ثلاث أمسيات حولّت الطقس البارد في بيروت الى دافئ في مسرح المدينة في شارع الحمرا، وفي كنيسة القديس يوسف في مونو في الأشرفية. ثلاثة مواعيد كان سيّدها العود وسيد عازفيه الموسيقي الفلسطيني سيمون شاهين الذي يفيض أداؤه إحساسا ورقيا. ابن ترشيحا الذي يعد من أبرز عازفي العود في العالم، أتى من نيويورك ليدعم مسرح المدينة التي أسسته الممثلة والمخرجة نضال الأشقر والذي يعاني نقصا في التمويل وبالتالي خطر في الاستمرارية. ولأنه يؤمن أن هذا الصرح التاريخي له دور مهم في نفوس اللبنانيين والعرب، أتى لحيي حفلتين يعود ريعهما لشراء مستلزمات أساسية في المسرح. فاجتمع حوله جمهور لا نراه في الأمسيات الموسيقية عادة، وهو جمهور الستينات المتحدّر في غالبيته من أصول فلسطينية. هم تهافتوا لأجل نغماته التي تستحضر شحنات انفعالية عالية في نفوسهم. أتوا ليسمعوا عازفا قلّما نجده اليوم، في حين تعاني هذه الآلة مشكلة تاريخية تتعلق بصناعته وتقنيات الهندسة الصوتية. أتوا ليسترجعوا مع نقراته على العود وعلى الكمان شيئاً من أيام الزمن الجميل أيام عبدالوهاب والسنباطي وأم كلثوم. فكان لهم ما تمنوه برفقة أصدقاء شاهين اللبنانيين جاهدة وهبي وشربل روحانا(عود) وعبود السعدي (غيتار) وميشال مرهج (إيقاع)، في الحفلتين الأوليين.

إذاً هما سهرتان خاصتان أقيمتا لدعم مسرح المدينة الذي يعاني ضائقة مادية وكالعادة يسعفه الأصدقاء الذين يؤمنون بدوره الفعال والتاريخي، لكن الموسيقي الذي عزف مقطوعة بعنوان «نسمة في بيروت» فيها تقاسيم على العود والغيتار ثم تقاسيم على الكمان، مثّلت الفرح والصخب والربيع مدّت الجمهور بشحنة تفاؤلية عالية في هذا الوقت المتشائم، لا يعرف أن بيروت التي عهدها أبناء جيله غيّرت ثوبها بل أراد أصحاب السلطات العليا تغيير ثوبها من لون العشق والفرح والثورة الى لون المرض والنسيان والهجر. وعلى عكس ما تفعل قطر ودبي وأبوظبي والشارقة في التنافس على التميّز الثقافي في المنطقة، تستقيل الدولة اللبنانية من هذا الدور العريق الذي كانت بيروت منارته. وطبعاً هذا لم يُحبط العاملين في مجال الفنون والثقافة، فقطاع الثقافة في بيروت بوجهه المضيء والنيّر يأتي من مبادرات الأفراد الغيّورين على صورة بلدهم مثل نضال الأشقر ومسرح المدينة، وكريستين طعمة وأشكال ألوان، وعمر راجح ومهرجان الرقص المعاصر، ومركز بيروت للفن المعاصر، وروجيه عساف وحنان الحاج علي، وعصام أبو خالد، وأصحاب دور النشر، والغاليريات التي تعرض الفن التشكيلي، وغيرهم كثيرون. إذاً لا نريد لهذه الدولة أن تتبنى مسرح المدينة ولا أي صرح آخر، لأنها ستحوّله الى ما آلت إليه الحال بالتياترو الكبير في وسط بيروت الذي يقف شبه مدمّر بين الأبنية الأثرية المرمّمة.

السهرتان أعادتا الى مخيّلة الحاضرين سهرات بيت لحم وحيفا والناصرة والقدس القديمة، فعود صاحب أسطوانة «سلطنة» و«اللهب الأزرق» وكمانه، أشعلا النار في قلوب الجمهور. موسيقى ابن ترشيحا في الجليل المحتلّ غمرت الحاضرين بأدائه المرهف ونقراته الحرفية على أوتار العود والكمان وارتجالاته البديعة.استهلّ شاهين الذي يعتبر من الموسيقيين المؤثرين في المشهد العربي والعالمي، برنامجه من العراق الجريح بمقطوعة عود مبنية على مقام العراق، تحمل اسم هذا البلد. لكن الموسيقى لم تدخل في متاهات هذا الأسى، بل ذهبت لتضيء لنا شمعة علّها تكون الطريق الى السلام برفقة إيقاع مرهج وغيتار السعدي. ثم أخذ شاهين أبرز عازفي العود في العالم، الجمهور المنبهر بما يسمع، الى روائع الللبناني فيلمون وهبي مثل يا دارة دوري فينا، وعلى جسر اللوزية، وباعتلي سلام عصفور الجناين، التي لوّحت لها الأيدي وغنت مع نغماتها الحناجر بصوت خافت بمرافقة عود شربل روحانا.

