نحو فضاء ثقافي وفني بعيداً عن سطوة العقلية الجامدة في دواوين الدولة، وهروباً من مسرح خاص انزلق ليكون تهريجاً وغناء رخيصاً إلا من بعض المحاولات، كان بزوغ مصطلح «المسرح المستقل» مواكبا لـ«حركة ثقافية» تدعم هذا الفكر في السنوات القليلة الماضية وأضاءت بعروضها التي تعتمد على المزج بين الارتجال والغناء في محاولة لاستعادة مسرح شعبي أو مسرح السامر بعد تجارب محمود دياب ونجيب سرور ويوسف إدريس في خمسينات وستينات القرن العشرين.. معوقات وطموحات وآفاق المسرح المستقل، يتناولها «الحواس الخمس» عبر هذه السطور:
في الوقت الذي يعتمد فيه مسرحا القطاع الخاص والدولة على نجوم السينما والتلفزيون دون انتماء حقيقي لفرق القطاعين، نجد المسرح المستقل يعتمد على كوادر منتمية للفرق التي تعمل به وتشارك في أعماله وهذا يؤدي إلي عوامل إيجابية كثيرة مثل الانسجام وحب العمل والولاء وكلها عوامل ترتقي بالعمل المسرحي.
وما يميز الفرق المسرحية المستقلة أيضا أنها تختار أعمالها بعناية فائقة وليس منتجا محددا يفرض عليها موضوعات هدفها الربح ومضمونها خسارة بل في أغلب الأحيان يشارك فريق العمل بكامله في اختيار النصوص أو على الأقل إبداء ملاحظاتهم؛ ولذلك تجد أن التعامل مع النص يكون بفهم واع ومجمع عليه.
معوقات كثيرة
وعلى الرغم من هذه العوامل الإيجابية، فقد ظلت الفرق المستقلة تصطدم بمعوقات كثيرة لافتقادها الإمكانيات المادية والأماكن التي تجري فيها تمارينها أو تقدم عليها عروضها وكذلك تواجه قدرا كبيرا من المعاناة لإجازة أعمالها أو الاعتراف بها من قبل الجهات المختصة والنظر إليهم كهواة.
ولكن يبقى التمويل أهم العثرات باعتبار أن أي عمل مسرحي يحتاج إلى مبالغ طائلة ابتداء من إجراء البروفات ودفع إيجار المسرح وإعداده وأجور الممثلين والإكسسوارات وبناء الديكور الذي يكلف مئات الآلاف أحيانا والإضاءة وأجر الكاتب والسيناريست والمخرج ومساعديه والعمال وغيرها من المتطلبات، وهي احتياجات أدى عدم توافرها إلى غياب كثير من الفرق المؤثرة وحال دون تفكير الكثيرين في مجرد إنشاء فرق جديدة.
اكتساب الشرعية
وأيضاً هناك مشاكل أخرى طرحها المهتمون على رأسها عدم قدرة هذه الفرق المستقلة على اكتساب الشرعية التي تؤهلهم لاستخدام مسارح الدولة أو المشاركة في المهرجانات حتى في المسرح التجريبي الذي يعتمد على فرق مسرح الدولة، بالإضافة إلى أن نقابة المهن التمثيلية تمنع ممارسة الفن المسرحي لغير المحترفين، وهذه العوائق تضع المسرح المستقل تحت ضغوط كثيرة وحلها في يد الدولة التي ما زالت تنظر إلى هذا المسرح بنوع من التوجس حيث تراه مسرحا معاديا للدولة.
ويؤكد العديد من النقاد أنه في ظل غياب دور الدولة لن تقوم للمسرح المستقل قائمة، مؤكدين في الوقت ذاته أنه مسرح جاد يقوم على فكر مستقل ويتميز بالثراء والتعدد الفني.
كانت ورشة عمل قد عقدت أخيرا في القاهرة عن المسرح المستقل أكدت أن علاقة الفرق المستقلة مع الكيانات الأخرى بما فيها وزارة الثقافة «علاقة شراكة»؛ ولذلك دعت الورشة إلى إنشاء صندوق لدعم فرق المسرح المستقل من خلال تمويل من وزارة الثقافة وجهات أخرى داعمة، وأن يكون الدعم معلوم المصدر، ووضح من اهتمام المجلس الأعلى للثقافة باستضافة مثل هذه الورشة إيمانه بأهمية المسرح المستقل وأنه أصبح الحل للخروج بجمهور المسرح من أزمته.
