» الذي تنظمه هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، ويجمع ثقافات العالم في مكان واحد. وبنظرة متأنية لبرنامج هذا الموسم الذي لا يختلف كثيراً عن خط ومختارات الهيئة من الأعمال العالمية، نجدها بأغلبها تدور حول «العروض أو الفنون الأدائية» وفن الأداء التعبيري بمعنى أنها موجهة بصفة خاصة إلى شريحة النخبة من الجمهور في الدولة، بل إن العمل المسرحي الكلاسيكي الوحيد ضمن برنامج هذا العام وهو مسرحية الأديب الإنجليزي ويليام شكسبير «هاملت» ستقدم بشكل حداثي يقترب من سمة الفن التعبيري والأدائي عبر تجسيد الممثل الإنجليزي روري كينير، الحائز على جائزة أفضل ممثل مسرحي للعام 2010م، حيث يقدم شخصية هاملت المعقدة بصورة معاصرة تقترب كما أشرنا من الفن الأدائي أكثر منه تقديمها بصورتها الكلاسيكية، عن برنامج هذا العام من عروض «المسرح العالمي» توجهنا بالسؤال للفنان الإماراتي عبد الله العامري مدير إدارة الثقافة والفنون في هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، حول معايير الاختيار لهذه العروض والجمهور الذي تخاطبه وتأثير تقليص الإنفاق على نوعية العروض، فكان هذا الحديث القصير الذي نعقبه بقراءة سريعة للعروض:
بدأ العامري حديثه بالتأكيد على عدم تأثر اختيارات هذا الموسم وميزانيته بأي أزمة أو تقليص للإنفاق قائلاً: «أقولها صراحة إننا مستمرون في إثراء المشهد الثقافي والفني والتراثي في أبوظبي وفق ذات الرؤية التي انطلقت من خلالها هيئة أبوظبي للثقافة والتراث منذ سنوات والمبنية على الخطة الاستراتيجية لإمارة أبوظبي، ومن ناحية الميزانية وتمويل برامجنا ومنها برنامج عروض المسرح العالمي فإننا لم نتأثر بأي ظروف أو أزمة مالية، وأن الهيئة وجدت لا كمؤسسة تجارية أو ربحية بل أن إثراء الثقافة والحفاظ على التراث المحلي وترسيخ اسم أبوظبي كعاصمة للثقافة العالمية ومركز إشعاع حضاري لكل ثقافات العالم وفنونه هو ما ننظر إليه دون أن يفوتنا مبدأ التوازن في الإنفاق.
حول خلو قائمة موسم عروض المسرح العالمي من أسماء وأعمال عربية وما إذا كان يعني ذلك أن المسرح العربي بعيد عن شكل الفنون الأدائية يقول العامري: «منذ أن أطلقنا البرنامج في 2009م، فإننا وضعنا نصب أعيننا استقطاب الكثير من الثقافات الموسيقية المسرحية من مختلف أنحاء العالم، وعرض عدد من أهم الأعمال في مجال الفنون الأدائية التي تمتاز بتكامل الأساليب والأصوات والأدوات الموسيقية والحركات والمؤثرات، وحول مشاركة الأعمال العربية في البرنامج، فالإجابة تقول إن هذا النوع من الفنون مقتصر على عدد قليل من الفنانين العرب، ورغم ذلك فأنا أؤكد أن برامج المواسم المقبلة - وخصوصاً الموسم المقبل- ستحوي مجموعة من العروض العربية التي توازي ذات العروض العالمية المختارة.
أما عن المعايير التي تضعها «الهيئة» لاختيار الأعمال وتوجهها نحو شريحة معينة نخبوية من الجمهور، فيقول العامري: «نتابع عروض الفنون الأدائية في أغلب دول العالم، ولدينا مختصون نتواصل معهم في مجموعة من مناطق العالم، ومعاييرنا التي نضعها وفق أعلى درجات التقييم يمكن حصرها بالتالي؛ اختيار عمل نال نجاحاً وإعجاباً في موطنه الأصلي من ناحية الجمهور وناحية النقاد، ونقوم بمشاهدة بعض تلك العروض إما بصورة حية أو عن طريق مشاهدتها مسجلة، وما يهمنا أن يتضمن العرض شيئاً جديداً للجمهور وتقديم فن هادف يوصل رسائل إنسانية حضارية متجددة للجمهور، وحول الجمهور واقتصار المتابعين للعروض على ما يعرف بالنخبة، فأقول أننا نختار هذه العروض بمراعاة مبدأ التوازن بمعنى أنها موجهة للجمهور العام كما هي موجهة للنخبة، وحين نستضيف هذه العروض فاننا نشرك شرائح مختلفة من المجتمع المحلي مثل طلبة الجامعات وبيت العود العربي في ورش عمل متخصصة يقدمها نخبة الفنانين العالميين في هذه العروض.
