«حلم صغير كلما امتلكت فيه أكثر، ازددت طمعاً وطلبت المزيد»؛ بهذه العبارة يلخص الياس أيوب 1986 علاقته بالفن التشكيلي، ويضيف الفنان الحاصل على جائزة (عبداللطيف الصمودي عام 2008): «إضافةً إلى أن الرسم متعة، فهو علاقة قائمة مع الجمال، ومع عالم خاص تستطيع أن تأخذه إلى حيث تريد من خلال جهدك كفنان».
بينما ترى الفنانة التشكيلية هبا العقاد 1981 أن: «الفن ليس هواية لإكمال الحياة، إنما هو الأساس والمشروع الذي يعمل الفنان لأجله في حياته».
عرفت الساحة التشكيلية السورية خلال الفترة السابقة، أسماء كثيرة لفنانين تشكيليين شباب استطاعوا أن يحجزوا مكانهم من المعرض الفردي الأول، أو من خلال اشتراكهم في معارض جماعية، ضمن حراك لافت ربما تتفرد فيه ساحة الفن التشكيلي السوري عن باقي حقول الثقافة، ويعود هذا إلى نشاط حركة الغاليريات وصالات العرض، وافتتاح عدد منها في دمشق وحتى في باقي المحافظات والمدن السورية، إضافةً إلى سعي بعض المقتنين من السوريين والعرب إلى طلب اللوحة التي ينجزها فنانون سوريون، ما انعكس على النشاط التشكيلي بشكل عام.
لكن هذا النشاط في الساحة التشكيلية، انعكس جزء منه على العلاقة القائمة بين الفنان وصالة العرض، خصوصاً بالنسبة للشباب منهم، والذين يهمهم أن تعرض أعمالهم، فيما الصالات تلجأ إلى الأسماء الكبيرة من التشكيليين السوريين.
وهنا تقول العقاد: «أهم عقبة تواجه الفنانين الشباب هي الغاليري، الذي لا يسعى للمغامرة بأسماء شابة، ومع ذلك لا يجب أن يتوقف الفنان عند هذه المشكلة، لأنها ستبقى قائمة في المدى المنظور، إنما عليه المواظبة على عمله، وحتى محاولة طرحه في الدول المجاورة».
لا تقتصر العلاقة القائمة بين الفنان وصالة العرض، على مشكلة إتاحة الفرصة أمام الفنانين الشباب لتقديم أعمالهم، إنما تتعداها إلى مشكلة مادية يعيشها معظم الفنانين الشباب الذين قرروا التفرغ للعمل الفني، ويرى الفنان النحات يامن يوسف 1982 أن: «الفنان في حاجة لمردودٍ ماديٍّ حتى يواصل عمله، ومعظم الشباب اليوم يعملون في مجالٍ آخر إلى جانب عملهم الفني حتى يستطيعوا المواصلة».
يطالب يوسف أن تكون العلاقة بين الفنان وصالة العرض «أكثر احتراماً»، لأنها علاقة «متبادلة ويجب أن تعود بالنفع على كلا الطرفين».
عرف المحترف التشكيلي السوري حركةً وافرة منذ أواسط القرن العشرين، ما خلق فيه أجيالاً متعاقبة من المؤسسين والرواد، وصولاً إلى الجيل الشاب، وتقف اليوم بعض الأسماء من الأجيال السابقة، والتي يسعى المقتنون إلى أعمالها كما تسعى صالات العرض لتقديم تجاربها، في وجه انتشار أعمال الشباب وأساليبهم الفنية التي بدأت تشق طريقها ضمن المحترف السوري، فعلى سبيل المثال استخدم بعض الشباب أسلوب القطع في اللوحة، بينما لجأ بعضهم إلى الاستفادة من تقنيات الفيديو والصوت لتغدو معارضهم عبارة عن معارض تجهيز كاملة في محاولةٍ للخروج من عباءة الآباء، وربما يأتي اسم شاهين عبدالله 1978 كواحد من أهم الأسماء التي استخدمت هذه التقنيات بالتحديد من خلال معرضه الأخير (غرباء) الذي أقيم في المركز الثقافي الفرنسي بدمشق، ويؤكد عبدالله: «بالفعل إن أهم ما أريده هو التمرد على هذه اللوحة الرتيبة التي تظهر في سوريا، ويكرسها فنانون لهم اسمهم على الساحة التشكيلية، أريد للعمل أن يترك الإطار الكلاسيكي للوحة الذي يعرفه الجميع».
تتقاطع هبا العقاد مع عبدالله، فهي استخدمت في انجاز أعمالها القماش، ولاقت تجربتها نجاحاً منذ معرضها الأول، هذه التقنية وصلت إليها العقاد بعد تجريب طويلٍ في مشغلها، وتضيف: «بالنسبة لي لم يكن استخدام تقنية القماش مصادفة، إنما أتى نتيجةً لبحث وجهد وتجريب طويل، ربما يرتبط في مكان ما بذاكرتنا الجمعية كنساء في المنطقة استخدمت أمهاتنا وجداتنا الإبرة والقماش والمطرزات في أعمالهن المنزلية».
