دخلت هالة القوصي السينما من بوابة الصورة الفوتوغرافية؛ مما أضفى على مَشاهد فيلمها «تل النسيان» بُعدا جماليا كأنها لوحات شعرية رغم اهتمامها البالغ بالتفاصيل؛ تفاصيل الأحداث الكبرى التي مرت على الوطن، وتفاصيل كل كادر من حركة وملابس وحوار وإضاءة.. إلا أنها أبداً، لم تقع في فخ الثرثرة، فالصورة تحمل معاني كثيرة، مشحونة ودافئة، والكلمات تجري ببساطة كالأمثال الشعبية، رغم أنك لم تسمعها من قبل، والأغاني في نسيج الفيلم، تلعب دور الراوي أو الكورس على غرار الدراما الإغريقية القديمة..

 

وداخل قاعة عرض صغيرة تزينها ستائر حمراء صممت من أجل عرض هذا الفيلم، التقينا كاتبة ومخرجة الفيلم، وسألناها عن الدافع الحقيقي وراء إقدامها على هذا العمل، فقالت: وجدت أن أشياء كثيرة مهمة في حياتنا، تتلاشى وربما لن يسمع عنها الكثيرون من الأجيال القادمة مثل عادة «الحكي» وهو موروث ثقافي شفهي تناقلت عبره أجيال، حكايات وأغاني وسيراً شعبية وغيرها.

وعن مدى تأثير عملها بمجال التصوير الفوتوغرافي في هذا الفيلم، توضح بقولها: عندما شاركت في تأسيس مركز الصورة المعاصرة عام 2005، قمت بعمل معرض بعنوان «أرشيف»، وجاءت الفكرة من أن كل جهة خاصة ورسمية، تحتفظ بأرشيف خاص يحوي تاريخها وأهم إنجازاتها، فقلت: ولماذا لا يكون لدي ولدى كل إنسان أرشيفه الخاص؟

وجمعت 350 صورة أصبحت هي أرشيفي الشخصي، ومن هنا جاءتني فكرة الفيلم، فلماذا لا يكون هناك أرشيف للوطن؟؛ لأن أشياء كثيرة تسقط من الذاكرة، حتى الحكايات تموت إذا لم تلوكها الألسن وتستقر في وجدانهم، فالفيلم على مستوى ما، حكي من صور.

 

حكايات يربطها خيط رفيع

وتواصل حديثها عن الحكايات قائلة: كلها يربطها خيط رفيع لا يراه إلا من يملكون مقدرة على رؤية الصورة متكاملة، بكل تفاصيلها وعلاقاتها، ومن الحكايات العادية الصغيرة، ندرك من خلال بعض التعليقات أو الكلمات العابرة في أي زمن نعيش، وما هو الحدث الذي نود الالتفات إليه، فعندما تقول البنات في أحد مشاهد الفيلم: «جروبي اتحرق»، فنحن ندرك أن الحدث هو خريف القاهرة في يناير 1952.

وإذا أردت التركيز على الحدث فإننا نلجأ إلى الغناء كوسيط فعَّال ومؤثر في ثقافة وتكوين الشعب المصري والذي قام بتلحين الأغاني وتدريب المؤديين هو الموسيقي وعازف الناي محمد عنتر، وكان له دور مهم في توصيل رسالة الفيلم عبر وضعه ألحانا تلائم الجو الشعبي لفيلم يريد أن يحكي تاريخ أُمَّة في 27 دقيقة، وبدون الدخول في كلمات رنانة أو تبني وجهة نظر ما.

وعن كتابة السيناريو للفيلم تقول القوصي: كتابة السيناريو أخذت مني نحو سنة والنسخة التي صورت بالفعل، ربما هي العشرون، فمن خلال محاولات الكتابة الكثيرة أبدأ من جديد حتى وصلت إلى قناعة بأن ذلك هو ما أريده بالفعل، كلمات عادية ومفهومة ولكنها تظل في بال المشاهد، فعندما أقول:

«الحزن والفرح من بطن واحدة» أراها كلمات تحمل في طياتها موروثا من كلام الحكماء والأمثال الشعبية، ومن جهة أخرى أراها بسيطة ومعاصرة، وهناك مهمة أخرى أقوم بها، وهي عملية المونتاج؛ لأني أعتبره أهم مرحلة في تنفيذ أي فيلم، فهو المتحكم في الصورة النهائية للفيلم الذي سيشاهده الناس، وخاصة في فيلم له طبيعة خاصة مثل «تل النسيان»؛ لأنه في النهاية، يبقى المخرج هو صاحب الرؤية والوحيد الذي يعرف ما يريده بالضبط.

ومن العوامل التي ساعدتني على إنجاز الفيلم -كما كان في ذهني عند البداية- مدير التصوير عبدالسلام موسى، وهو شاب يقتحم المجال حديثا، والجميل أنه آمن بفكرة الفيلم، وأيضا فإن عقله مفتوح على خوض تجارب واكتساب خبرات.

كورس في مسرح إغريقي

وعن هدفها من الأسلوب التمثيلي الذي لم يعتاده المُشاهد، تقول القوصي: كان علي البحث عن طريقة أداء، تناسب الصورة، لدرجة أن الممثلين لا يحملون أسماء، هم كائنات بشرية، فالممثل تعبيراته محايدة مثل كورس في مسرح إغريقي، يلقون بالحكايات والأغاني، كأنهم في عالم منفصل تماما عن الواقع.

وكان ذلك عملا مرهقا، فالممثل حتى الهاوي أو من يعمل تحت إدارة مخرجين مستقلين يحاول أن يقدم أداء تمثيلا، وهو ما كنت أتجنبه طول الوقت، وممكن أن نعيد «الشوت» مرات كثيرة، حتى أحصل على نفس درجة الإيهام بالفراغ وعدم توصيل أي أحساس يوصي بشيء لا أريده، واستمر التصوير حوالي ثلاثة أشهر. والفيلم سيشارك في مسابقة مهرجان «نوتردام» الدولي للأفلام الروائية القصيرة في دورته القادمة من 15يناير إلى 5 فبراير، كما حصلت على منحة من المهرجان.