بعد تقديمه سيناريوهات «الجزيرة» و«أحلام حقيقية» و«ألف مبروك»، أكد المخرج والمؤلف محمد دياب أن فيلمه «678 » الذي تناول ظاهرة التحرش الجنسي في مصر وحصد جائزتين في التمثيل للفنانة بشرى وماجد الكدواني من مهرجان دبي السينمائي الدولي في دورته الأخيرة، لا يتكلم عن التحرش فقط إنما يركز أيضا على القهر والكبت لدى معظم النساء في مجتمعاتنا العربية، وأضاف في حواره مع (الحواس الخمس) أن الرجل ينظر دائما للمرأة على أساس أنها الشخص المدان وهي المسؤولة عن تحرش الرجل بها، وهذا عار عن الصحة ويحتاج إلى مواجهة الحقيقة التي يطرحها الفيلم.
بداية الفكرة
ولكونه يحرص على تقديم أعمال مستمدة من الواقع ، أشار دياب إلى أنه تعرّف على تلك القضية للمرة الأولى من متابعة الأخبار التي تنشر في الجرائد، واسترسل قائلا: شعرت أن الأمر يشغلني ذهنيا ونفسيا وشرعت في البحث والمتابعة على تفاصيل هذه القضية، وما يحدث في الأتوبيسات ومسألة الليمون الذي يضعه المتحرش في جيبه ليعرف مدى استجابة أو رفض الضحية وتشكلت لدي تدريجيا رغبة في الكتابة، وكتبت بالفعل فيلما قصيرا كنت أنوى إخراجه بنفسي، ثم التقيت بعد ذلك بالممثلة بشرى وتحدثنا عن الفكرة فعرضت على أن أحولها لفيلم طويل على أن تتولى هي إنتاجه وهذا ما حدث بالفعل.
المحور الرئيسي
وحول المحور الرئيسي في موضوع الفيلم قال دياب: تفجرت بعد ذلك قضية نهى رشدي أول فتاة ترفع قضية تحرش جنسي، فذهبت إلى المحاكمة وحضرت الجلسة وبالصدفة جاء جلوسي إلى جانب بعض مصوري التلفزيون والمراسلين الصحافيين وكانوا يتحدثون فيما بينهم باستهانة عن القضية، وشعرت بدهشة شديدة وكتبت هذا الحوار بالنص في إحدى نسخ السيناريو ثم قمت بحذفها.
فضيحة الاعتراف
وعند سؤاله: هل تقصد دهشة رد فعل الجمهور أم الدهشة من القوانين التي لا تفعل؟، أجاب دياب: فعلا المشكلة ليست في القانون ولكن في تفعيله، فالسيدات يعتبرن اعترافهن بأن أحدا قد تحرش بهن فضيحة وهذا ما يناقشه الفيلم، فالمتحرش مجرم ويجب عقابه وتطبيق القانون عليه، ويجب أن تكون الرقابة نابعة من المنزل وليس من القانون فقط، حيث إننا نعيش عصر الفضائيات والإنترنت الذي يجعل كل شيء مباحا، وسيدفع عن قريب إلى إلغاء دور الرقابة تماما.
أغاني التحرش
وحول مشهد معاكسة الظل الذي يغنى فيه المتحرش أغنية تامر حسنى «طيبة قلبك» وهي تعكس حالة بعض الأفلام والأغاني التي تروج للتحرش، قال دياب: عندما قمت بمشاهدة التحرش الموجود في الفيديو كليب لم أكن أعلم أن هذه المشاهد كارثة وسيستخدمها الشباب أسلوبا جديدا للتحرش والتحريض عليه، وبالتالي حرصت على أن تظهر بالشكل الذي سبب صدمة وأثار كثيرا من الجدل.
عنوان الفيلم
وعن سبب لجوئه إلى عنوان 678 » » وعدم خوفه من أن يكون غير مفهوم، أستطرد قائلا: عندما كان العمل مجرد مشروع فيلم قصير كان عنوانه (76 بشرطة) وهو رقم لأتوبيس على احد الخطوط داخل القاهرة، وعندما أصبح مشروعا طويلا اخترت عدة أسماء لم تكن مقنعة بالنسبة لي، لكنني في النهاية شعرت بالاطمئنان لهذا العنوان الذي يعكس واقع ما يحدث في المواصلات العامة التي يتردد عليها الشريحة الأكبر من المصريين.
ثلاثة نماذج
وأشار محمد دياب إلى حضور الشخصيات النسائية في فيلمه على حساب العناصر الرجالية قائلا: هذا عمل يجب أن يروى بصوت ومشاعر وذهنية امرأة لأنه في رأيي أن أحد أهم الأسباب لزيادة ظاهرة التحرش هو أن الرجل لا يستطيع أن يفهم طبيعة المرأة، فالمتحرش ليس مريضا بل لا يعلم الفرق بين التحرش والمعاكسة، ولا يدرك أن تلك اللمسة التي يتجرأ عليها يمكن أن تدمر حياة هذه الإنسانة تماما، وفى الفيلم ثلاثة نماذج نسائية تنفجر حياتهن بسبب تلك اللمسة، فايزة (بشرى) من طبقة اجتماعية تحت المتوسطة، تعمل موظفة بالشهر العقاري وتتعرض للتحرش في الأتوبيس بشكل يومي، ما يؤدي لمشاكل نفسية عنيفة تؤثر على تواصلها مع زوجها (باسم سمرة) نتيجة لشعورها بالمهانة اليومية وعدم الأمان، صبا (نيللي كريم) من طبقة راقية تحضر إحدى مباريات المنتخب المصري بصحبة زوجها (أحمد الفيشاوي) وتتعرض للتحرش أمام عينيه، وهو ما ينتج عنه تدهور العلاقة بينهما بسبب ابتعاده عنها بعد الحادثة لدرجة فقدها لحملها، البنت الثالثة هي نيللي رشدي (ناهد السباعي) وهي القصة الحقيقية لنهى رشدي صاحبة القضية الشهيرة.
رصد الانفعالات
وحول اعتماده في تصوير الفيلم على الشكل البصري غير المستقر من خلال كاميرا محمولة غير مستقرة تتلصص على الأبطال وردود أفعالهم وتصرفاتهم، قال دياب: اعترف بأن الأفلام التي تحتوي على دراما تسجيلية مطعمة بعناصر روائية تستهوينى كثيرا، فهناك شيء ما يربطني بكل ما هو واقعي وحقيقي أو بدراما الحياة، وبالتالي كانت تلك الخشونة أو عدم الاستقرار خلال الكادر تمنحني الإحساس أنني أصور أشخاصا عاديين يمكن أن يكتشفوا وجودي بالكاميرا وسطهم، ولذلك كنت أتلصص عليهم محاولا كشف انفعالاتهم ورصد تلك اللحظات الدقيقة والمحرجة أحيانا.
السينما النظيفة
وعلق محمد دياب على فكرة استخدامه السينما النظيفة واعتبار البعض لها بأنها مثالية وتلبس رداء الوعظ قائلا: ليس لي شأن بالمسميات، سواء سينما نظيفة أو سينما (عري)، الفكرة إنه ليس هناك شيء في الدنيا لا يخلو من الأخلاق السياسية، أو حتى الأخلاق الرياضية، وبالتالي لا يمكن إخلاء السينما من الأخلاق ولكن السؤال المهم هنا هل أنت في داخلك أخلاقي أم لا أخلاقي؟ وأعتقد أن ما قدمته في (678) كفكرة ليس فيها أي وعظ.
