المسرح هو المكان الوحيد الذي لا يوجد فيه أجور ثابتة، وربما عادلة أيضا في بعض الأحيان، فكل ما فيه يخضع للتبدل والتغير، ولا يوجد بالمقابل مؤسسات ثقافية تحترم ما يقدمه المسرح بشكل مباشر فتكرم العاملين فيه بأجور مناسبة، هذا الكلام وإن جرى بصيغ متغيرة ومختلفة في بعض الأحيان، نراه هو لسان حال العاملين في المسرح وهم يدركون تماما أن ما يقدمونه لا يتناسب وحجم ما يحصلون عليه، وإن كان هناك عدل في مكان ما من الوطن العربي في ما يتعلق بمكافآت وأجور العاملين في المسرح، فهناك ظلم يحيق بكل العاملين في المسرح من أجورهم قياسا بما يقدم للممثل المسرحي أو للمخرج أو لأي من العاملين بالشأن المسرحي عالميا أقل بكثير، وهذا ما يحيلونه إلى تراجع العملية المسرحية وضعف الاهتمام بها وبالعاملين فيها، ومن الصعوبة بمكان حقيقة أن يتم استعراض الأجر الذي تحصل عليه نجمة المسرح العالمية أريان مينوشكين، أو ما يحصل عليه بيتر بروك لقاء تدريب في ورشة مسرحية أو إخراج لعرض أو ضيف على مهرجان، يمكن لواحدة من تلك المكافآت أن تكون أكثر مما يحصل عليه الفنانون العرب في عام واحد على الأقل.

وتخضع الأجور عادة في الوسط المسرحي العربي لميزانين فيما تقدمه المؤسسات العامة التابعة للدول، وبالأساس لوزارات الثقافة بالدرجة الأولى، والأمر الثاني لما تقدمه الشركات الخاصة، والتي غالبا ما تقدم فرصا أفضل ومكافأة ذات قيمة أهم، وبحال من الأحوال لا يوجد معايير ثابتة، والأجر يقاس حسب النجومية وحسب الميزانيات المرصودة، وفي هذا المجال لأهل الاختصاص رأيهم في ما يحصلون عليه ويستحقونه.

 

أكبر الفنانين العرب مصدوم

 

الدكتور سامي عبدالحميد أكبر الفنانين العرب، وربما شيخهم، وقد تجاوز الرابعة والثمانين قبل عدة أيام كما أخبرنا، وبالتالي لرأيه علاقة بتاريخ طويل وصراعات مفتوحة مع المسرح ومع الإدارات المالية التي تعامل معها في حياته الطويلة في التعاطي مع العملية المسرحية من حيث الأجر، ويضحك في البداية، حينما يشير إلى أن الأجور التي تقاضاها أيام زمان كانت على بساطتها متميزة، ورغم القروش القليلة إلا أنها مقارنة باليوم تعتبر مبلغا طائلا، مشيرا الى أن الأجور التي يحصل عليها الفنانون العرب قليلة بالمقارنة مع ما يدفع للسينما والتلفزيون، ويؤكد أن الأجور كانت في الخمسينات والستينات قليلة، ولكن الأمر كان ينسحب على كل قطاعات الفن، وليس على مكان واحد بعينه، والآن المسرح هو الذي يعاني، ورغم تبدل الأحوال إلا أن المسرح يتراجع الاهتمام به، بدءًا من الأجر، وانتهاء بالعاملين فيه، مؤكدا أن جزءا كبيرا من تراجع المسرح العربي الآن هو بسبب ما يقدم من ميزانيات متواضعة للعروض المسرحية في معظم أنحاء العالم العربي.

 

رجب .. أعلى أجر في الساحة الإماراتية

 

المخرج الفنان حسن رجب يرى أن أجور الفنانين الإماراتيين قليلة إذا ما قورنت بأجور بعض الفنانين الخليجيين والعرب، وهذا له علاقة بضعف الإمكانات المادية للفرق، وعلى الرغم من أن المسرح المحلي حقق قفزات كبيرة في السنوات الأخيرة، إلا أن أجور العاملين فيه لا تزال قليلة لا ترضي أحدا، ودائما هناك مشكلة أثناء تنفيذ العروض المسرحية.

