الجمعة 15 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 16 مايو 2003 يقال ان موشح «جادك الغيث» من اشهر الموشحات الاندلسية التي كتبها ابن الخطيب متأثرا بموشحة ابن سهل شاعر اشبيلية والتي مطلعها: هل درى ظبي الحمى أن قد حما، قلب صب حله عن مكنس فهو في حر وخفق مثلما، لعبت ريح، وبأن اجمل من قدم هذا الموشح على الساحة الفنية في الحفلات والامسيات الغنائية هو الفنان السوري صباح فخري، ومطلع الموشح: جادك الغيث إذا الغيث هما يا زمان الوصل بالأندلس لم يكن وصلك إلا حلما في الكرى أو خلسة المختلس إذ يقود الدهر أشتات المنى ينقل الخطو على ما يرسم زمرا بين فرادى وثنا مثلما يدعو الوفود الموسم والحيا قد جلل الروض سنا فثغور الزهر منه تبسم وروى النعمان عن ماء السما كيف يروي مالك عن انس فكساه الحسن ثوبا معلما يزدهي منه بأبهى ملبس. ميلاد مطرب ولد صباح فخري في مدينة حلب عام 1933 في بيئة علمية صوفية وكان والده شيخا لبعض الطرق الصوفية فكانت الأذكار تقام والأناشيد الصوفية تنشد و آلات الإيقاع تضرب الأوزان الموسيقية وكانت مسامع هذا الطفل تتلقى هذه النغمات والأوزان فنشأت عنده موهبة موسيقية فطرية وقد منحه الله جمال الصوت فكان يردد هذه الألحان الصوفية ويترنم بها ويسمعها إلى أقرانه الأطفال داخل المدرسة الابتدائية وتدرج في دراسته حتى الشهادة الابتدائية، ولما شعرت إدارة المدرسة بجمال صوت هذا الطالب بدأت تظهره في حفلاتها المدرسية وبنفس الوقت شعر هو بشخصية صوته وجماله وحسن أدائه فقويت شخصيته الفنية وارتفعت معنوياته الموسيقية. الفنان الحرفي وفي نهاية عام 1948 عاد صباح إلى مدينة حلب تاركا الغناء لزمن قصير ليتزود بالعلم فدخل المعهد العربي الإسلامي لإتمام دراسته الإعدادية وبعد أربع سنوات عمل مدرسا في المدارس الرسمية سنة واحدة ثم في الحكومة لأداء خدمة العلم كما مارس بعض الأعمال الصناعية والتجارية والكتابية وكان ذلك عام 1956 وكانت إذاعة حلب تستدعيه بين الحين والآخر لتتزود منه ببعض التسجيلات من صوته الرخيم فأخذ بعض الألحان عن بكري الكردي ونديم الدرويش ومجدي العقيلي وبعض ملحني الإذاعة السورية بحلب ثم اتجه إلى العمل المسرحي الغنائي وهناك تقابل مع مستمعيه وجها لوجه ولم يعد جهاز الراديو واسطة بينه وبين مستمعيه ولما تأسس التلفزيون السوري عام 1960 كان صباح أول من شارك بغنائه في حفلاته كما اشترك في كثير من البرامج التلفزيونية التي صاحب فيها الغناء التمثيل. بعد ذلك اصبح صباح مشهورا تعدى نطاقه الحدود السورية فسافر إلى مصر وروسيا وغنى في الأردن ولبنان وسافر إلى السودان، وبسبب هذه الزيارات استغل وجوده في عمل الكثير من الاسطوانات الغنائية التي راجت بشكل هائل. التوثيق بصوته وثق صباح الكثير من الموشحات والأدوار بصوته من خلال مسلسل تلفزيوني اسمه «نغم الأمس» حيث أفرد لكل مقام حلقة موسيقية كاملة فغنى من كل مقام موسيقي عدة موشحات ودور وموال شرقاوي (سبعاوي) وقصيدة وبعض القدود الحلبية والتراثية، وبرأيي أن كل من يريد ان يتعلم الغناء والموسيقى عليه أن يستمع لهذا العمل الجبار، وشارك المطربة وردة الجزائرية في بطولة مسلسل اسمه «الوادي الكبير» من ألحان بليغ حمدي وعزيز غنام و عدنان أبو الشامات وغيرهم، الذين أبدعوا ألحانا رائعة، كما يعد من أقوى مطربي القرن العشرين، من حيث صوته، وقوة جمله الموسيقية، وايضا من ناحية التنقل بين النغمات، الى جانب الاداء الأصعب الذي يؤديه بسهولة مطلقة. ومع مرور السنوات بدأ صباح فخري يقدم حفلاته الغنائية للاذاعة كل أسبوع وكان للإذاعة معهد موسيقي تابع لها فدخله صباح ليزيد معلوماته الفنية فأخذ عن عمر البطش الموشحات والإيقاع ورقص السماح كما أخذ عن مجدي العقيلي القراءة الموسيقية والموشحات وأخذ بعض المواد الأخرى عن أساتذة المعهد الآخرين. الهجوم ورد الفعل زوابع كثيرة أثيرت في الصحافة العربية حول الفنان المطرب فخري الذي يحتل موقع الصدارة منذ أكثر من أربعين عام في مجال الطرب العربي الأصيل وهو يؤدي من مختارات التراث الموسيقي والغنائي العربي، كالموشحات، والمقامات، والقدود، والأدوار، والقصائد، حتى أصبح ظاهرة متميزة في هذا المجال. وعلى الرغم من انه يرفض عادة التعقيب على بعض الحملات التي تشن عليه والتي فيها