وفي هذا السياق، أكدت رشا عبدالمنعم، المنسق الإعلامي لفرق المسرح المستقل، أنها هذه المرة أكثر تفاؤلا بعد اهتمام لجنة المسرح بالمجلس الأعلى للثقافة التي طرحت اقتراحات يمكن أن تسهم في حل مشكلة المسرح المستقل.
تشاؤم
بينما طالب المخرج هاني عفيفي أحد مؤسسي فرقة «مسرح الساعة» التي توقفت منذ 4 سنوات بعمل صياغة محددة لتنظيم علاقة الفرق المستقلة بالدولة خاصة في ظل عودة العلاقة بشكل محدود بين الدولة والمسرح المستقل لكنه عاد وقال: مازلت غير متفائل، وأخاف أن تكون هذه الاقتراحات والوعود لترضية المستقلين خاصة بعد أن أدى محاصرة الفرق المستقلة وعدم دعمها إلى تشريد فنانين شاب لهم مستقبل باهر، وقال: لكن سننتظر ونتمسك بأي أمل أو أي فرصة متاحة حسب وعودهم، وأرجو ألا يكون مشروع الدعم الجديد للمسرح المستقل مرتبطا بأشخاص وفي حالة عدم وجودهم لا يتم تنفيذ وعودهم.
دعم وتنظيم
أما المخرج المسرحي عماد محمد فأكد أن الدعم المالي يفترض أن يكون دون نقاش من وزارة الثقافة المصرية عبر إدارة رعاية الفرق الحرة والمستقلة والهواة؛ لأن المسرح المستقل هو مسرح المستقبل، مشيرا إلى أن الفرق المستقلة أثبتت وجودها ولكنها فقط تحتاج إلى دعم ومن ثم التنظيم، وإذا توفر الدعم يسهل تنظيمها من خلال منظومة مالية وإدارية ورقابية، وهذا يمكن أن يوفر كثيرا من فرص النجاح لها.
إلا أن الناقد المسرحي جرجس شكري أكد أنه لا يمكن للفرق المستقلة أن تنهض وتقوم بدورها إلا إذا قامت وزارة الثقافة بفتح المجال أمامها من خلال تخصيص أماكن لإقامة البروفات والعروض لهذه الفرق وأن تتكفل الوزارة بالدعم لإدارة المكان وتجهيزه بالإضافة إلى تذليل العقبات التي أدت إلى معوقات كثيرة أمام هذه الفرق المستقلة خاصة المشاكل القانونية حتى تتمكن هذه الفرق من تطوير نفسها من خلال ورش تدريبية وتهيئة المناخ أمامها للحصول على دخل مستقل يؤكد استقلاليتها بالفعل.
فيما قال الكاتب يسري الجندي إن المهرجانات المسرحية، وآخرها مهرجان المسرح التجريبي، قاطعها الشباب من المسرحيين المصريين بسبب العشوائية، خاصة أن المسرح التجريبي هو الذي أسس لتيار المسرح المستقل الذي كان من المفترض أن يكون أساساً لهذا المهرجان لولا إهمال الدولة له، ولذلك بالضرورة إعادة النظر في سياسة الدولة تجاه المستقلين لأنهم هم الذين سيعيدون المسرح إلى جمهوره الحقيقي.
مفردة الاستقلال
وقال الباحث الدكتور محمد حسين حبيب إن المشكلة التي يعاني منها المسرح المستقل هي مفردة الاستقلال نفسها، أي الوجهة الأساسية وهي نفسها أيضا تنمو في وجهة ثانية ذات طابع فردي، لافتا إلى أن الاستقلال المسرحي يعتبر ظاهرة مسرحية جديدة تحاول أن تؤسس لها كيانا مسرحيا مميزاً.
ويضيف أن هذه الفرق حتى لو تلقت دعما حكومياً فلا مانع من أن تكون لها خطابها المسرحي المستقل والتركيز على النواحي الإبداعية، ولكن ربما يكون البعض حمل الاسم أكثر مما يجب وأفرغه من معناه الحقيقي الذي يتلخص في إيجاد أعمال تقوم بمعالجات حيادية من خلال إسقاطات فكرية تقبل القراءة والتحليل، وإذا استطاعت الفرق المستقلة التحرك في اتجاه أعمال تستقطب الجمهور الهارب من المسرح من جديد فإنه يمكنها أن تؤسس أسلوبا جماليا يخلق تفاعلا متواصلا مع الجمهور.
