الجمعة 15 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 16 مايو 2003 أعلنت وزارة الثقافة اللبنانية عن ولادة «مؤسسة سينما لبنان» بعد طول مخاض، تمكن ان يضع له الوزير السابق للثقافة الدكتور غسان سلامة مداً للخلاص، داعيا الى «ان تكون السينما اللبنانية ذات مستوى عال بجودتها، وبكل عناصرها الفنية: كتابة وتصويرا واخراجا، ومعتبرا «انها حية، وان طرح اعلان وفاتها لا يعدو كونه مقولة خاطئة، وبالتالي فلا بد من تعاون القطاعين العام والخاص في تعويض نحو ربع قرن من توقف صناعة السينما المحلية عن الابداع والانتاج»، حسب تعبير د. سلامة. نسأل الوزير السابق: ـ لماذا توقيت الاعلان عن انشاء «مؤسسة سينما لبنان» في هذا الوقت الراهن بالذات بعد انتظار طال ربع قرن، بل واكثر، كما ذكرت؟ ـ «الواقع ان اختيار سنة 2003 الجارية لا طلاق مؤسسة السينما «تلك» موفقا تماما، لانه في هذا العام تصادف ذكرى خروج أول فيلم لبناني بالكامل من السيناريو والتصوير الى الانتاج فالتوزيع، وهو فيلم جورج قاعي وعنوانه «عذاب الضمير» سنة 1953، لذلك فقد ولدت مؤسسة السينما بعد خمسين عاما من ذلك بالتمام والكمال، بعد ان ظلت لفترة بعيدة مجرد فكرة كانت اول من حملتها واقترحتها على الوزارة ايميه بولس البنا التي طرحت بذلك مشروعا لانشاء مؤسسة لدعم السينما في لبنان وتمويلها». ـ إلى ا ي مدى وكيف تطورت السينما اللبنانية خلال الخمسين سنة الماضية برأيك، أي منذ ولادة فيلم «عذاب الضمير» حتى ولادة مؤسسة السينما؟ يقول: ـ «لا شك ان صناعة السينما في لبنان شهدت على مدى تلك الفترة، تطورات ايجابية جدا، خاصة في مرحلة الستينيات ومطلع السبعينيات لكن هذا لا ينفي انها شهدت محطات سلبية في مراحل وفترات اخرى. فبعد ان كنا ننتج عشرات الافلام الاعلامية والدعائية والوثائقية، تحولت السينما اللبنانية الى «شهيدة» بسبب الحرب «الأهلية» ا لداميةالتي عرفتها البلاد وهي لم تختلف في هذا المصير عما لحق بما يشبهه على مستوى الصناعات الثقافية الاخرى. ربما نكون قد تأخرنا في اعادة الارتباط بهذا الماضي الجميل، ولكننا نحاول في الدولة، كما في الجامعات اللبنانية، التعويض عن حوالي ربع قرن «خلال الحرب» من توقف صناعة السينما عن الابداع، كما عن الانتاج، ولا اخفي اننا نعوّل اهمية خاصة على هذه الجامعات باعتبار انها انشأت مدارس متخصصة بالسينما ضمن كلياتها ومناهجها وتدريسها وشهاداتها، وذلك ما نعوله في المستوى نفسه ايضا على شتى المرافق في القطاع الخاص. ان الخطوة الأساسية الاولى التي نسعى اليها هي العودة العاجلة الى ما كنا عليه عشية اندلاع تلك الحرب على الاقل. لذلك فقد كان التطور يسير باستمرار من الحسن الى الاحسن، حتى نشوب الحرب عام 1975، وقد عدنا الآن الى الوتيرة نفسها، بل افضل على صعيد التطوير والانتاج والاكتمال والتكامل، اذ بات يمكننا القول، ومنذ نحو ثلاثة أو أربعة اشهر، ان أي فيلم مهما كان هدفه طويلا، او قصيرا، ام وثائقيا، او اعلانيا، يمكن انتاجه بالكامل وفق كل الدورة المعقدة التي تحتاج اليها السينما، من الكتابة الى التصوير، التحميض، الانتاج، التوزيع، فالعرض، مثل هذه الامور باتت متوفرة مجددا في لبنان. وهذا يؤكد جهوزيته لأن يكون مجددا، بلدا منتجا، مبدعا، موزعا، وناشطا في مجال السينما، لذلك فان اطلاق «مؤسسة السينما» يشكل مناسبة واعدة، وهي جميلة ليس لاننا اصبحنا قادرين على انجاز كل ذلك