كالعادة، تفتح الإذاعات والقنوات الفضائية ذراعيها للمطربين والمطربات الجدد ليقدموا أغانيهم، في الوقت الذي تتجاهل فيه أغاني مطربين كبار بحجم أم كلثوم وعبد الحليم وعبد الوهاب وفريد الأطرش وغيرهم، ولم تعد تتذكر الفضائيات أغاني هؤلاء إلا في ذكرى رحيلهم، ليصل الأمر بعد ذلك إلى حد منع أغانيهم تماما إلا فيما ندر.. فهل لم يعد هذا التراث الموسيقي يروق لأذواق المسؤولين عن وسائل الاعلام المختلفة؟ وهل لهذا التجاهل ارتباط بانهيار الذوق الغنائي؟.. تساؤلات وضعها «الحواس الخمس» على مائدة الموسيقيين والنقاد، والتفاصيل في السطور التالية.
«المأساة الحقيقية بدأت من التليفزيون المصري الذي حاول بشتى الطرق الممكنة منع واستبعاد أغنيات الكبار».. بهذه العبارة بدأ الموسيقار عمار الشريعي حديثه عن أسباب اختفاء أغاني نجوم الطرب الجميل، واستطرد: يتحمل المسؤولية أيضا الفضائيات التي اكتفت بتخصيص فضائية أو فضائيتين فقط لعرض بعض من أغاني أم كلثوم وفايزة أحمد وغيرهم من نجوم الطرب..
وأشار أن معظم الفضائيات اعتبرت أن أغاني الماضي أصبحت موضة قديمة وبضاعة مستهلكة ولم يعد يشغلها إلا الربح السريع والأغاني الهابطة التي تجذب المعلن حتى انقسم الجمهور بين فريقين، أحدهما يجد في مثل هذه الأغاني وسيلة لإضفاء «البهجة والفرح»، فيما رأى البعض الآخر في كلماتها التافهة وألحانها الرديئة وأدائها الضعيف تأثيرا سلبيا على مستوى التذوق الفني لديهم؛ ما دفعهم إلى تسمية هذا الزمن بعصر «الأغنية الهبابية» التي لا يمكن قياسها بالأغاني الطربية القديمة التي تعبر عن إحساس عميق والتزام بالفن والذوق العام.
وحمَّل الشريعي وسائل الإعلام المرئية والمسموعة مسؤولية تجاهل الطرب الأصيل الذي يحاكي الحالة النفسية والعاطفية ويلامس الأفكار والمشاعر، إذ من شأنها رفع أو خفض الذوق الفني للجمهور من خلال الأغاني والموسيقى التي تقدمها.
مستقبل الأغنية
ويستغرب الموسيقار محمد سلطان تجاهل وسائل الاعلام لإذاعة أغاني وأعمال المطربين القدامى الذين لايزالون يعيشون في وجدان العالم العربي إلى الآن، وقال: إذا أراد أي مشاهد أن يستمع لأغنية قديمة فعليه أن يبحث عنها في الفضائيات العربية ونادرا ما ينجح، وهذه في رأيي أكبر إهانة لأم كلثوم وعبد الوهاب وشادية ووردة ونجاة ومحمد قنديل ومحمد عبد المطلب ومحمد رشدي وغيرهم من رموز الطرب.
وأشار سلطان إلى أن مستقبل الأغنية سيظل في خطر ما دمنا غير قادرين على الحفاظ على تاريخ رموز الطرب، معتبرا أن اختفاءهم من على الشاشة أحد المخططات لإدخال موسيقى غربية لا تمت إلى مجتمعاتنا العربية بصلة لتحل محل الموسيقى الأصيلة لكبار نجوم الطرب.
مطلوب موقف حازم
إلى هنا تقود د.ياسمين فراج أستاذ النقد الموسيقي دفة الحديث إلى اتجاه آخر، حيث تؤكد أن التطاول والسطو على أغاني مطربي الزمن الجميل وتشويه تاريخهم بات أمرا طبيعيا على الساحة الغنائية، في إشارة منها إلى ما فعله محمد سعد قبل 8 سنوات عندما غنى رائعة أم كلثوم «حب أيه» في فيلم «اللمبي» وتبعه سعد الصغير وماريا اللبنانية وغيرهم حتى أصبحت أغاني كوكب الشرق وسيلة للرقص على موسيقاها ليس أكثر.
وفي الوقت الذي تؤكد أستاذ النقد الموسيقي أن قوة الأغاني القديمة تكمن في الإبقاء عليها بنفس الوضع وليس تحريفها أو الاستهزاء بها.. انتقدت موقف نقابة الموسيقيين في مصر، واتهمتها بأنها تساهلت كثيرا في حق أغاني عظماء الطرب، بالرغم من قيام نقابة الموسيقيين في دول أخرى مثل سوريا بالضرب بيد من حديد على بعض نجوم الطرب الذين تطاولوا على رموز الغناء هناك، حيث منعت هيفاء ونانسي وإليسا من الغناء على أرضها لحماية القيم الراسخة.
الوسيمي يدافع
في المقابل يدافع منير الوسيمي نقيب الموسيقيين المصريين عن اتهامه بالتقصير في حماية رموز الغناء من التجاهل الإعلامي المتعمد أو التطاول عليهم ونهب أعمالهم قائلا: إننا لن نستطيع أن نجبر الفضائيات على إذاعة أغاني الكبار، لافتا أن الميديا هي التي تتحكم في ذلك.
الوسيمى أشار أن رموز الغناء قادرون على حماية أنفسهم وليسوا في حاجة ليدافع عنهم أحد، لافتا أن ما حدث من تهكم من البعض عليهم لا يمنح البعض الآخر الحق في المزايدة على ذلك؛ لأن هؤلاء العمالقة يصعب على أي فرد من الوسط الغنائي الموجود حاليا الوصول لمكانتهم في الوطن العربي؛ فقد حفروا لأنفسهم مكانا في القلوب ويستحيل أن يتكرر ذلك مرة أخرى؛ ولا يستطيع أحد أن ينكر أن أصحاب الفضائيات أصبحوا يبحثون عن المادة وليس عن الفن وسمو مكانته. لكن الملحن الشاب محمد رحيم له وجهة نظر مختلفة يعبر عنها قائلا:: لا يستطيع أحد أن ينكر أن صوت وأداء عبد الوهاب وأم كلثوم كانا ومازالا يسيطران على أجيال عربية جديدة شديدة التناقض والاختلاف، فكان عبد الوهاب نفسه زعيما لثورة التجديد الرافض للقديم، فيما استمرت أم كلثوم على مدى نصف قرن مجسدة مشاعر وعواطف أجيال العذاب العاطفي بكل تأوهاته، وبين هذين العملاقين ظهرت أسمهان بشكل مختلف ثم جاء عبد الحليم حافظ بصوته العريض يمثل جيلا آخر أكثر جرأة ورومانسية من جيل عبد الوهاب وفريد الأطرش؛ ما يعنى أن الأجيال تتواصل مع بعضها البعض.
من هذا المنطلق، لا يعتب رحيم على القنوات الفضائية التي تواكب التغيير هي الأخرى وتحاول الفصل بين الأجيال بعد أن نتج جيل من الجمهور يستسهلون سماع هذا النوع من الغناء ويهضمونه، خاصة أن الأغنية الشبابية أو الشعبية هي أغنية سهلة الاستماع تثير عند المستمع مشاعر سطحية جميلة وتعززها الكليبات والصورة الجميلة والرقص الجذاب.
تراث الأغاني القديمة بتوزيع جديد
بينما يعترض الناقد الموسيقى د.سيد البحراوي على الآراء التي تحاول منع الأصوات الشابة من إعادة غناء التراث الموسيقي لعمالقة الغناء، مؤكدا أن هؤلاء النجوم الراحلين لو كانوا موجودين معنا لن يغضبوا من إعادة تقديم أعمالهم حتى لو كانت من خلال منولوجات؛ بدليل أن محمود شكوكو قدم أغنية على لحن أم كلثوم «حب إيه» دون أن يضيف بالرغم من تغيير الكلمات «من حب إيه أللي أنت جاي تقول عليه» إلى «هو في الدنيا أحلى من البوفيه» كما تحولت أغنيتها «أراك عصي الدمع» إلى منولوج ساخر قدمه شكوكو أيضا، كما غنى ساخرا من قصيدة «لا تكذبي» ولم يعترض مؤلفها كامل الشناوي أو ملحنها محمد عبد الوهاب ولا المطربة نجاة، كما لم يغضب عبدالحليم نفسه حينما غنى أحمد عدوية ساخرا من أغنية «نار يا حبيبي نار فول بالزيت الحار» .
وقال البحراوى: لست ضد أن يعاد غناء تراث الأجيال القديمة حتى ولو بتوزيع جديد؛ لأن لكل جيل طريقته وهذا أفضل بكثير من تناسيها جملة وتفصيلا بعد أن استطاع الإعلام بسياسته الحالية قطع صلة الأجيال الجديدة بكل ما تم تقديمه وإنجازه خلال الفترات الماضية التي بدأت مع ميلاد السينما والمسرح وحتى انتهاء عصر السادات، واكتفوا باللغة الجديدة في تقديم الأغنية ذات الإيقاع السريع الممتزج بالموسيقى الغربية مع مراعاة عدم سرقة أي لحن ونسبه إلى أي مطرب ومنع أي فرد من الاستهانة بهؤلاء الرموز أو تجريمهم أو التطاول عليهم؛ لأنهم سيظلون رموزا قوية وأهرامات شامخة لا تهتز بتطورات العصر أو الموسيقى الحديثة.