وإذا كان المخرج حسن رجب يتقاضى أعلى الأجور عن عمله كمخرج في المشهد الدرامي في المسرح الإماراتي، إلا أن هذا لا يعتبره أجرا ثابتا أو دائما، وهو قياسا بسوريا ومصر والأردن مثلا مبلغ قليل، لأن هناك مبالغ تتفوق على هذا الرقم بكثير، وهو قياسا بفترة العمل اقل بكثير مما هو متوقع، إذ إن العمل في أي عرض مسرحي يستمر لمدة تزيد على ثلاثة اشهر إذا أريد لهذا العمل أن يخرج بحلة أنيقة ويمتع عشاق المسرح، وبالتالي فإن أجورا كالتي تعتمدها بعض الفرق لا تجعل هناك رغبة عند المخرج أن يحصل على إنتاج أفضل بأجر قليل.

 

المسرح ليس مصدراً للرزق

 

يؤكد الفنان جهاد سعد أن الأجور التي يحصل عليها المسرحيون غير عادلة على الإطلاق إلا إذا كانت هناك أعمال مسرحية خاصة أو تنظيم لافتتاح مهرجانات ما، وفي هذا الأمر يختلف الأمر تبعا للدولة المستضيفة، ولكن، وحسب جهاد، فإن هناك سببا رئيسيا لتراجع حركة المسرح العربي هو تراجع الأجور، وقلة المردود المالي للمسرحي الذي يعتمد على هذا الأجر من أجل إعاشة عائلته وأولاده، وإذا كان المخرج في دول العالم المتقدم يتقاضى أجورا كبيرة جدا تجعله يعيش في بحبوحة من إخراج عمل ما، فإن هذا ما لا يحصل عربيا، وبالتالي لا يمكن الحصول على نتائج إيجابية في حال تم الوضع على ما هو عليه.

 

الأجور ظالمة ولا تعكس حال الجهد المبذول

 

يرى مدير المسارح والموسيقى في سوريا عماد جلول والمسؤول بالدرجة الأولى عن أهم قطاع مسرحي في سوريا ماليا وفنيا وإداريا أن العملية المسرحية صار يدفع عليها مبلغ أكبر قياسا بما كان يحدث أيام زمان، ولكن ونظرا للتضخم المالي الذي يعصف بكل السلع وبكل مكان في العالم، صارت المبالغ التي تدفع قليلة قياسا بباقي الأجور التي تدفع للسينما وللتلفزيون، إذ إن الحياة تضخمت بنسبة مئتين بالمئة مثلا، في حين أن ما يدفع للمسرح لا يزيد على الخمسين بالمئة زيادة عما كان يدفع قبل عشر سنوات، وهذا له علاقة بجداول وموازنات عامة يجب ان تحترم حضور العامل بالمسرح، سواء من الممثلين أو المخرجين أو باقي العناصر الفنية، وغالبا ما يلتزم مديرو المسارح والموسيقى بتعرفة سقفها معروف، ولكن هناك بعض الاستثناءوت للنجوم العاملين في المهنة، إذ إن المقاييس لا يجب أن تكون واحدة في حالات كهذه، ولكن يجب ان تحترم كل الشرائح والأعمار للمسرحيين الشباب والمخضرمين الذين يعملون في المسرح في سوريا.

 

تجربة الفرق الخاصة

 

يشير الفنان الشاب نوار بلبل الذي يخوض تجربة إنشاء فرقة مسرحية مع صديقه الفنان رامز الأسود إلى أن أجور العاملين في المسرح رديئة للغاية، ولكن حين أخذوا على عاتقهم الخوض في تجربة تأسيس فرقة فهو لرغبتهم في عدم الالتزام بالمؤسسة الرسمية، والخوض في مجاهل فرص جديدة وعالم جديد، ولأن معظم العروض التي يقدمانها هي خاصة بعالم المهرجانات الدولية، يبدو الوضع الآن أفضل بكثير مما سبق، وأجورهم بدأت تتحسن على مستوى العالم الذي يستقبل عروضهم بأجور لائقة إلى حد كبير، وهي أفضل مما يدفع عربيا على الأقل.