«طفلة من الأقصر في جنوب مصر تصنع العرائس والدمى من القطن والقماش لتبيعها إلى السياح، وككل البنات في سنها، تريد أن تكون لها عروس تزينها بطريقتها وكأنها صورة لشخصيتها أو قطعة منها، لكن الطفلة مجبرة على التخلي عن لعبتها، وبيعها لتحصل على لقمة العيش..

تعرض «ولاء» عروسها وفي داخلها صراع بين موقفين يتجاذبان وجدانها الصغير الحالم، الأول هو تمنياتها بأن تظل عروسها بين أحضانها، والموقف الثاني هو احتياجها لثمنها لشراء الخبز».. تلك هي أحداث الفيلم التسجيلي «عروستي خلج» الحائز أخيرا على جائزة أفضل فيلم وثائقي قصير من المهرجان الدولي للسينما العربية والأوروبية «أسبانيا» وجائزة الخليج للإذاعة والتليفزيون..

وفي حوار ظل ما يقرب من الساعتين امتزج بالهدوء أحيانا وانفعال المشاعر أحيانا أخرى وسط دموع حبيسة تكاد تظهر في العين حاملة آلاما وآمالا ، تحدثت شيرين غيث مخرجة وكاتبة الفيلم، عن كواليس العمل الذي رفضته مهرجانات بلدها قبل أن تنطلق به إلى آفاق عالمية.. وهذا نص الحوار.

في البداية فاجأتنا شيرين بقولها: لم أكن أحب السينما التسجيلية بسبب شكلها القديم، فالناس لديها فكرة أن الفيلم التسجيلي هو الفيلم أبو الانترفيوهات وأنا لست ضدها ولكن لست مع كثرتها؛ لذلك قررت أن أعمل بها على طريقة من يريد عمل شكل مختلف عن الشكل التقليدي الذي يبدو ممل وأن يكون هناك شيء جديد في الصورة أو طريقة السرد ليس مجرد صور لحوائط ومعلومات كثيرة أو مساجد أو كنائس فقط، ومن هنا كانت البداية مع الأفلام التسجيلية.

ترنيمة مصرية

وتقول غيث ان أول فيلم اخرجته كان اسمه «ترنيمة مصرية» عن دير الأنبا سمعان الخراس في المقطم بعزبة الزبالين بالقاهرة، وكنت أول مصرية يسمح لها بالتصوير في هذا المكان باعتباره مجتمعا مغلقا جدًا على نفسه، وأردت القول إن فكرة الزبالة والخنازير الموجودة في هذا المكان ليست دليلا على قبحه؛ لأن خلف هذا المكان الذي اخترناه لوضع «الزبالة » يوجد مشهد روحاني وجميل.

موضحة ان كل فيلم من افلامها يختلف عن الآخر، وتضيف : لكنني خلال الفترة الأخيرة أصبحت أكثر جرأة، فـفي «ترنيمة مصرية» رأيت صورا للمكان وانبهرت بها جدًا عن طريق إحدى صديقاتي، وبعد ذلك علاقتي بالناس هناك عندما ذهبت إلى الدير هي التي أوصلتني للفكرة الأخيرة التي ظهر عليها الفيلم؛ لذلك أقوم حاليا بعمل الأفلام بالعكس، بمعنى أننى أوطد بداية علاقتي بالناس وأختلط بهم وبعد ذلك أفكر في الفيلم.. كيف يظهر حتى لو ذهبت لأفكار أفلام ولم تنفذ في النهاية.

اما فيلم «همس النخيل» فانه يحكي عن سيدة تصنع أقفاصا وخلال هذا العمل نزلت إلى الشارع وتعرفت على مجتمع القفاصين، وتساءلت :هل عند هؤلاء مشكلات؟ وهل يربطون بينها وبين القفص الذي يصنعونه طوال الوقت ويحصلون من خلاله على رزقهم، أم أنهم يرون الدنيا متعبة وليس لديهم نظرة أعمق من ذلك في حياتهم؟، حتى قابلت «نعمات» شخصية الفيلم وكان عندها ظروف كثيرة جدا بالنسبة للسيناريو تقنع المشاهد.. لديها سبع أولاد، منهم اثنان معوقان «صم وبكم» حرصتْ على استكمال تعليمهم، وبالتالي ركز الفيلم عليها وعلى حياتها وكيف تشعر أنها داخل القفص الذي تصنعه، والخلاصة التي خرجت بها أن «نعمات» تكره صناعة الأقفاص؛ لأنها طوال فترة عملها تذكرها بما تعانيه.

