ينوس عمل مهندسي الديكور ما بين الوثيقة والخيال في أعمالهم الدرامية ذات البعد التاريخي، ويتفق مهندسو الديكور على أن مقاربة الوثيقة بدرجة كبيرة هو أقصى غايتهم من دون أن يعني ذلك إقصاء لخيالهم.. فالخيال مطلوب كشرط فني وإنتاجي أيضاً.. الأمر الذي يشكل تحديا حقيقيا يواجهه مصممو الديكورات التلفزيونية، يضاف إلى تحدي البحث عن الوثيقة ومقاربتها.

 

كيف يتعامل مصممو الديكور مع هذه التحديات، ما العلاقة المثالية التي يجدونها في التعامل مع الوثيقة والخيال.. وما حدود حضور كل منها في العمل التلفزيوني.. ثلاثة من أهم مهندسي الديكور في سوريا يجيبون «الحواس الخمسة» عن ذلك.

مهندس ديكور مسلسل (كليوباترا) موفق السيد يرى أن ما تقدمه المسلسلات التاريخية هو «عبارة عن مادة تاريخية معروفة ينسجها الكاتب مراعياً الدقة التاريخية وبالتالي يفترض أن يلحظ الديكور الأماكن التاريخية كوثيقة، وعلى مصمم الديكور استحضار الزمن والمكان بكل تفاصيله، بما فيها التفاصيل الحياتية المعاشة».

وعن الأعمال التاريخية التي تعالج فترات زمنية لا توثقها الكثير من المراجع، يقول مصمم ديكور (قمر بني هاشم) و(خالد بن الوليد 1) أنه «غالباً ما نعتمد الوصف الذي نقرأه عن تلك الفترة.. ففي الأعمال التاريخية التي نفذتها عن فترة الجاهلية مثلاً، اعتمدت على وصف التماثيل والأصنام التي كانوا يستخدمونها في العصر الجاهلية، لأنه كما هو معروف خلال الفترة الإسلامية تم تحطيم الأصنام والتماثيل، فبقيت الوثيقة هنا تعتمد على الوصف، وللمقاربة اعتمدنا الفترة الأقرب مثل فترة الغساسنة والمناذرة وبالعموم نحاول مقاربة ديكور أي فترة زمنية من خلال البحث عن المنحوتات والإرث التاريخي، فالمنحوتات السومرية والبابلية التي لا تزال معالمها موجودة إلى وقتنا الحاضر، على سبيل المثال، فضلاً عن عمارة تلك الفترة من بيوت وأماكن مقدسة مثل المساجد والمسجد النبوي الشريف وبيت الرسول (ص) في المدينة المنورة وكل هذا له وثائق حاولت في أعمالي عن تلك الفترة تقديمها بحرفيتها العالية بالوصف المعماري.

الحديث عن الإخلاص للوثيقة، لا يعني، برأي صاحب (الثريا) و(جرن الشاويش) عدم الاعتماد على الخيال، فـ«الخيال هنا نسبي في المشاهد الدرامية بشرط ألا يكون (فانتازيا)..».

مبدع ديكور (باب الحارة) المهندس حسان أبو عياش يرى ان «الوثيقة التاريخية مرتبطة بنوعية المسلسل، فهي مهمة جداً في الأعمال التاريخية، وكلما أغرقنا في أعماق التاريخ يصبح للوثيقة أهمية، ويصبح للخيال دوره أيضاً».

ويؤكد أبو عياش وهو واحد من أقدم مهندسي الديكور في الدراما السورية: «إن كان للخيال دوره في عملنا فإن الاعتماد على الوثيقة بالنسبة للديكورات التلفزيونية هو الأفضل بدل الاعتماد على الخيال.. فالأعمال الشامية هي الأقرب لنا مثلاً حتى الفترة المملوكية ومن ثم تقل عدد الوثائق في مرحلة العصر العباسي والأموي وهذا يعود إلى أن التاريخ الإسلامي والعربي لم يسجل وثائق الفن التشييدي وفن العمارة، لهذا كنا نعتمد على الخيال أكثر.. أما بالنسبة للتاريخ الروماني والتاريخ المصري فالوثائق هذه موجود أكثرها.. عن مساحة الخيال في عمله، يقول أبو عياش: أنا دائماً اعني بالخيال المدروس وليس الخيال الوهمي لأننا نعتمد على خيال مقارن بين حضارتين ومن ثم نأخذ من الحضارة الأقرب فمثلاً: الحضارة العباسية تأخذ من العصر الفارسي قليلاً ومن العصر الروماني أيضا وهكذا ينتج لدينا حضارة عباسية مقربة بالخيال ولكنه ليس الخيال المطلق كما ذكرت وإنما خيال مع بعض الوثائق فإذا أردنا أن نأخذ عملاً مثل (ألف ليلة وليلة) تكون هنا الوثيقة غير ضرورية لان القصة لا تعتمد على الوثيقة التاريخية.

