كادت فنون الضمة والحضرة المميِّزة لمدينة بورسعيد ومدن «القنال» عموما نسبة لوقوعها حول قناة السويس على أوتار السمسمية الشهيرة ورقصاتها المشحونة بالحيوية والتدفق - أن تقع في دائرة النسيان والاندثار، لولا ولع الفنان البورسعيدي زكريا إبراهيم الذي أعاد تكوين فرقة «الطنبورة» التي يصل عدد أعضائها إلى نحو خمسة عشر عضوا ما بين مغنٍ وعازف وراقص، وإن كانوا يتبادلون الأدوار في تداخل رائع بعد أن يأخذ الوجد مبلغه في حالة من الصوفية في شكل حضْرة ذِكر، بينما تعلو إيقاعات الطبلة والرق مع الصاجات والشخاليل والمثلث.. «الحواس الخمس» قام بزيارة الفرقة بمنطقة وسط القاهرة وأعد هذا التقرير..

عمرها يصل إلى ما يقرب من 21 عاما، ويعد من أهم إنجازات الفرقة تسجيل نحو عشرين ساعة من التراث الغنائي الشفهي لهذه الفنون والوصول بها إلى آفاق العالمية من خلال الاشتراك في أكبر مهرجانات الفنون الشعبية حول العالم.. ويقول مؤسسها زكريا إبراهيم، إن الفرقة استمدت اسمها من آلة الطنبورة التي تستخدم في الزار السوداني بمصاحبة نوع من الإيقاع يسمى «التوزة»، وهي حزام من قرون وحوافر الحيوانات تستخدم كآلة إيقاعية بالربط حول وسط الراقص، وأيضا آلة المراكش التي تصنع من العلب الفارغة بعد حشوها بقطع من «الزلط» الرفيع.

 

تجلي الروح

يقول إبراهيم: رغم تنوع الشكل المعماري الذي التقينا في إطاره بجمهورنا من مسرح كبير مغلق أو مفتوح أو صالة عرض تجريبية أو مسرح الشارع أو الخيمة، وكذلك التباين الفئوي في الجمهور نفسه من مثقفين وعمال وطلبة وحرفيين ومزارعين، وحتى مع اختلاف الجنسيات من عرب أو أجانب - فقد تحقق في كل لقاءاتنا نوع من التواصل الحميم، فنحن قبل الاهتمام بروعة الموسيقى أو جمال الألحان أو عذوبة الكلمات نعتمد أولاً قبل كل شيء على تجلي الروح.وأحدث ما كتب زكريا إبراهيم خصيصا للطنبورة هي أغنية «زي النهارده» التي تحكي عن ذكرى تأميم قناة السويس، والتي قام بتلحينها محسن العشري.

 

أصحاب البمبوطي

تحتفل الفرقة في مدينة بورسعيد بمناسبتين مهمتين كل عام، هما: عيد ليلة «شم النسيم»، وعيد «النصر» في 23 ديسمبر، إلى جانب عروضها المتجولة في مدن وقرى مصر والعالم، وبجانب هذه الحفلات ظهر أول ألبوم للفرقة في أوروبا عام 99 بعنوان «سمسمية بورسعيد» إنتاج معهد العالم العربي، كما تم إنتاج مشترك بين مركز المصطبة وشركة 30IPS الإنجليزية لألبومين للفرقة تحت اسم «بين الصحراء والبحر» والذي طرح في الأسواق عام 2006 و«أصحاب البمبوطي» .2009

 

عروض حية

وعند حضورنا لأحد عروض الفرقة تحدث معنا أحد المتفرجين ويدعى أسامة محمد ـ مرشد سياحي ـ قائلا: تؤدي الطنبورة أغاني من التراث؛ لذلك لا نستطيع أن نقول إن هناك ما هو مهم في أغانٍ أو غير مهم؛ لأن كل التراث له نفس القيمة العالية، لكن يمكن أن نقول إن هناك ما تم تصويره بطريقة الفيديو كليب مثل «أصحاب البمبوطي» و«شوفتوشي».

 

الجمهور العربي

ومن الزوار العرب قالت نفيسة عبدالله: من خلال قراءاتي عنها بحكم دراستي البحثية في الفنون الشعبية فإن فرقة «الطنبورة» تتخذ من التراث البورسعيدي عمودًا فقريًا للشكل الموسيقي الذي يعبر عن أغاني السمسمية والمقاومة، ولا نخفي سرا إذا قلنا إن التلقائية من أهم سمات الفرقة، أيضا هناك تميز في الطنبورة يتمثل في حيازتها في جعبتها لأكثر من 20 ساعة من المادة المسموعة والبصرية، كما أن ألبوم «بين الصحراء والبحر» كان من ضمن أفضل 50 ألبوماً لعام 2009 حسب أكبر صحيفة متخصصة إنجليزية (سونج لاين)، كما اختير عازف السمسمية المبدع محسن العشري ضمن أفضل 50 موسيقيا في العالم، ولا ينبغي أن ننسى أن فرقة الطنبورة هي أول من استخدم آلة الطنبورة في عروض حية، بعد أن كانت تقدم فقط في مجال مغلق ضمن طقوس الزار.

ومن الجمهور البورسعيدي، قال سعيد عباس: أنا مرتبط بالطنبورة ارتباطًا لا مثيل له في علاقة هذه الفرقة بجمهورها، حيث إن الجمهور يغذي الفرقة دوما بالمواهب، وأضاف أنه لا يفوته أبدا الحضور يوم الأربعاء أسبوعيا على مدار 22 عاما متصلة، لافتا أن هناك جنسيات مختلفة تشاهد عروض الفرقة.

 

التراث الشعبي في أوروبا

بدأت الفرقة في تقديم عروضها خارج مصر في باريس 1996 ثم عمان وجرش وروما وفلورنسا 1997، كما شاركت الفرقة في العديد من المهرجانات، ففي عام 2000 حازت على جائزة (المهرجان الدولي للأغنية والموسيقى) بكندا، وعام 2001 اشتركت في مهرجان (ري أورينت) بالسويد ثم في باريس، وفي عام 2002 مرة أخرى في فرنسا في معهد العالم العربي ومهرجان (ربيع الفنانين) في مونبلييه، كما شاركت في مهرجان (الشات) بقرية الموسيقى في لندن، وفي مهرجان (بامكو للفنون الشعبية) بمالي، وبمهرجاني (لوسيرن) بمدينة لوسيرن السويسرية ومهرجان (بيروت) لفرق الشوارع المقام بلبنان وذلك في أغسطس وسبتمبر لعام 2003، وسافرت في إطار تسويق ألبومها مع شركة Harmonia Mundi لعمل عروض حية في إنجلترا في شهري أبريل وسبتمبر (ليالي رمضان و hummer smith) كما قامت في فبراير 2007 بأول جولة لها في بريطانيا، حيث قامت بالعديد من العروض في معظم المدن الإنجليزية، وجولة أخرى في يوليو من العام نفسه في كل من ألمانيا والنرويج وبريطانيا تضمنت المشاركة في أكبر مهرجان موسيقي في أوروبا (Womad). وفي 2009 قامت بجولة في فرنسا وإنجلترا وسلوفاكيا والنمسا، وكذلك في 2010 قامت بجولة في فرنسا بالاشتراك مع المغنية الفرنسية المغربية الأصل زهرة هندي.

 

القاهرة:دار الإعلام العربية