يعتبر العرض الأدائي الموسيقي الراقص «الطريق العمودي» للمؤدي العالمي أكرم خان هو بوابة الافتتاح لعروض هذا الموسم، ويستمر خان ذو الجذور البنغالية والمولود في بريطانيا في تقديم عروضه المذهلة في فن الرقص التعبيري المقتبس عن حضارات متعددة الثقافات حيث يجمع في هذا العرض نخبة من نجوم الفنون الأدائية الشرقيين والغربيين في عمل مشترك، وعرض خان الذي سبق له أن قدم عرضين سابقين في الموسمين السابقين للبرنامج- هو الأكثر حداثة في نتاجه الفني منذ انطلاقه في عام 2000م بتقديمه لعرضه الأول «المهابهارتا» عن الأسطورة الهندية الشهيرة، ورغم غموض إجابات خان في لقاءات صحافية سابقة حول مبدئه الفلسفي الذي يجسده من خلال عروض، فان جزءاً كبيراً من فنه يرتكز على النظرية الفلسفية المتداولة شرقاً والمعروفة بـ«وحدة الوجود» الذي قتل «الحلاّج» بسبب إشهارها عقائدياً في القرن الثالث الهجري، ولكي لا نذهب بعيداً؛ فإن عروض أكرم خان السابقة وعرضه الحالي «الطريق العمودي» تحمل متعة ولمحات جمالية تعكس بعضاً من أسرار الجسد الإنساني حين يعبّر عن نزعة روحية تقترب من السحر الأزلي للوجود، وتترك عروض «خان» لدى من يشاهدها انطباعات جمالية مؤثرة.
ليس بعيداً كثيراً عن أكرم خان وما يقدمه من أداء؛ يأتي العرض الثاني لراقصة «الكاثاك» الكلاسيكي سونيا صبري التي تعود جذورها لشمال الهند وتعيش في بريطانيا، فسونيا صبري لمن يشاهدها على مئات مواقع الشبكة العالمية فأنه يشعر أنها تطير في الهواء ولا تلامس قدماها خشبة المسرح في لحظات الرقص التعبيري الذي خلطت فيه سونيا بين الجذور الكلاسيكية الهندية والنكهة المعاصرة التي لا تغيب عن عرضٍ من عروضها، أما العرض الآخر المهم ضمن هذا الموسم فيكمن في مسرح «ميتو» القادم من الولايات المتحدة وعرضه «فوضى» المقتبس عن أعمال الكاتب الإيطالي ليغي بيرانديلو، وهو من العروض النخبوية بالكامل، حيث تقدم فرقة مسرح ميتو هذا العرض بأسلوبها التعبيري الحداثي الذي يصدم المشاهد بمسير متواصل مع أعمالهم الفنية السابقة والتي تمتاز بالجرأة والارتكاز على حركة الجسد والديكورات الصادمة، كما تنضم لعروض هذا العام فرقة سيمارون الكولومبية الموسيقية الراقصة.
العمل الكلاسيكي الوحيد ضمن برنامج هذا العام يأتي من بريطانيا عبر مسرحية هاملت لويليام شكسبير؛ إلا أن مصطلح «الكلاسيكي -إذا ما جردنا العمل من اسم شكسبير وهاملت- يبدو في غير محله بالنسبة لهذا العرض لأنه يقدم بصورة حداثية نخبوية للغاية، حيث يجسد روري كينير شخصية هاملت التراجيدية بإطار حداثي معاصر، فشخصية هاملت ذلك الأمير الدانماركي الذي يحثه شبح أبيه على الانتقام لمصرعه والخيانة التي ارتكبت بحقه من قبل شقيقه كلوديس وجرترود أم هاملت وزوجة كلوديس لاحقاً وبقية أفراد الأسرة الحاكمة، كل ذلك لا يظهر بالديكورات والأحداث التاريخية والكلاسيكية للنص الأصلي، بل أن روري كينير جسد الشخصية وتعقيداتها بأسلوب معاصر بعيداً عن الشكل الكلاسيكي للمسرحية، ويمكن أن يجري وضع هذا العام ضمن الفنون الأدائية النخبوية التي ترتكز عليها عروض المسرح العالمي).