الكثير من التهجم والاتهام، كمثل من يتهمه بأنه لم يضف شيئا إلى التراث الموسيقي والغنائي العربي، بل راح يأخذ منه بلا حساب ودون رقيب، وهو يؤدي الأغاني والقصائد والموشحات نفسها ويعيدها في كل حفلة من حفلاته دون أن يضيف إليها أي جديد، وهناك من يقول من خلال استفتاء واسع وعلى لسان الذين يؤدون الألوان نفسها التي يؤديها، أن صباح فخري ليس مدرسة في الغناء العربي، وأن هؤلاء المطربين يرفضون أن يكونوا تلاميذ في مدرسته، بل هم زملاؤه في مدرسة الغناء العربي التراثي الأصيل، وتنتقل الحملة الى اتهامه بانه استغل منصبه السابق كنقيب للفنانين من أجل التعاقد على إقامة الحفلات والمشاركة في المهرجانات، وان في عهده لم يطرأ أي تطور على النقابة. وامام هذا الكم من الاتهامات كان لابد من الفنان صباح الفخري ان يعلق ولو من باب درء الغبار عن اعين الذين لايرون فيه سوى فنان استهلك نفسه وفنه، ومن ردوده يقول: أنا لم اكتف بنقل التراث الموسيقي والغنائي كما هو، بل إن ما حققته كان ثمرة رحلة طويلة وشاقة بعد استكمال تعليمي الثقافي والفني وكانت البداية في مدينة حلب حيث التراث كبير وواسع، وكان الفنانون قبلي يتعاملون معه، ولكن بشكله المتداول منذ القديم، فعمدت أنا إلى تطويره وإزالة الغبار عنه، كالصائغ الذي يأخذ الجوهرة لينظفها ويلمعها ويظهر جمالها بما يناسب أذواق زبائنه، لكن الجوهرة هي نفسها وأنا أفخر بأنني مازلت باحثا دؤوبا في التراث من خلال التنقيب والاختيار والجمع والتشذيب والصياغة الملائمة لروح العصر، وما زلت أعتبر نفسي تلميذا في مدرسة التراث، كما أنني أرفض أن أطلب من أحد أن يكون تلميذي في مدرسة الغناء فكيف لي أن أكون تلميذا ولي تلاميذ أيضا. أما بالنسبة إلى التهم النقابية، فأحب أن أقول أن هذا الكلام مرفوض، لأنه مجرد تهم ولا تقف على أية معطيات حقيقة، فالمعروف أن للنقابات أنظمة داخلية تحدد الصلاحيات والمسئوليات وهناك لجان وهناك مؤتمرات يحق لأي عضو في النقابة أن يشرح ويناقش مشاكله التي يريدها، بالإضافة إلى أن هناك فروعا للنقابة وهذه الأخيرة تدير العمل وتمارس صلاحياتها ومسئوليات وهناك مهام ملقاة على أكتاف الفنانين فأين هي الدكتاتورية ضمن هذا المعطيات ثم من قال أن رأي أو قرار النقيب فردي لا يمكن رده أو مناقشته من قبل المسئولين في النقابة، ومع ذلك فأنا لست نقيبا الآن ولكن لا أحب أن أكون متهما في أعين الجماهير التي صفقت لي وبالدرجة الأولى لا أحب أن أكون متهما إما التي أعرفها جيدا والتي ترفض أن يقال عنها أنها حطمت السياحة في سوريا باختصار أن هناك عدة مرافق تقدم برامج فنية، ومنها بعض المطاعم والفنادق والمقاصف، وهناك فنانون يعملون فيها كعازفين أو كمطربين طيلة السهرة، وقد شعرنا أن هؤلاء الفنانين يعانون من انخفاض أجورهم قياسا إلى المبالغ الخيالية التي يجنيها أصحاب تلك المرافق، فعمدنا إلى طلب رفع هذه الأجور وكانت النتيجة لا ترضي أحدا والحمد لله أنني لم أعد نقيبا كي تسقط عني هذه التهم، كما أنني أستغرب تماما تهمة أنني أحارب الذين يؤدون نفس اللون الذي أؤديه حتى أطل وحيدا في هذا الموقع المتقدم دون منافس، والعكس تماما، فأنا حريص على أن يستمر هذا اللون من الغناء الأصيل التراثي حتى لا يتراجع ويندثر أمام الصرعات الغنائية الجديدة التي جاءت تقليدا للصرعات الغنائية المستوردة من الغرب تحت أسماء منها «الأغنية العصرية» أو «الأغنية الشبابية» أو «الأغنية الإيقاعية» إلى آخر هذه التسميات. واخيرا فانه ليس من المعقول أن يظل هذا التراث من الموسيقى والغناء مقتصر على أداء فنان واحد مهما كانت إمكاناته وقدراته، وكل ما اطلبه من هذا الجيل من المطربين إن يتابعوا المهمة التي قمت وأقوم بها منذ أكثر من أربعة عقود، وان يحاولوا البحث عن المزيد من عطاءات هذا التراث لتطويره وتقديمه بما يناسب روح العصر دون تشويه جوهره الأصل، إما إنني أعامل من حولي بعصبيه ومزاجية، فهذا كلام مردود وليس لدَي ما أرد به عليه، لأنه مجرد كلام في الهواء. اما ماقدمته في حياتي فيشهد عليه مهرجان المحبة باللاذقية ومهرجان جرش ومهرجان تونس ومهرجان بيت الدين وكذلك الحفلات التي اقيمت في بعض الأقطار الخليجية وذهبت إلى المهاجر بدعوات حيث غنيت للمغتربين العرب هناك. اعداد: جميل محسن