آلام البطلة

وحول اسم عروسة خلج تقول غيث : انه بمعنى «عروسة من بقايا القماش»، وكانت فكرة قديمة جدًا لدي؛ ففي مرحلة الطفولة كنت أرى العرائس التي يصنعونها في قرية الجرنة بالأقصر وفي الوقت ذاته كانت عندي عروستان خلج.. صحيح لم تكونا «خلج» بشكل كبير بل كانت من القماش لكن نفس شكل العروسة الخلج.. غير أن شعوري تجاه عرائسي كان مختلفا عن بطلة الفيلم، كنت أريد أن أفقدهم، كنت أتمنى أن يكون عندي أولاد يلعبون بهما.. يقطعونهم، لكن ظلتا مكانهما سنين طويلة لا يحدث لهما شيء؛ لأنه ليس عندي أحد يلعب بهما، وبعد ذلك فكرت في بنات قرية «الجرنة»، الأطفال الذين من حقهم أن يلعبوا بالعروسة، ولكنهم يضطرون لبيعها والتنازل عنها فذهبت وجلست معهم وتعرفت عليهم واخترت العائلة التي سوف أصور معها وكتبت الفيلم بناء على ثلاث ساعات ونصف صوت تم تسجيلها معهم، وأثناء التصوير كنت أفكر في الظهور في جزء من الفيلم والحديث عن آلامي أنا أيضا تجاه عرائسي التي لم تجد أطفالا يلعبون بها لكن شعرت أن الفيلم يسير في اتجاه جيد وأن دخولي ممكن أن يدفعه في اتجاه آخر.

وحول علاقتها بـ«نعمات» و«ولاء» أبطال أفلامها همس النخيل وعروستي خلج توضح غيث بقولها:«نعمات» عندي علاقة قوية بها، لكن شخصيات «عروستي خلج» علاقتي بهم ليست قوية مثل «نعمات»؛ لأني اكتشفت أن مستوى العلاقات عندهم مختلف؛ فطبيعة المكان وتعاملهم مع السياحة جعلت علاقتهم بكل شيء تنصب حول المادة، لدرجة أنه بعد حصولي على الجائزة اتصلت بي طفلة منهم، وقالت لي «عايزين حقنا في الإيرادات»؛ انطلاقا من أن أكثر شيء يربطها بالناس هو الإيرادات، وأنا لا ألومهم ولا أبرر لهم، لكنهم أطفال يتم تشويههم، يكبرون لكي يتعلموا كيف يبيعون ليس بيع مناديل ورقية في الإشارات لكن يبيعون طفولتهم، فعندما يتم تربية البنت على بيع عروستها فإنها سوف تبيع كل شيء بعد ذلك، وهذا بالتحديد ما دفعني للتراجع عن فكرة الظهور في الفيلم، حيث وجدت أنني لا أستطيع التعري وسطهم.. لكن هذا لا يعني أنه لدي ما يمنع من عمل فيلم فيه تماس بيني وبين المشكلة التي أتحدث عنها وأظهر لأتكلم عن حياتي الشخصية، فكيف أستطيع أن أقنع شخصياتي بالتصوير عن حياتهم وأكون أول من يخاف فعل ذلك.

معوقات

وعن المشكلات التي تعوق تقدم السينما التسجيلية تقول غيث: الإنتاج ليس كبيرا بدرجة كافية فالمنتجون يتعاملون معها على أساس أنها أفلام صغيرة، وبالتالي الميزانية تكون قليلة، بالإضافة أن عدد الأفلام التي تنتج قليلة، ويعتبرونها أفلام مهرجانات لا تحتاج للإنفاق عليها .

وأيضا مديرو التصوير عندما تزداد خبراتهم في المجال، بعضهم لا يتعامل مع التسجيلي؛ لأن أجرها لا يكون كبيرا، وبالتالي لا يكون فــــريق العمـــل بالكفاءة نفسها بعد انتقال هؤلاء أو التعامـــل معها بكفاءة أقل، مـــما يؤثر على الجودة أقل، وحقيقـــــة لا أعرف مستقبل السينما التـــسجيلية إلى أين وهذه مشكلة ســـوف تبقى إذا استمـــررنا في عمل الأفلام التسجيلية على أنها سينما المثقــــفين فقط التي بها معلومات كثيرة. وقطر تعتبر أكثر دولة تهتم بالسينما التسجيلية؛ لأن عندها أهم قناة تبث وتنتج وهي قناة الجزيرة الوثائقية وهذا الاهتمام يمكن أن ينعش حركة الأفلام التسجيلية؛ لأنها تقوم بإنتاج كبير في دول كثيرة، وذلك على عكس مصر، فإذا كانت الجزيرة نتتج على سبيل المثال ألف ساعة في السنة فالمركز القومي في مصر ينتج فيلما أو فيلمين فقط.