يعمل الآن المهندس أبو عياش على ديكور مسلسله الجديد «دليلة والزيبق» وعن طريقة تعامله مع الوثيقة في هذا العمل يقول: «هذا العمل حدث في العصر المملوكي ولكن بما انه خيالي فلا تعتمد على الوثيقة 100% بينما إذا أردنا أن نأخذ حدثاً مثل هارون الرشيد أو أي خليفة آخر لا نستطيع أن نكون خياليين كثيراً وهنا لابد من الاعتماد على الوثيقة..»، وعن عمله في مسلسلات البيئة الشامية، يقول صاحب باب الحارة وأسعد الوراق: الوثيقة في أعمال البيئة الشامية موجودة لغاية مئة سنة مضت، حتى الأبنية والأزقة مازالت موجودة ولكن كلما عدنا للخلف يصبح التاريخ ابعد وتصبح الوثيقة بعيدة المنال لذلك نعتمد على الخيال الذي هو بمعنى تركيب الأماكن حسب المنطق التاريخي، فالمنطق هو الذي يحدد لنا إمكانية الخيال الأقرب إلى الواقع.

يشدد مهندس ديكور مسلسل «السقوط» طه الزعبي على أن «طموحنا دائماً أن يكون اعتماد الوثيقة بدرجة 80% وان يكون الخيال بدرجة 20% ولكن ما هو فعلي أن الخيال يصل إلى 60% والوثيقة إلى 40% فالموضوع لا يعتمد على دلالات تاريخية لأنه قد لا يوجد أي شيء مصور لهذه المرحلة أو تلك، لكن هناك شيئا تقريبيا نوعا ما من خلال الوصف بطريقة أو بأخرى يمكن جمعها من عدة مصادر لكي تعطينا الشكل العام التقريبي، صحيح انه لن يطابق 100% ولكن يمكن أن نصل إلى نسبة معينة مقبولة كوثيقة، والمشكلة الآن هي في الآلية وليست المشكلة في الاجتهاد بالموضوع والآلية تعني أنه لكي أقوم بعمل كهذا يتطلب مني ومن الإنتاج مبالغ طائلة، وحتى أحقق الوثيقة والوقت نفسه أنا عندي جمهور وهناك أيضا شيء اسمه جمال كادر وإظهار بصري، فأنا مضطر أن أساير متطلبات السوق بهذه القصص، لذلك فالطموح هو أن نحقق 80% وثيقة و20% خيال..».

مهندس الديكور ناصر الجليلي لفت إلى أنه اعتمد الوثيقة التاريخية في تصميم ديكور المسلسل البدوي الملحمي «أبواب الغيم»، ولفت جليلي إلى أن «المسلسل اعتمد في حكايته على الوثيقة التاريخية فأحداثه تدور خلال الفترة العثمانية وامتداد حكمها لجزء من الجزيرة العربية إلى بداية المشروع الإنجليزي ودخول الإنجليز إلى المنطقة.. لذلك كان لا بد هنا من اعتماد الوثيقة أيضا فاعتمدنا على الطراز المعماري في المنطقة الشرقية من الجزيرة العربية مثل مناطق الإحساء والدرعية».

وأكد جليلي على أنني «اعتمدت الوثيقة بنسبة 80% بينما بقي 20% فقط خيارات فنية وفقا لضرورات العمل وحركة الطاقم والكاميرات إلى ما هنالك من ضرورات أخرى». مبيناً أن «البناء كله كان كمن الطين، وقد حولناه إلى عدة مستويات من الألوان من أبيض إلى أصفر إلى بني، دون استخدام الدهان الذي كان سيفقد الطين حميميته ومصداقيته، كما ثم تجهيز المضارب والخيام بذات المستوى العالي، وتم بناء منطقة الهجر التي توضعت على أطراف الإمارة والتي كانت أدنى مستوى فبنيت على شكل أكشاك من القصب حيث أسكنت فيها قبائل البدو لتشكل حاجزا يحمي الإمارة في حال تعرضها لأي هجوم».