تتوزع هموم الجيل الشاب من التشكيليين السوريين على أكثر من ناحية، فإضافةً إلى مشاكلهم مع السوق وصالات العرض والأسماء الفنية التي تحتل الساحة التشكيلية بوصفها نجوماً، يأتي غياب صحافةٍ نقديةٍ تشكيليةٍ مختصة كواحدة من أهم المشكلات التي يواجهونها، فالصحافة السورية إلى الآن تفتقر لهذا النوع من التخصص بالفن التشكيلي، ولا تتعدى كتاباتها النقدية، على بعض الأسماء ومعظمها يكتب (نقداً انطباعياً)، إن لم تكن مقالات علاقات عامة بين بعض الصحافيين والفنانين التشكيليين المكرسين، أو حتى صالات العرض.
وفي هذا السياق يرى الياس أيوب أن: «في سوريا أسماء جديدة لديها طاقات كبيرة في الوسط التشكيلي، وهي بالفعل في حاجة إلى حركة نقدية موازية لإنتاجها تقوّم أخطاء هذا النتاج وتلقي الضوء على التجارب المهمة والمميزة الموجودة».
قبل عقود قال الفنان التشكيلي السوري الراحل فاتح المدرس جملته الشهيرة: «لم يعد الفن مرحاً». ربما اليوم يحمل كل واحد من التشكيليين السوريين الشباب هذه الجملة في ذهنه محاولاً التعبير عنها ضمن أسلوبه ومنهجه، خاصةً مع غزو معايير السوق وطلبات المقتنين لأعمال كثيرين من التشكيلين السوريين.
وهنا ترى نور عسلية 1984 خريجة نحت ومعيدة في جامعة دمشق أن: «المشكلة أحياناً تكمن لدى مقتني اللوحات والأعمال الفنية، لأنهم في أحيانٍ كثيرة تكون علاقتهم بالفن بعيدة جداً».
بينما يؤكد الياس أيوب أن «دخول المال إلى الفن بدأ يقضي عليه، فأصبح ذهن الفنان غير صافٍ أثناء إنجازه لعمله، لذلك نرى فنانين صمدوا في تجارب وأعمال معينة فقط لأنها أعمال قابلة للبيع بغض النظر عن قيمتها الفنية».
تقف الذائقة العامة للجمهور في المنطقة أحياناً بوجه انتشار المنجز التشكيلي، خصوصا أن المنطقة العربية ثقافتها (سمعية وشفهية)، ولا تزال الثقافة البصرية فيها تأتي في الدرجة الثانية، وهذه المشكلة لا يعاني منها الفنون التشكيليون الشباب فقط، إنما تمتد على مختلف الأجيال الفنية التشكيلية، لكنها إن واجهت السابقين من منطلق رفض بعض الأوساط للفن التشكيلي، فهي تواجه الشباب اليوم من منطلقات وزوايا أخرى في ظل تغييرات تشهدها الثقافة العامة للجمهور المتلقي.
تقول نور عسلية: «لدي هم أخذ الفرصة لعرض عملي أمام الجمهور، وأن يلقى القبول، وهذا يخلق حالة تراكم ويجعل الجمهور العريض أكثر تقبلاً وأكثر قدرةً على قراءة الأعمال الفنية».
بينما تلاحظ هبا العقاد أن «تدهور الوضع الثقافي والتعليمي من المدارس وحتى الجامعات خلق حاجزا بين الجمهور والعمل الفني، وترك الجمهور مشغولاً عن الثقافة البصرية التي هي جزء مهم من ثقافة عصرنا المعتمد على الصورة بشكل كبير».
لكن الياس أيوب يشير إلى: مسؤولية الفنان عن ذائقة المتلقي والارتقاء بها، فنحن نعيش في مجتمعات لا تزال ذائقتها البصرية في مرحلة جنينية، والإعلام التلفزيوني يؤثر سلباً في هذه الذائقة من خلال استهلاكه لعدد كبير من الصور التي يتعرض لها المتلقي بشكل دائم وعلى مدار الساعة، وهذا يوسع الهوة بينه وبين الفن والجمال بشكل عام.
يأتي تنظيم الملتقيات النحتية، وإقامة ورشات عمل جماعية، ومعارض جماعية أيضاً، إضافة إلى وجود مؤسسات تدعم الفن التشكيلي من خلال إقامة مسابقات للفنانين الشباب في بداية قائمة الحلول التي طرحها التشكيليون السوريون، لتحسين وضع المنجز التشكيلي في سوريا وإبعاده عن هواجس المادة والربح وتحكم السوق بالفن.
رغم الصعوبات التي تواجه الفنانين الشباب، لكن نور عسلية الآن تحاول إضافة منحوتة لجملٍ جديد إلى مجموعة الجِمَال التي عرفها الجمهور بها، فيما يقطع شاهين عبدالله لوحته بحثاً عن شخوص جدد، وخشب الزيتون يملأ مشغل يامن يوسف تحضيراً لمعرضه المقبل، أما أقمشة هبا العقاد فلا زالت تنتظر فكرة جديدة كي تأخذ مكانها في اللوحة، بينما الياس أيوب يبحث عن إلهامه وأحلامه في مكونات لشخوصٍ يعرفون الطريق إلى لوحته.
