بين رؤية أمير الشعراء أحمد شوقي للمدرس ورؤية كتاب الدراما للشخصية نفسها، مسيرة ألف قرن من الفكر والخيال.. فأشعار شوقي قدمت شخصية المدرس باعتباره رسولا «قم للمعلم وفِّه التبجيل -كاد المعلم أن يكون رسولا» بيت من الشعر يقشعر بدنك حين تقرأه. في حين قدم كتَّاب الأفلام المدرس شخصية هزلية إذا تحدَّثتْ تثير الضحك والسخرية، وقد تصيبك بالغثيان إذا رأيتها، مثل الأستاذ حمام (نجيب الريحاني) في فيلم غزل البنات خلال الأربعينيات، وياقوت أفندي (فؤاد المهندس) في مسرحية السكرتير الفني في الستينيات، والملواني (عبدالله فرغلي) وعبدالمعطي (حسن مصطفى) في مسرحية مدرسة المشاغبين في سبعينيات القرن الماضي، ورمضان مبروك أبوالعلمين حمودة (محمد هنيدي) في فيلم يحمل الاسم نفسه عام .2008 والمتتبع لشخصية المدرس يجد أنها قد ظلمت سينمائياً ومسرحيا ونصفت درامياً.
وعلى الرغم من أننا في عصر العلم والتكنولوجيا والتعليم عن بعد، فإن المدرس لايزال يقف في خيال كتَّاب الدراما عند شخصية الأستاذ حمام في فيلم «غزل البنات» وهو مدرس بدين رث الثياب يرتدي ملابس الشتاء في الصيف ويضع منديلا تحت طربوشه ويرتدي نظارة سميكة قبيحة المنظر ويسهل استفزازه واستغفاله..
بالطبع توجد أعمال استثنائية قليلة للغاية أظهرت المدرس في ثوبه الحقيقي منها «امرأة من زمن الحب» لسميرة أحمد ويوسف شعبان، حيث ظهرت خلاله سميرة أحمد في ثياب مدرسة بعيدة عن النمطية التي تعودنا عليها، كذلك مسلسل حضرة المتهم أبي، الذي يرتدي خلاله نور الشريف ثوب الأستاذ عبدالحميد مدرس اللغة العربية متوسط الحال الذي يكافح في الحياة محاولاً تعليم أبنائه القيم والأخلاق ويرفض الدروس الخصوصية على الرغم من أحواله المادية السيئة.
كما ظهرت الفنانة يسرا في دورين مختلفين كانت فيهما نموذجا للمُدرسة القوية، أحدهما في مسلسل أين قلبي وكانت مُدرسة في المرحلة الإعدادية، بينما جسدت أستاذة جامعية قوية الشخصية في مسلسل قضية رأي عام، في حين ظهر زوج شقيقها في صورة مدرس يعشق ويقدس الدروس الخصوصية إذ قام بتحويل بيته إلى مركز للدروس الخصوصية، كما جسد محمود ياسين شخصية المدرس المغلوب على أمره العام الماضي في مسلسل ماما في القسم، وقدم جمال سليمان أيضا شخصية الناظر المحترم في مسلسل قصة حب، لكن محمد هنيدي الذي نجح مع يوسف معاطي في تقديم المدرس في شكل كوميدي من خلال فيلم رمضان مبروك أبوالعلمين حمودة يحاول الآن استثمارها مرة أخرى في مسلسل يحمل العنوان نفسه يعرض في رمضان المقبل. ليبقى السؤال: ما سبب إصرار صناع الأفلام على تقديم المدرس في صورة سلبية على الرغم من وجود نماذج متميزة تفيض على من حولها علما وعطاء وحبا؟، أم أن المدرس في وجهة نظر صناع الأفلام مجرد شخصية يتم تقديمها للتسلية والترويح؟
في البداية يرى الناقد الفني طارق الشناوي أن شخصية المدرس إحدى الشخصيات الثرية في المادة الدرامية، لكن مازال بعض الكتَّاب يحاولون تجميدها في شخصية هزلية تدعو للضحك والفكاهة على الرغم من اندثار ذلك العهد في ظل الحرية والديمقراطية التي نعيشهما حاليا، فلم يعد يظهر المدرس المتخلف رث الثياب فقير المظهر، لكن كتَّاب السيناريو يلجأون إليها؛ لأن تلك الصورة الهزلية تجد صدى في النفوس وتثير الضحك والفكاهة.
رأي مخالف
بينما يرى الفنان محمد هنيدي الذي يجسد شخصية المدرس «مبروك أبوالعلمين حمودة» في الفيلم والمسلسل الذي سيحمل الاسم نفسه أن ذكاء المؤلف يوسف معاطي هو الذي أعاد للأذهان المدرس الذي يحمل العصا، ويبذل كل جهده لتوصيل المعلومة لتلاميذه حتى ولو داخل منازلهم، حيث يعتبر هذا النموذج إيجابيا وليس سلبيا كما يدعي البعض، لكن كون المسلسل يحمل الطابع الكوميدي يظهر مبروك في شكل معين، وكأنه كائن غير اجتماعي أو شخص يعيش زمنا مضى ولا يعترف بمواكبة مستجدات العصر، وأعتقد أن هذه الصورة درامية وهذا لا يعني التقليل من قيمة المدرس أو تشويه صورته أو العبث بنبل رسالته، كما أننا لا نهدف من وراء ذلك إلى تقديم شخصيته للمشاهد بصورة سلبية شكلا ومضمونا.