محليا فحسب، بل لأن الدورة التي اوقفتها الحرب قسرا وقهرا، عادت لتتواصل، وتتحرك، وتعطي وتتطور. ـ وتوضيحا «لنقطة» تتعلق بمدى توافر البنى التحتية المادية منها والبشرية، يقول الوزير سلامة مفصلا ذلك بالقول: ـ يوجد في القطاع السينمائي في لبنان اكثر من 30 شركة للانتاج، ونقابة للسينمائيين تضم ما يقارب 500 عضو، كما ان اكثر من 700 يتخرجون في مجال السينما من خمس جامعات، اضافة الى وجود 90 صالة جيدة لعرض الافلام ومن ضمنها اكثر من عشرين الف مقعد في الصالات المتفرقة للسينما في لبنان، حيث يعرض اسبوعيا ما معدله 25 عرضا في كل صالة سينما. ومما لا شك فيه ان كل ذلك يؤكد محبة اللبنانيين للسينما، حيث قدر عدد روادها خلال العام الماضي 2002 بأكثر من مليونين و600 الف مشاهد تابعوا افلاما محلية وعربية ودولية. وهذا الرقم بالنسبة لبلد كلبنان ليس سيئا، على الرغم مما يقال عن «هيمنة التلفزيون واقصائه لارتياد صالات السينما». صحيح انه ليس لدينا اكثر من مختبر واحد للتحميض، ولكنني على ثقة بأن هذه الصناعة سوف تتطور، خاصة وان هذا المختبر الوحيد لدينا ينتج قدرا فنيا عاليا، يتم تصدير 80 بالمئة منه الى الخارج. اضافة الى المجال الاعلاني الزاهر علما ان في لبنان اكثر من 160 وكالة اعلانية تستعين مرارا وتكرارا بالسينما. لذا، فاننا في بلد بات يعرب عن حبه للسينما بوسائل ومصادر ووظائف شتى، منها كتابة السيناريوهات الى التصوير، الى الاخراج، الى الانتاج.. فالمشاهدة». ـ لكن رغم ذلك، هناك من يتحدث عن «وفاة» السينما اللبنانية، اي ثمة من يتبعها. هل هذا صحيح؟ وما دور القطاع العام، وعلى الاخص وزارة الثقافة فيه في دعمها، وانقاذها مما تعاني منه لجهة صعوبات التمويل والانتاج وهجرة الكفاءات وما شابه. ـ يوضح سلامة هذه النقطة بقوله: ـ «الواضح ان كل ما سبق وذكرته، يشكل علامات على ان مقولة وفاة السينما، او على الاقل انها قد «توفيت» في لبنان بالتحديد هي من المقولات الخاطئة بالكامل. فالسينما حية في لبنان، وعلينا ان نبدأ في أي جديد من اجل القناعة، لذلك، وعلى الرغم من المرحلة الصعبة التي تمر بها مالية الدولة، فقد كان من اولى القرارات التي اتخذتها عندما تسلمت مسئوليات في آخر سنة 2000 هو انشاء صندوق رسمي لدعم انتاج السينما في لبنان، وفي ميزانية عام 2001 ظهر للمرة الاولى في لبنان بند خاص في ميزانية الدولة مخصص لإسهام الدولة في انتاج الافلام. فقد انفقت الوزارة في العام 2001 ما مجموعه 232 مليون ليرة لدعم السينما، وبالتحديد للمساهمة باخراج اربعة افلام قصيرة، واربعة اخرى طويلة، وفيلم وثائقي واحد، وثلاثة مهرجانات للسينما، وتسع اخرى مختلفة للسينما الوثائقية والطويل الاوروبية منها والمحلية، وفي العام التالي 2002 جرى تقديم المساهمة المالية لعشرة افلام ومهرجان واحد. اما خلال العام الجاري فقد بدأت لجنة متخصصة تعمل لقراءة سيناريوهات. وآمل ان تتمكن الوزارة ايضا من دعم نحو عشرة افلام كمعدل ادنى لأدائها في هذا المجال». ـ وهنا يلفت الدكتور سلامة الى سبب التركيز على أهمية تلك الارقام والدعم الرسمي، رغم تواضع حجمها ومبالغها، فيؤكد ان العبرة «ليست بالمال فحسب، بل كوننا كرسنا دعم السينما والصناعات الثقافية كركيزة من اهداف الحكومة والوزارة والقطاع الرسمي بصورة عامة». ويتابع قائلا وموضحا ايضا: «انني اعلم ان تلك الارقام تبقى دون توقعاتي وتوقعات الجميع، ودون احلامي