وبعدها أصغينا الى حوار بناء هادئ وحيوي بين عود شاهين وعود روحانا في جمل موسيقية متصلة منسجمة أخذتنا في رحلة الى أيام سيد درويش وأغنية منيتي عزّ اصطباري تخلّلها ارتجال متجانس مميز. ومن زمن التجديد في الموسيقى العربية نقلتنا جاهدة وهبي بصوتها الرخيم الى الستينات مع «يا جارة الوادي» لأم كلثوم من تلحين محمد عبدالوهاب وكلمات أحمد شوقي، ثم أبدعت في تأدية أغنية «ما دام تحبّ بتنكر ليه» لأحمد رامي، متنقلة بين العرب والجمل اللحنية الطربية بخفّة كأنها تداعب صوتها وتغنّجه برفقة عود شاهين. ثم ذهب شاهين بنا الى بيت لحم حيث استوحى مقطوعة «جدار» الحزينة حين كان يُعطي ورشة عمل لموسيقيين أطفال في دير ساليطة. «عندما نظرت من الشباك شعرت بشيء فظيع»، وأتت نوتات «جدار» على الكمان في مقدمة أصوات الإيقاع والغيتار التي تمزّق شرايين القلب كما تتمزّق فلسطين اليوم. الحزن أقوى من الأمل في هذه المقطوعة التي يشعر سامعها كأن جسده في لحظة الفراق عن الروح، كأنه الوداع والغياب والحنين الى الطفولة وحواري البلاد كما يقول أهالي أراضي الـ 48 حين يصفون قراهم وبلداتهم ومدنهم التي احتلّتها اسرائيل. تمتزج في معظم مقطوعات شاهين روح النغمة الشرقية وتقنية الإيقاع الغربي، الذي يشحن السامع بانفعالات قوية تتراوح بين الحنين والحب والقسوة والبعد والغياب والسلام، ولكن ليس الاستسلام كما قال لنا بعد الحفلة. وأضاف: «الاستسلام لا مكان له في موسيقاي. طالما هناك إبداع لا وجود للاستسلام».

أما الحفلة الثالثة التي أحياها في كنيسة القديس يوسف في شارع مونو في الأشرفية، فكانت مع الأوركسترا الفلهارمونية اللبنانية التي أتت مليئة بالمفاجآت كونها بشّرت بولادة كونشرتو استثنائي للعود والأوركسترا. وهذا العمل يتمّز ببنية تأليفية متينة ويكشف عن رؤية موسيقية مغايرة. وهو ما يفخر به الموسيقيون اللبنانيون وعلى رأسهم رئيس المعهد العالي للموسيقى الذي أكد أن «هذا العمل لشاهين يضيء على آلة عربية نبيلة في إطار موسيقي يجمع بين الأصالة الشرقية والعصرنة». وكان شاهين في هذه الحفلة التي دامت 35 دقيقة أمام تحدّ ليس سهلاً وهو إدراج المقامات العربية في قالب يرتكز على الهارموني والتوزيع الأوركسترالي الحديث، لكنه نجح وأطرب الجمهور الذي كان في غالبيته من الأجانب والمخضرمين ومن «السميعة» للموسيقى الكلاسيكية. وعزف شاهين برفقة الأوركسترا الفلهارمونية اللبنانية برنامجاً كلاسيكياً راقياً بامتياز. وشمل البرنامج مقطوعات لأنتونيو فيفالدي وجول مانسيه وغيرهما. ولم تؤثر كل تلك الآلات الغربية على نبرة العود المعتادة في عزف شاهين المنفرد. بل تألق عزفه ومجاراته للآلات الأخرى، وجاءت الحفلة عالية الاحترافية. وقال شاهين الذي اشتهر بتأدية مقطوعة «لونغا رياض» لرياض السنباطي: «تمحور اهتمامي حول إبراز نبرة العود في هذا العمل السمفوني ولم أكترث لإشكالية ربع الصوت».