وقال: لا يستطيع أحد أن ينكر نبل رسالة المدرس، لكن حتى هذه اللحظة تطفح البيوت بالمشكلات بسبب الدروس الخصوصية؛ وبالتالي ليس عيبا أن يتم فضح تلك الظاهرة على شاشة التليفزيون سواء تم تقديمها في شكل كوميدي أو تراجيدي حتى تصل الرسالة، وقد أسهم في وجود تلك الصورة المدرس نفسه الذي بات يشعر أنه مهمل بالفعل، ومهما فعل فلن يقدره أحد.
كتاب الدراما تعمدوا تشويه المدرس
بينما يرى د.محمد أمين، أستاذ التربية بجامعة عين شمس، أن صناع الدراما تعمدوا تشويه المدرس في معظم الأعمال الدرامية والسينمائية والمسرحية أيضا، حيث تحالف الإعلام بصفة عامة باعتماده على الإثارة والتهويل واختلاق القصص والتركيز على السلبيات لجذب الجمهور الذي يبحث عن الإثارة التي تصوره أحمق وغير مهندم، لكن يبدو أن هذه النظرة قد تحولت في هذا الوقت وتقلصت في السنوات الأخيرة وبدأت مكانة المدرس تسمو وأحواله المادية تتحسن بشكل أفضل بعد أن كان يظهر بشكل نمطي سلبي فج اللغة ويتعامل بالعصا وينصب اهتمامه على الدروس الخصوصية فقط.
وأوضح أنه من الضروري عند تناول المدرس في الدراما أن نلقي الضوء على أنه ناقل للثقافة وهمزة الوصل بين المدرسة والمنزل والمنوط به حل المشكلات التعليمية والمسئول عن تربية النشء وليس النظرة السطحية التي ينظر إليه بها البعض، حيث قدمت المسلسلات الثلاثة «امرأة من زمن الحب، وحضرة المتهم أبي، وأين قلبي» نماذج تؤكد أهمية المدرس في تفوق الأبناء.
ويعتبر د.محمد الناقة، أستاذ المناهج وطرق التدريس، أن الدراما التليفزيونية مازالت تنقل وجهة النظر كما يحلو لها بعيدا عن الواقع والموضوعية حتى تخلخلت صورة المدرس ونقصت قيمته كثيرا بسبب الصورة السلبية والهزلية التي يظهر بها بعد أن كان المدرس قيمة تغنى بها شوقي في أشعاره قائلا «قم للمعلم وفِّه التبجيل كاد المعلم أن يكون رسولا»، حيث بدأت الصورة السيئة للمدرس تظهر دراميا منذ أن رسمها طه حسين في روايته «الأيام» التي ظهر فيها المدرس «شيخ كتاب القرية» في صورة شخص بدين يحمل عصا غليظة يرتعد منه الصغار بسبب الفجاجة والغلظة التي يتمتع بها والتي لا تتناسب على الإطلاق مع دوره كمربٍ للأجيال، ثم توالت بعد ذلك عشرات المسلسلات الدرامية التي تحمل ضغينة للمدرسين وتَسبب بعضها في انفلات العملية التعليمية على غرار كثرة المشكلات والحيل التي يبتدعها الطلاب لإظهار المدرس في شكل كوميدي مثير للسخرية والاستهزاء حتى أصبح يطلق على كل مدرسة تحدث بها مشكلة «مدرسة المشاغبين» على غرار المسرحية الشهيرة للنجم الكوميدي عادل إمام.
الإعلام أهان المدرس
وتتفق معه في الرأي د.بثينة عبدالرؤوف، الأستاذ بكلية التربية جامعة القاهرة قائلة: للأسف حاول الإعلام مرارا وتكرارا إهانة المدرس وتلطيخ تاريخه الذي تشهد به الأجيال بصورة غير حقيقية تدعو للسخرية، فأظهر المُدرسة في شكل موظفة سيئة الشكل والصفات تهمل عملها وتطرّز الصوف وتنسج الملابس لأطفالها، وأظهروا المدرس شخصا مستغلا لا يهتم إلا بالدروس الخصوصية فقط.
بالإضافة إلى المدرس ضعيف الشخصية الذي يعد أضحوكة بين طلابه دون أن يسلطوا الضوء على النواحي الإيجابية في حياته ودون أن يتطرقوا إلى دور الحكومات العربية في تدني أجره وضعف شخصيته واضطراره لإعطاء الدروس الخصوصية، والغريب أن نقابة المعلمين المصرية لم تكلف خاطرها بالاعتراض على أي دور يشوه تاريخ المدرس، لكنها شاهدت وضحكت وطلبت المزيد من الأعمال الدرامية التي تدعو إلى الضحك والسخرية.
لكنها عادت وأكدت أن هناك بعض النماذج السلبية والصور السيئة التي تسببت في تشويه صورة المدرس؛ لذلك لابد للإعلام ووسائله المختلفة أن تعكس حقيقة المجتمع وصور نماذجه المختلفة، فلا يصح أن نرى محمد هنيدي في مسلسله الجديد يركب دراجة ويذهب إلى طالب ليضربه في عقر داره بعد توجيه أسئلة إليه، وتقديم المدرس بالشكل المغلوط؛ لذلك لابد أن يتم كشف دور المدرسين الحقيقي على الشاشة من خلال مشكلاته وهمومه ودوره المشرق حتى لا نلقي باللوم على الطلاب المشاغبين بعد ذلك.
القاهرة: دار الإعلام العربية