واحلامهم. ولكن السابقة ـ البادرة ـ قد وضعت. لكن هذا لا يعني ان الدولة قادرة على احتضان كل المشاريع ولا أنها مسئولة عن ذلك. ومن حسن الحظ ان الثقافة في هذا البلد ليست مؤممة، وبالتالي فان للقطاع الخاص دورا كبيرا فيها. وهذا امر صحي وجيد، ولذلك فانني احيي قيام صندوق مماثل في القطاع الخاص نتمنى له النجاح الكبير، ونأمل بالتعاون بينه وبين الدولة في السنوات المقبلة. ـ وردا على سؤال حول الزاوية الاساسية التي يكمن فيها ذلك الدعم والزاوية التي تتبلور فيها اهمية ذلك اكثر من سواها، وما اذا كانت مادية محضة، ام ان للعامل المعنوي دورا اساسيا، قد يكون الاهم في ذلك، يجيب د. سلامة قائلا: ـ هذا يثير نقطة اساسية، اذ لا يجب ان يقف اهتمامنا او نحصره على موضوع التمويل، فضمن ذلك يهمني ان اشير الى ان المفاوضات القائمة بين وزارة الثقافة وبين الوكالة الفرانكوفونية، وبين شركة «كفالات» يعنى فقط بالصناعات الثقافية، ويؤمن قروضا ميسرة طويلة الامد مضمونة من الدولة لكل انتاج ثقافي. لقد بدأنا العمل من اجل انجاز هذا المشروع الطموح منذ اكثر من سنتين، واعتقد ان كل العقبات القانونية التي كانت قائمة قبل انشائه قد ذللت، واعتقد ان هذا الامر اساسي باعتبار ان جزءا من التمويل سيكون بصفة اسهام، وجزءا اخر سيأتي من القطاع الخاص من ظلال المؤسسة التي ستقوم وفق قاعدة استعادة استثماراتها بعد عرض الفيلم. وهناك جزء ثالث يجب ان نحصل عليه من خلال القروض الميسرة بفوائد متدنية، وبفترة طويلة من الزمن، وهذا ما نعمل عليه، ونأمل ان نصل الى نتائج ايجابية. وبذلك تتأمن القاعدة التمويلية لهذه الصناعة المهمة، وتتأمن ايضا السياسات طويلة الامد التي يحتاج اليها كل فيلم نخرجه او ننتجه، لان حياة الفيلم ليست كحياة المنتوج الثقافي الاخر التي هي احيانا قصيرة. اما بالنسبة لعودة الاستثمار الى صاحبه بعد حين فانه يتطلب في مجال السينما وقتا طويلا، وبالتالي ان تكون لدينا مؤسسات قادرة على الاستثمار في المدى الطويل، وليست في المدى القصيرة في الايام او الاسابيع، او الاشهر، بل بالسنوات. ـ ويلفت الوزير السابق د. سلامة في اطار ذلك ايضا الى اهمية المردود الذي تؤمنه المشاريع المشتركة سينمائيا، فيقول: ـ هذا صحيح وضروري اذ انه علينا على هامش ذلك ان نسعى اكثر الى تعزيز اشكال الانتاج المشترك في مجال السينما خاصة على مستوى التمويل، اذ في المشاريع الكبرى يصعب ايجاد مصرف او حتى دولة، او شركة بمفردها، تقوم بتمويل المشاريع السينمائية الكبرى، فالسينما بحاجة الى تعاون دولي بهدف الانتاج المشترك.. كما ان ثمة اهمية خاصة يجب ان تعطى على مستوى دور تبادل الخبرات، وأهمية تعريف المجتمع على سينما جدية. لذلك بدأنا منذ فترة العمل على التلاقي والتلاقح بين السينما الوطنية وبين المشاريع السينمائية والسمعية البصرية الناجحة في الخارج. باختصار، اقول اننا عملنا، وسنبقى نعمل من اجل ان تكون السينما اللبنانية ذات مستوى عال بجودتها، وبكل عناصرها الفنية كتابة وتصويرا واخراجا وما شابه. ولكن السينما صناعة ـ ومن شأن النجاح فيها تحقيق اهداف عدة لعل من ابرزها وقف هجرة الشباب. فالثقافة ليست ترفا بل هي محرك اساسي في الاقتصاد الوطني، وعلينا ان نضع بالتالي استراتيجية طويلة الامد لزيادة اسهام الصناعات الثقافية في الناتج القومي، والاقتصاد الوطني، كما في الصادرات اللبنانية. بيروت ـ وليد زهر الدين: